سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

بعد الجنوب … إدلب ميدان المعركة الحاسمة؟

حسام اسماعيل –
بعد أن قام جيش النظام السوريّ بعدّة عمليات عسكريّة في منطقة الغوطة الشرقيّة والتي أسفرت عن إجلاء الآلاف سواء من المدنيين والمسلحين (ممن كانوا يُسمون بالإرهابيين سابقاً) عبر الباصات الخضراء ــ التي أصبحت مادة للتندُّر وفألاً سيئاً عليهم ــ إلى مدن وبلدات الشمال السوريّ وبخاصةٍ في إدلب ومنها إلى عفرين، تمهيداً للقضاء على المعارضة المسلّحة بشكل نهائيّ أو ربما الضغط على الدول المستفيدة من هؤلاء بغية إعادة استخدامهم وتحويل مدن الشمال السوريّ إلى ثكنات عسكريّة تضمّ عدداً كبيراً من هؤلاء المرتزقة من خلال تعبئتهم واستخدامهم في حربها كلما تغيّرت قواعد اللعبة. بعد انعقاد عدة مؤتمرات واجتماعات بين الدول الكبرى والإقليميّة (اللاعبين الرئيسين في الميدان السوريّ) والتي تعكس التفاهمات الدوليَّة والصراعات في سوريا يُصرّح النظام السوريّ عن اقتراب موعدِ شنِّ عملية عسكريّة واسعة النطاق على آخر معاقل المعارضة المسلحة في إدلب، بعد استكماله السيطرة بالكامل على الجنوب السوريّ، فهل ستكون رحلة الشمال مشابهة لرحلة الجنوب؟! ويجب أن نضع في الحسبان أنّ الوضع في الشمال السوريّ يختلف وبشكل جذريّ عن الوضع في الجنوب بسبب تمسّك تركيا بالمناطق المحاذية لحدودها ورغبتها بالسيطرة على تلك المناطق عبر استخدام المسلّحين المرتزقة الذين تدعمهم بطريقة أو بأخرى، وذلك لأنّ بقاء تلك المناطق تحت سيطرتها يُضاعف من حظوظها التفاوضيّة مع الدول الكبرى ويؤمن مزيداً من المصالح، ناهيك عن مشروع التوسّع الاستعماريّ والنفوذ الذي يدغدغ عقلها. مع اقتراب الحملة العسكريّة يحاول المسلحون توحيد صفوفهم من خلال تشكيل جبهة عسكريّة موحّدة، وعلى ما يبدو لازالت تركيا هي المستفيد الأول والأخير من هذه الجبهة، ولكن تتزايد المؤشرات على احتمال قيام الأخيرة بتدخل عسكريّ في إدلب في حال فشل المسلحون بتشكيل هذه الجبهة، وبخاصة بعد تصريحات «أردوغان» في نيويورك عن عزم بلاده إرسال قوات إليها، في إطار تطبيق اتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي جرى التوافق عليه بين الرعاة الثلاثة (روسيا وتركيا وإيران) في اجتماع أستانا، وإقرار البرلمان التركيّ تمديد تفويض الحكومة للجيش التركيّ بالقيام بعمليات خارج الحدود في العراق وسوريا. تنبع أهمية مدينة إدلب من موقعها الجغرافيّ المحاذي للحدود التركيّة، حيث تحاذي من الشمال ولاية أنطاكية (هاتاي) التركيّة ومنطقة عفرين المحتلة، وتحدّها من الشرق مدينة حلب، ومن الغرب اللاذقية، وتضمّ مناطق حضريّة هامة مثل معرة النعمان وسلقين وحارم وبنش وجسر الشغور وأريحا وسواها. وقد تحوّلت إدلب إلى نقطة ارتكاز هامّة وخزانٍ للمسلّحين المعارضين، ويُنظر إليها بوصفها النقطة المحوريّة الاستراتيجيّة في المعادلتين العسكريّة والسياسيّة وبخاصةٍ بالنسبة لروسيا بسبب قربها من قاعدة حميميم ورغبتها في حماية قواعدها العسكريّة من أيّ تهديد محتمل بعد استهداف طائراتها وبشكل مباشر في الآونة الأخيرة من قبل المسلّحين. وزادت أهمية المدينة أيضاً بعد ترحيل معظم المرتزقة والإرهابيين الذين عقدت معهم روسيا وإيران والنظام اتفاقات التهجير القسريّ بوساطة تركيّة، ضمن عمليات التغيير الديمغرافيّ في سوريا، وإذا استطاع النظام السوريّ أن يُسيطر على إدلب فسيكون قد نفّذ الخطة الأبعد والأعمق والتي صاغها مع حليفه الروسيّ، وسيوجه الضربة القاضية ضد كتلة المعارضة المسلحة التي تمّ تجميعها، وسيكون لهذا الأمر تأثير كبير على الخارطة الجغرافيّة والعسكريّة الحالية، وفي ظل هذا الوضع المتوتر في تلك المنطقة والاقتتال بين المرتزقة من كلّ الفصائل المسلحة، وبخاصةٍ بين /حركة أحرار الشام / المصنّفة بالاعتدال وبين جبهة فتح الشام/ النصرة سابقاً، والموضوعة على قائمة الإرهاب والمستهدفة من قبل التحالف الدوليّ وروسيا وغيرها، وسيكون من الصعب تشكيل جبهة موحّدة وسيكون تشكيل غرفة عمليات موحّدة مسألة صعبة جداً، وستضع بعض الدول الداعمة للمسلّحين المعارضين كتركيا في موقف حرج جداً، وربما رسمت قمة هلسنكي بين الرئيسين بوتين وترامب خارطة التموضعات القادمة ومن شأنها أن تحجّم الدور التركيّ والإيرانيّ بشكل كبير، وهنا تبادل المواقف والمصالح بين الروسيّ والأمريكيّ.
ويبقى السؤال المطروح هل ستنجح روسيا ومعها النظام السوريّ في المضي قدماً بهذه الحملة العسكريّة كانت بدأت فعلاً ووصلت إلى مطار أبي الظهور ثم توقفت لدى العدوان التركيّ على عفرين، وانتقل المعارك إلى الغوطة ومن بعدها جنوب سوريا، أم سيكون مصيرها كمصير الغوطة والجنوب، والحقيقة الإجابة في كواليس السياسة فيما الميدان ترجمة علنيّة له.