سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

النقد الأدبي الحديث للرواية

محمد البنا

تشكل الشبكة السردية – وأقصد بها العلاقة بين شخوص الرواية- المدخل الأساس لاستيعاب المتن السردي ككل لا يتجزأ، وأرى أن ذلك الاستيعاب هو لب أي قراءة نقدية يتناول بها الناقد نقديته للرواية وللقصة والقصة القصيرة والقصيرة جدًا، بل ولأي منتج أدبي آخر.

تلك الشبكة يتضافر معها عنصرا المكان والزمان لصنع الحدث أو الأحداث -على كثرتها في الرواية وقلتها فيما غيرها- وليشكلا معًا -باستخدام اللغة- البانوراما الأدبية الإبداعية للمنتج الأدبي بصفة عامة.

وتأتي تقنيات السرد منهجية للتدفق السردي وحركته تصاعديًا -رأسيًا أو أفقيًا أو كلاهما معا- عوامل أساسية مضافة ومطلوبة واضعة الشبكة السردية محل التنفيذ بين ضفتي البداية والنهاية.

وأعود وأكرر: الاستيعاب الكامل للنص هو أهم مدخل للناقد الأدبي، وبدونه حتمًا، وبلا أدنى شك، سيكون إخراجه لأطروحته النقدية إخراجًا معيبا.

الاستيعاب (الشبكة السردية) نلخصه في فهم الناقد لطبيعة شخوص العمل الأدبي، والعلاقة الرابطة بينهم حدثيًا ونفسيًا واجتماعيًا؛ ما يتيح له القبض الجيد على مفاصل الفكرة أو الأفكار، التي طرحها المؤلف، ما ظهر منها وما بطن، ويتيح له أيضًا الوقوف على مناطق القوة والضعف السردية، سواء أكانت في الحبكة او المعالجة، فبدون رؤية شاملة وصحيحة لا نقد كامل.

وللناقد أدواته في ذلك؛ أهمها الحس النقدي أو ما يمكن تسميته الموهبة النقدية، وهي موهبة أدبية تماهي غيرها من المواهب (شعر، سرد)، ولها أدواتها كما لغيرها من المواهب أدوات، فالموهبة أساس لكنها ليست البناء كله، لذا فالناقد الأدبي ينبغي أن يكون ملمًا عامًا بالعلوم البشرية المتعارف عليها، نقول ملمًا وليس متبحرًا أو متخصصًا في أي منها، كما يجب أن يكون مطلعًا على ما سبق من ظواهر ومجتمعات وثقافات سابقة، ومواكبًا لظواهر ومجتمعات وثقافات آنية، مثله في ذلك مثل أي موهبة إبداعية أخرى، إلا أنه يختلف عنها في نقطة واحدة، وهى التخيل، نقول يختلف ولم نقل يفتقد، لأن الناقد له إبداعه التخيلي أيضًا، ولكنه مقيدٌ بالإبداع التخيلي السابق له – العمل الأدبي محل النقد- ففي تجاوزه شطط وفي تقاعسه نقصان، وحتى لا تفلت الفكرة منا أو يساء فهمها؛ أقول جازمًا: أن الناقد قد يأتي برؤى وتخريجات لم يكن الكاتب يقصدها، أو يفكر فيها أثناء مخاضه لإبداعه، ولكنها من المؤكد أن منتجه الأدبي أتى بها واقتنصها الناقد ببراعة ومهارة، كم يقول: “هذا ما قاله النص لي”.

هذا هو الناقد الحق المتمكن -بما يملكه من موهبة وأدوات نقدية-وهو ما لا تنطبق عليه مقولة العالم البريطاني/ رونان ماكدونالد “موت الناقد ” تأسيًا بسلفه رولان بارت، حين قال بموت المؤلف، وقد أوضح رونان ماكدونالد في كتابه (موت الناقد) أنه عنى بذلك الناقد الأكاديمي الصرف، واضعًا بذلك الموهبة النقدية كشرط أول وأساس لممارسة العملية النقدية، وبدونها فالناقد ميت، والنقدية خاصته لا حياة فيها، ولا طعم، ولا رائحة.

ولنقد الرواية نقدًا حداثيًا:

نستخدم عددًا من الأدوات لتحليلها وتقييمها، ويشمل ذلك:

  1. التحليل الأسلوبي: وهو يتمحور حول دراسة الأساليب المستخدمة في النص الأدبي، من حيث الأساليب اللغوية والأدبية المستخدمة في النص، ويتلخص في دقة الكلمة وسلامة توظيفها، ودلالاتها العامة والخاصة، طريقة تركيب الجمل وتوظيف الصور البلاغية، والمنهجية التقنية التي انتهجها المؤلف منهاجًا لسرديته مثل الاستطراد الزمني والتصاعد المتتالي والاسترجاع والتداعي وغيرها من تقنيات كالأنسنة والواقعية السحرية والغرائبية والفانتازيا.
  2. التحليل النفسي: وهو يتمحور حول دراسة الشخصيات والعوامل النفسية، وكذلك تحليل الرموز المستخدمة في النص، بدراسة الفعل (الحدث) ورد الفعل (الشخوص)، وتماهيها مع التركيبة البنائية (للشخصية وللشخوص) كما أراد الكاتب لنا أن نراها.

  3. التحليل الاجتماعي: يتمحور حول دراسة العلاقة بين النص الأدبي والمجتمع، ودور أبطال الرواية في رتق النسيج المجتمعي أو اهترائه، وكذلك تحليل الرسائل التي أضمرها المتن أو أعلن عنها مباشرة.
  4. 4. التحليل السياسي: يتمحور حول دراسة العلاقة بين النص الأدبي والسياسة، وكذلك تحليل الرموز السياسية المستخدمة في النص، وعادة هنا يقحم المؤلف رؤيته الأيدلوجية صراحةً أو بالتخفي خلف ألسنة ومواقف شخوصه تجاه قضية سياسية محددة.
  5. التحليل الجندري: وهو يتمحور حول دراسة العلاقة بين النص الأدبي والجندر (الأنوثة والذكورة) وكذلك تحليل الرسائل والرموز الجندرية المستخدمة في النص.

هذه عادة المحاور الخمسة الشائعة، التي تتمحور حولها الأطروحات النقدية الأدبية للروايات.