سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

بعيداً عن السياسة

رجائي فايد-

بين حين وآخر يحتاج الإنسان إلى فترة يستجم فيها بعيداً عن الغرق في هموم السياسة خصوصاً وأن الأوضاع السياسية في منطقتنا صارت لا تسر حبيباً، في حين أنها تسعد كل من يضمر لنا شراً، وقد أتاحت لي ابنتي هذه الفرصة، حيث تقطن مع زوجها العامل في المجال الطبي بدولة الإمارات، في حين أن حفيدي يدرس في مراحل التعليم الأولى في مدارس أبو ظبي، في مستوى يعتبر أفضل المستويات التعليمية العالمية، وخلال تواجدي معهم خلال تلك الفترة التي قاربت على أربعة شهور، خرجت بنتيجة أن تلك الدولة (الإمارات العربية المتحدة) تعتبر نموذجاً متفرداً عن المنطقة، حيث ينظر إلى المواطن على أنه الأغلى، وبالتالي يبذلون في سبيله كل شيء.
بداية كان علي أن أجري اختبار (كورونا) قبل السفر، وجاءت نتيجته سلبية والحمد لله، لكن بتكلفتة باهظة الثمن، وبمعاناة جسدية مضنية، وسافرت بالطائرة إلى (دبي) حيث لا يسمح بدخول الزائرين لإمارة أبو ظبي إلا من خلالها، لأن دبي تعتمد اقتصادياً على السياحة، وبالتالي يصعب عليها إغلاق مجالها الجوي، في ظل الاحترازات الخاصة بهذه الجائحة اللعينة، ومع وصولي لمطار (دبي) أجروا لي اختباراً مجانياً لـ(كورونا)، وتم ذلك بسهولة وبلا تعقيد، كما أنشؤوا لي بطاقة صحية على (الإنترنت)، يسجل فيها كل ما له علاقة بوضعي الصحي، وكانت تلك أول مرة في حياتي أحوز فيها تلك البطاقة، انتقلت إلى مدينة (أبو ظبى) حيث فوجئت بما يشبه الحدود بينها وبين باقي الإمارات، إذ لا يسمح بالدخول إليها، إلا بعد الاطلاع على ما يثبت إجراء مسحة سلبية لجائحة (كورونا) ويطبق ذلك بصرامة وبلا أي تهاون، على عكس ما كان يحدث في السابق، حيث كان الانتقال إلى (أبو ظبي)، ومن أي أمارة، يتم بسلاسة وبلا أي حدود أو إجراءات، ولكنها ظروف الجائحة الملعونة التي حتمت تلك القيود، حماية للأغلى وهو الإنسان، لذلك كانت تلك الأوامر والنواهي التي لا يستثنى منها أحد، كان علي أن أبقى في المنزل لأيام، وأجرى خلالها اختبارين (كورونا) للتأكد من خلو جسدي من هذا (الفيروس)، وبعد أن تم التأكد من أنه لا يوجد خطر صحي مني على المواطنين، سمح لي بالانطلاق بحرية، والاستمتاع بكل ما في (أبو ظبى) من منجزات رائعة حديثة، (أسواق، ومطاعم عالمية ومنتجعات، وشواطئ… إلخ).
 خلال فترة إقامتي عشت وضعاً استثنائياً لم أعشه في منطقتنا، لا من قبل أو بعد، فإدارة المنطقة تعاملت مع هذه الجائحة، على أنه عدو يجب هزيمته، ولذلك وضعت الحصون والمتاريس من أجل ذلك، فالعقوبات القاسية لمن ينتهك تلك التعليمات، ويتساوى فيها المواطن والعامل المقيم وكذلك الزائر، والتزم الجميع بذلك، فلم أجد أحداً خارج مسكنه بدون كمامة على وجهه، كافة العاملين في الحكومة وفي الأنشطة التجارية والخدمية، يجرون اختبارات إجبارية منتظمة، بما فيهم طلاب المدارس والجامعات، ويتم عزل المصاب فوراً بعيداً عن نشاطه، مع إجراء اختبارات لكل من خالطه، بل ولم تكتفِ الإدارة بذلك، إذ نظمت قوافل طبية في الأحياء من أجل البحث في أجساد الجميع عن هذا (الفيروس) لعزل صاحبه وعلاجه، لقد تم تطبيق كل ما قرره العلم لكيفية مواجهة الأوبئة والجوائح، وأؤكد من جديد أنني عشت أياماً بعيداً عن السياسة، كنت خلالها مطمئناً تماماً على وضعي الصحي، وأشكر كل من أدخل الطمأنينة إلى قلبي، وهو واجب علي.
وعدت إلى مصر وهموم السياسة، لأجدها كما تركتها، (خليها على الله)، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب علينا)، (مصر محفوظة ببركة الأولياء)، في حين أنهم خالفوا أمر الله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).