سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

بصيص أمل قادم من الشمال السوري.. ترقبوه

لمى الأتاسي (ناشطة حقوقية)-

اختفت المرأة السورية من الشارع بعد فترة قصيرة من نزولها إليه في احتجاجات عام 2011، رغم أن موقفها في المظاهرات السلمية حينها لم يكن من باب مساندة الرجل الثائر بل كان حقاً تعبيراً عن موقفها كثائرة، وتحولت الساحات تدريجياً لمعركة عسكرية يقودها رجال دين، ولكن يجب ألا ننسى أن الأجهزة الأمنية للحكومة السورية هي من قمعت وغيرت المشهد الأول الذي تضمن حضور المرأة الثائرة والطابع المدني.
ومع تحول المشهد من مدني إلى ديني وعسكري أصبحت المرأة مستهدفة من الجميع، إذ دخلت وحيدة في صراع مزدوج مع محيطها الذي أفرط بالتشدد مع المرأة وحدّ من حرياتها الشخصية من جهة، ومن جهة ثانية كانت المرأة ذاتها مستهدفة من الأجهزة الأمنية الموالية للنظام لإلحاق الذل بالثوار عبر الاعتداء عليها.
وفي مراحل لاحقة تطورت حالة التشدد وظهرت في مناطق تحكمها تنظيمات القاعدة وفيما بعد داعش، فكلنا نعلم كيف كان حال المرأة هناك وما القوانين التي حكمت المجتمع، وفي حالات خرجت المرأة الثائرة قليلًا عن صمتها وبدأت تسرد للعالم معاناتها في المعتقلات وكيف نبذت أو هُددت حياتها من قبل أهلها لكونها اعتقلت.
وللمرأة، في الطرف الآخر الموالي لنظام الأسد، معاناتها التي لم تشتك منها بعد بصورة جلية، فمن الغبن أن نقول إنها في أفضل حال بل يحتاج الأمر للنظر في حقوقها لأن المسألة ليست حرية لباس وزينة، وفي عهد البعث ونظام الأسد، صيغت القوانين السورية لإرضاء الرجل فقط وفق معايير مجتمع ذكوري، كما أن التسلط والسماح بالظلم عموماً كان كل ما يستطيع النظام تقديمه لمواليه كي يقاتلوا معه، ويبدو تعدد الزوجات ظاهرة منتشرة وسط ضباط النظام وليس بيد الزوجة في هذه الظروف البائسة إلا الصمت.
 لكن على الطرف الآخر من المعادلة فإن حال المرأة في مناطق شمال وشرق سوريا تبدو مشرقة بالأمل والتفاؤل مقارنة بجاراتها، فالقانون والإدارة والممارسة ضمن مناطق الإدارة الذاتية ميادين تدل على إرادة حقيقية في التغيير هناك، هذا رغم أن الشمال كان قبل الثورة والحرب من المناطق الأكثر إهمالاً من الحكومة البعثية وخصوصاً من حيث البنى التحتية، فقد كانت المرأة تعاني من تهميش وظلم أكبر من الدولة.
وفي مناطق شمال وشرق سوريا تتعايش شعوب ومكونات عديدة رغم أن لكل منها قوانينه الداخلية ذات الصفة العشائرية التي يصعب اقتحامها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتغيير واقع المرأة، لكن تجربة الإدارة الذاتية حملت الريادة في هذا المجال، حيث قررت مجموعة من النساء الكرد في البداية اقتحام الحصار المفروض على أخواتهن في المنطقة الأكثر صعوبة وخطراً، مُواجهاتٍ بشجاعة غضب ورفض المجتمع للقوانين الجديدة التي فرضت على الرجل احترام زوجته وأخته وابنته من خلال تبني عقلية جديدة للتعامل مع المرأة في مناطق الإدارة الذاتية.
وبدأت المعركة بداية مع المجتمع عبر محاربة داعش الذي وجد بعضاً من الحاضنة الشعبية في مجتمعاتنا، واستمرت بالتوازي مع محاربة داعش بالنضال فكرياً من أجل الدفاع عن حقوقها، لكن الأمر ليس بسهل ولن يحسم ببساطة، فتغيير المتعارف عليه أصعب من تغيير القوانين ذاتها، وقد تمكنت الإدارة الذاتية من ضبط الكثير من الممارسات كالعنف ضد المرأة وحمايتها من الأساليب التي كانت ترتكب بحقها، لكن ليس يسيراً إقناع رجال المجتمع بالمشاركة في عملية التحديث وتغيير الأدوار الاجتماعية في الأسرة، وكذلك القبول بالمشاركة الندية مع المرأة، لكن المرأة في شمال وشرق سوريا أثبتت أنها رائدة في الكثير من المجالات، وبخاصة العسكرية منها، حيث سطرت ملاحم بطولية في معركتها ضد الإرهاب، بالإضافة إلى تحملها مسؤوليات كبيرة في القيادة العسكرية والسياسية.
ومن أجل بناء سوريا أخرى لا تُذل فيها المرأة ولا أي أحد آخر، لا بد من هذا النضال لبناء جيل جديد متوازن وحضاري. فالدول المتحضرة الديمقراطية تتميز بقوانين علمانية إنسانية تنصف المرأة وتعطيها كافة حقوقها وتحميها من العنف وتحمي الأسرة وتعمل على التوعية العامة.
في شمال وشرق سوريا، النساء انخرطن في الإدارة الذاتية وشكلوا جيشاً من الموظفين لديها، بالإضافة إلى قيادتهم في المجال الاجتماعي، وبدأ هذا الأمر يعطي نتائجه لدى الرجال الذين يبدون من أشد المقتنعين بمشاركة المرأة في عملية البناء، ومن هنا بدأ أمل جديد بسوريا الجديدة.
المرأة الكردية ثارت قبل غيرها على هذا الواقع وحملت السلاح ضد داعش والفكر الظلامي، فعلت هذا لأنها مقتنعة بأن حرية بلد لا يمكن أن تُنجز منقوصة، بل إنها تبدأ بحرية المرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع، وفي البداية كان ينظر للحالة الكردية على أنها استثناء عن المعارضة السورية التي لم تفسح مكاناً حقيقياً للمرأة، لكن الجميع بدأ فيما بعد يعي أن هذه هي الحالة العامة المطلوبة لسوريا، فلا يعقل أن يساند العالم ثورة تعمل على إعادة المجتمع إلى الوراء، وما لم يفهمه بعدُ كثيرون في المعارضة السورية هو أن أحد مقومات مناصرة العالم الحر للإدارة الذاتية هو إنصافها للمرأة وتطلعاتها الصادقة للحرية والحضارة.
فوجود المرأة هناك ليس تمثيلاً ولا اصطناعاً بل هو حقيقة تتجاوز فيها مطالب ثورتها الواقع السابق، وتحلق بعيداً لتسمو فوق الوضع المفروض على المرأة في المجتمع السوري المعارض والموالي، ورغم الصراعات التي تنهك سوريا وشعبها، هناك بصيص أمل قادم من الشمال… ترقبوه.