سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

برامج الأطفال بين الماضي والحاضر ـ1ـ

 سراج حسن-

لطالما كانت تلك العيون الكرتونية لغة الخيال، أبحرنا فيها وغصنا في قصصها وتجاوزنا المحال… تخيلنا ذاتنا أمراء فيها وكانت مملكتنا وجزرنا السحرية ذاك الخيّال…
 كبرنا وما زالت براءة تلك الأيام في قلوبنا، لا شك أن مفتاح شخصية الإنسان تبدأ من طفولته حيث يبدأ بكسب معلوماته ومعرفته من المحيط الذي حوله ومن الأسرة والمدرسة، ومتابعة الرسوم المتحركة والأفلام الكرتونية وغيرها مما يميل إليه الطفل.
قد يكون السبب في عشقنا وهوسنا بالرسوم المتحركة لا غرابة فيه، إذ يجتمع الجميع في ذكريات الطفولة وينسون لوهلة مسؤولية الحاضر، من منا لم يتمنَّ أن يحتضن كرتونه المفضل أثناء طفولته؟ وفي لحظات معينة قد تنسى نفسك وتعيش اللحظة كما لو أنك طفل ذلك الزمان.
وفي الحقيقة ومع جمال ذلك الكرتون وتلك اللقطات، نحن نتذكر أيضاً ما عشناه في ذلك الزمن، لكل منا ذكرى في زمن ذلك الكرتون، في ذلك الوقت كنا أطفالاً بلا مسؤولية، كنا لا نعلم الكثير ونعيش ببساطة وكان معنا أناس شاركونا تلك الذكريات البسيطة، حقاً إنه عالم السحر والغرابة، عالم الخيال والبراءة.
لعل أصعب أنواع الأدب والأفلام والقصص هي تلك الموجهة للأطفال، لسببين، الأول: أن كاتب قصص الأطفال يجب أن يتقمص شخصية ونظرة وبراءة الطفولة بالنظر إلى الأمور والطبيعة والحيوان وغيرها، حتى يستطيع كتابة أو إنجاز العمل الموجه للأطفال ليحصل على الهدف المنشود، وهو إخراج عمل ناجح ومفيد للطفل، ويعمل على إذكاء معلوماتهم بطريقة تجذبهم، وتجعلهم يأخذون المعلومة أو العبرة والفائدة والمتعة.
الثاني: تكمن صعوبة الكتابة والعمل في هذا المجال لحساسية الفئة العمرية الموجه لهم هذا العمل، وهم الأطفال، لأن الطفل أشبه ما يكون بصفحة فارغة ويجب توجيه العمل الفني أو الأدبي إليه بعناية ودراسة عميقة، لأنه يترسخ في ذهنه ويأخذ حيزاً كبيراً من عواطفه وأحاسيسه الرهيفة وعقله المشرع الأبواب للخيال وتلقي المعلومة، إن الطفل يتأثر كثيراً بالرسوم المتحركة والأغاني والحكايات وغيرها… ويمكن أن تساهم تلك المسلسلات والأفلام بتوجيه الأطفال إلى السلوك الجيد وتزرع المبادئ السامية في وجدانهم وتنمية قدراتهم وملكاتهم العقلية والحسية، لأن الطفل يتأثر كثيراً بأبطاله وشخصياته الكرتونية المفضلة.
الفرق بين الأفلام والمسلسلات الماضية والأفلام الحالية
لعل أشهر شركتين لإنتاج أفلام الرسوم المتحركة هما شركة أنمي وشركة ديزني..
شركة الأنمي اليابانية وشركة ديزني الأمريكية. إن جيل الثمانينات والتسعينات يتذكرون جيداً أفلام الكرتون من أنمي، من منا لا يتذكر مسلسل (سنان، عدنان ولينا، سالي، قصص الشعوب، بيل وسبستيان، جزيرة الكنز، ماوكلي، وغيرها من عشرات الأفلام).
وللتنويه فإن أغلب هذه الأفلام أخرجها الفنان الدكتور فائق الحكيم مواليد العراق 1943م والحائز على الدكتوراه في الأدب الألماني وقد عمل لصالح قنوات ألمانية وفرنسية وإيطالية وعربية.
جميعنا يتذكر كيف كنا ننتظر لساعات طويلة نترقب مجيء موعد برامج الأطفال، لنجلس مجتمعين مبهورين أمام تلك الشاشة الصغيرة السحرية نشاهد ونندمج مع تلك المسلسلات الرائعة، والجميع كانوا يحلقون بخيالهم الطفولي يحيون مع هؤلاء الأبطال الكرتونيين وكأنهم جزء من عالمهم وقصصهم.
كانت في تلك الحقبة أغلب المحطات التلفزيونية القليلة التي كان ذلك الجيل يتابعونها تبث أفلام الأنمي اليابانية أو مسلسلات أنتجتها محطات عربية أو محلية.
ركزت برامج الأطفال في تلك الفترة على موضوعين، النوع الأول: برامج تعليمية تعلم الأطفال أوليات الحساب والقراءة وأساسيات العلوم وبطريقة شيقة مثال على ذلك، مسلسل افتح يا سمسم أو جهينة أو لبيبة.
مسلسلات إينمي اليابانية المدبلجة إلى اللغة العربية، كانت تهدف إلى تنمية حب الطفل للخير، وكانت تستطيع بسلاسة وأسلوب ممتع إيصال الفكرة والعبرة والمعلومة، أغلب تلك المسلسلات والبرامج كان يتابعها الكبار مع الصغار، كانت قصصاً وروايات عالمية تم قولبتها ونسقها بما يلائم الأطفال.
ليس تجنياً على الأجيال الحالية، ولكن ما يقدم اليوم لا ينمي في الطفل إلا البلادة.
كانت الفكرة في أغلب تلك المسلسلات هي إيصال فكرة للطفل أن الخير والمحبة والسلام تجلب السعادة وتجعل من الحياة أجمل، وتعلمهم الرأفة بالحيوان والعيش بسلام وحب الصداقة والإنسانية وغيرها من الصفات النبيلة.
من منا لا يتذكر مثلاً المسلسل الكرتوني سنان، وهو مسلسل حلقاته أشبه ما تكون بقصص كليلة ودمنة، لابن المقفع، في كل حلقة يحدث مع سنان وأصدقائه قصة يستخلص منها الطفل أن الخير والوفاء والصداقة والتعاون دائماً ينتصرون. القصص التي تحدث مع القنفذ سنان وسكان غابة الصنوبر تجري على لسان الحيوانات، لكنها موجهة بطريقة أنيقة ولبقة وساحرة إلى الأطفال من خلال القصص المنتقاة بعناية والأغاني التي تدعو إلى الخير والسلام.
الآن وفي ظل هذه الحروب التي تمر على الوطن، نشعر كم نحن في بحاجة بل كم نتمنى ونحلم أن تكون بلادنا جميلة ويسودها المحبة والإخاء والتسامح، كما تمنى سنان وأصدقاؤه هذا الشيء لسكان الغابة حين كانوا يغنون…
ما أحلى أن نعيش في خيرِ وسلام.. في خيرِ وسلام
ما أحلى أن نكون في حبٍّ ووئام.. في حبٍّ ووئام
لا شر يؤذينا.. لا ظلم يؤذينا.
والدنيا تبقى تبقى آمالٌ للجميع.. والدنيا تبقى تبقى آمالٌ للجميع
ما أجمل أن نكون في بيت واحد
ما أجمل أن نعيش في وطن واحد
لا شر يؤذينا لا ظلم يؤذينا
والدنيا تبقى تبقى آمال للجميع.