سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

بغصن الزيتون رسم أطفال عفرين آلامهم بطابع من المقاومة

تقرير/ صلاح إيبو –

بريشة تحمل غصن شجرة الزيتون بدأ العشرات من أطفال مخيم سردام الذي يقطنه مهجري عفرين الرسم والتعبير عما يجول في خواطرهم من أفكار وذكريات عاشوها في عفرين إبان احتلال الدولة التركية للمنطقة وصولاً إلى مخيمات النزوح، هذه هي الخطوة الثانية في مشروع “بصمات ألم” الذي أطلقه اتحاد مثقفي عفرين وبالتعاون مع وكالة روماف للأنباء بعد شهر من التهجير القصري لأهالي عفرين بهدف إيصال صوت هؤلاء الأطفال إلى العالم عبر رسومات ترسمها أنامل لا تعرف في الحياة إلا اللعب والمحبة ولكن لدى هؤلاء تحولت هذه المشاعر إلى خوف من المستقبل وحنين للماضي.

وبعد تحضيرات كثيفة بدأ اتحاد مثقفي عفرين وبالتنسيق مع طاقم من الهلال الأحمر الكردي بإنهاء التحضير لرسم اللوحة الثانية ضمن هذا المشروع، وطول هذه اللوحة 80 متر، يرسم فيها أكثر من 180 طفلاً من أطفال مخيم سردام الواقع في قرية تل سوسين بناحية الأحداث ما يجول في خلدهم، وفي لفتة مميزة شاركت الرئيسة المشتركة لفيدرالية الشمال السوري هدية يوسف والرئيس المشترك لمقاطعة الشهباء عماد دادو الأطفال في هذه الفعالية.
وتنوعت الأفكار التي بدت للوهلة الأولى شيءً روتنياً لا يتميز بشيء، لكن بعد التمعن في بعض الرسومات لاحظنا أن الأطفال يحنون لموطنهم عفرين ويربطهم معها ذكريات مؤلمة في بعض الرسومات ومفرحة في بعضها الأخر وذلك رغم مرور سبعة أشهر ونيف على تهجيرهم.
مصطفى أرنب الطفل الذي خرج من قريته “حج خليل” التابعة لمنطقة راجو بعد القصف التركي، رسم شجرة زيتون وأطفال يمرحون حولها، وقال الطفل الذي بدى الحنين واضحاً في عينيه “رسمت هذه شجرة الزيتون التي كنا نملكها في عفرين لكن اليوم حُرِمنا من اللعب هناك والاستمتاع بجنى المحصول” وأبدى مصطفى أمله بأن تكون الشجرة المفضلة لديه بخير وأن يعود للعب حولها ومساعدة أهله في جني المحصول.

طفل أخر رسم شجرة الزيتون لكن بصورة مغايرة تماماً كانت “شجرة زيتون يتم جنيها من قبل أشخاص ذو لحاً طويلة، وبعد الانتهاء يعمدون على قطعها” هنا يُظهر الطفل حمزة مدى شوقه للشجرة المباركة “الزيتون” وكيفية تعامل الاحتلال التركي مع هذه الشجرة.
في اللوحة التي تناوب الأطفال على رسمها في مرحلتين، رسمت روشين حبش طفلة بعمر عشر سنوات، الحالة النفسية التي عايشها الأطفال في عفرين حين كانت طائرات الاحتلال التركي تقصف المدينة وتقول الطفلة “تظهر رسمتي مدى خوف الأطفال من قصف الطائرات لمدينة عفرين، هنا يسارع الأطفال للاحتماء في أقبية الأبنية”، وتقول روشين أنها كانت موجودة هناك حين قصفت طائرات الاحتلال التركي منطقة قريبة من المدينة وخافت حينها كثيراً وارتسم ذلك الخوف في ذهنها.

جاءت فكرة هذا المشروع من عدد من فناني عفرين ومثقفيها، ومن بينهم الفنان التشكيلي “حنيف حمو والفنان أردلان إبراهيم” وتكفل اتحاد مثقفي عفرين بالتنسيق مع الهلال الاحمر الكردي بتنظيم فعاليات المشروع وتقديم المساعدة للفنانين بهدف رسم بسمة على أوجه الأطفال.
ويهدف القائمون على المشروع للوصول إلى كل طفل عفريني نازح في مقاطعة الشهباء، بهدف رسم بصمته وشعوره الذي يدور في خلده بعد تهجيرهم من مدينتهم، وبدأت أولى خطوات المشروع من مخيم برخدان الذي شارك عدد كبير من أطفاله من الفئات العمرية المتفاوتة بين الخامسة والخامسة عشر سنة قبل ثلاثة أشهر.
هذا وتكفلت وكالة “روماف” بتقديم الدعم اللاوجستي الكامل لهذا المشروع وقال مدير وكالة “روماف” نوري عدنان أن دعمهم لمثل هذا المشروع جاء من مبدأ دعم حقوق اطفال عفرين الذين تعرضوا لأزمة نفسية نتيجة تهجيرهم من مدينتهم، منوهناً إلى أن الخطوة الثانية للمشروع تأخرت نتيجة بعض المشاكل التكنيكية في تأمين القماش الخاص للرسم وأكد على استمرار الخطوات اللاحقة لتشمل قرى الأحداث وتل قراح وتل رفعت.

ويقول الفنان التشكيلي “أردلان إبراهيم” أن الخطوة الأولى من هذا المشروع المتكامل هي أن يقوم الأطفال برسم مشاعرهم وخيالاتهم على القطعة القماشية وتوثق كاميرة فيديو لوحة كل طفل عبر تعبيره عن رائيه وما رسمه، وفي النهاية نكون أمام لوحة متعددة الأفكار أبطالها أطفال عفرين، وسيقوم الرئيس المشترك لاتحاد مثقفي عفرين الأستاذ أسامة أحمد بتأليف قصيدة شعرية مستوحاة من لوحات أطفال عفرين تعبِّر عن فكرة المشروع النهائية.

وهناك خطوة أخرى لاستكمال هذا المشروع وهو تأليف فلم وثائقي عن أطفال عفرين وأمالهم وأفكارهم، ويقول المخرج هيثم مصطفى “نحاول رصد كل شيء في هذا الحدث عبر كاميرات خاصة لإنتاج فليم وثائقي خاص بالأطفال وسندعمها بملف عن أيام الحرب والقصف الذي تعرضت له عفرين”.
ويشير المشرفون على المشروع ان هدفهم الأخير هو إيصال رسالة أطفال عفرين للعالم عبر عرض اللوحات في العواصم العربية والعالمية إن أمكن، ويتم العمل حالياً على نقل هذه اللوحات إلى العاصمة اللبنانية بيروت بعد استكمالها.
وبالعودة لرسومات الأطفال التي بدت عليها الحنين، ظهر جانب آخر وهو المقاومة وأمل العودة، إذ رسم الطفل جودي جيشاً جراراً يضم طائرات ودبابات وقال الطفل الذي بدت الفرحة على وجهه من خلال مشاركته في هذه اللوحة “إن هذا الجيش هو جيشنا والذي سنحرر به عفرين” خيالات الأطفال تجاوزت  حدود السياسة والواقع إلى رسم لوحات التحرير التي عجز السياسيون عن رسم مفاصلها بعد مرور سبع أشهر.

لكن هذا الخيال بالتحرير اصطدم بلوحة طفل أخر بجانبه وهو الطفل أوجلان بلال، الذي رسم لوحة تجسد فيها قافلة من السيارات وهي القافلة التي كانت تضم مئات السيارات القادمة من إقليم الجزيرة والفرات إلى عفرين وتعرضت لقصف الطائرات التركية على مرأى العالم ولم يشجبها أحد آنذاك وقال الطفل “حين شاهدت ذلك على شاشات التلفزيون وسمعت من الأهالي حزنت لأن هذه القافلة كانت تحمل ثياب الشتاء لأطفال عفرين وتبللت تلك الثياب تحت المطر”.
وهناك لوحات أخرى كثيرة عبّرت عن وجهوه وكلمات حملت معاني عدة عبّرت عن ترابط الأطفال رغم صغر سنهم بمدينتهم عفرين والألوان الكردية وكلمات تدل على الترابط القومي للأطفال بكرديتهم ولغتهم الأم التي تعلموها في عفرين خلال السنوات السبع الماضية.