سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الوطن هو الأم

 أزهر أحمد –

ما ان أنهيت محاضرتي التي كانت بين مجموعة من قواتنا البطلة، وكانت عن الوطن والوطنية، وبدأنا بالنقاشات حتى ترامى الي صوته الممزوج بشيء من التهدج، شاب أسمر السحنة وفي عينيه بريق من التصميم والتحدي واليقين، كان واقفاً وأنا ألقي المحاضرة وكل جوارحه تصغي وبه شوق للحديث، وقال وكأنما يعلنها للعالم أجمع: “الوطن هو الأم والوطنية هو حب الأم”. وكأنه اختصر كل ما قلته في جملة واحدة.
وطلبت منه أن يأخذ راحته ووقته في الشرح والحديث؛ فاستطرد: “أنا من منطقة الرقة، دخل داعش إلى قريتي (كسرى سرور)، لم يكن أمامي سوى إجبار عائلتي الصغيرة على ترك القرية والسفر إلى تركيا, خوفاً عليها، والتحقت بوحدات حماية الشعب في مناطق كوباني وفي أواخر 2014، أدركت بأن عائلتي تتعرض لمضايقات وتريد العودة إلى الوطن, رغم إن زوجتي لم تتحدث عن مجريات الأمور وحياتها هناك،  إلا أن نبرة صوتها وإلحاحها بالعودة إلى الوطن كان يؤكد بأنهم في وضع حرج يصعب احتماله، لذا طلبت منهم العودة  إلى الوطن عبر مقاطعة  كوباني، وانتظرتهم عند البوابة وأنا في غاية الشوق للقاء الأحبة بعد فراق طويل، أخاطب نفسي وأنا أحاول أن  كسب شيء من الدفء من نار أوقدها رفاقي, وكانوا رائعين في مشاركتي في فرحتي، فجأة انقطع الاتصال مع زوجتي, حاولت الاتصال معها عدة مرات لكن دون جدوى، كانت ثمة أصوات لأزيز رصاص متقطع يسمع. لم أكترث للوهلة الأولى، ولكن عند استمرار انقطاع  الاتصال بها ازداد قلقي, وراودتني أفكار وكوابيس، بعد أن كنت اتخيل ابتسامة زوجتي وضحكة طفلتي وهي تركض إلى حضني، فإذا بهم قادمون ويا للهول, زوجتي تحمل كيساً أسود فوق ذراعيها, وبعض النسوة, ممن رافقتها يحملن كيسا آخر، ويمتزج نواح النساء مع أزيز الرصاص، وهن يسرعن باتجاهنا، وقهقهة الجنود الأتراك تزيدني خوفاً وقلقاً والمقاتلون يحاولون ضبط النفس، ريثما يصلن المعبر من جهتنا، ويجتزن البوابة، وأخيرا ووسط قهقهة الأوغاد وزيادة نواح النسوة وزمجرة أصوات رفاقنا، دخلن؛ جثت زوجتي على ركبتيها لتقبل التراب تارة, وتحمل حفنة أخرى وتذرها على رأسها. وهي تولول: “قتل الأوغاد ابنتي فرح, قتل الأوغاد سيدرا، كانت تلاعب سيدرا, فرح هنا في هذا الكيس الأسود كيس القمامة؛ هي هدية الأوغاد، وهذا الكيس الآخر لصديقتها سيدرا”.
حملنا جثامين فرح وسيدرا، لتحتضنهما أرض الوطن بين رفاقنا، ذلك التراب الأحمر بذراته المباركة ضم جثمانهما، وكأن تلك الذرات تتحدث إلى طفلتي فرح وصديقتها سيدرا لتقول لهم: ناموا أحبتي  قريرات العين،  فأنتن الآن في أحضاني”.
أنهى المقاتل كلامه، شدنا كلامه واثرت فينا قصته، شد الكثير من رفاقه من عزيمته وربتوا على كتفه، وقال له أحدهم: لا تحزن يا رفيقي قسماً سنثأر لفرح وسيدرا وجميع رفاقنا، نعدك بالثأر.
وتابعت قائلا: “لتنم فرح وسيدرا قريرات العين في حضن الوطن، نعم الوطن هي الأم”، ثم لملمت وريقات محاضرتي وأنا أقول لهم: “النصر لكم يا رفاق, الوطن هو الأم, الوطن هو الأم”.