سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

النحو الواضح

د. محمد فتحي عبد العال-

يعتبر النحو ركناً أساسياً في اللغة، فهو بمنزلة القلب من الجسد وهو الدستور الذي يسري على الجميع ونحتكم إليه حينما نختلف، ولما كانت الدساتير عرضة للتطوير والتحديث بما يسهل على الأمم فَهْمَ حقوقها وواجباتها؛ فالأمر نفسه بالنسبة للنحو الذي أصبح علماً شاقاً على متحدثي العربية، وأصبحت الكتب تعج بالأخطاء النحْوية لصعوبة الإلمام بقواعده، فتحول أعداد كبيرة إلى الكتابة بالعامية كبديل للفصحى، وهذا اتجاه لا ينبغي إغفاله وغض البصر عن اتساع رقعته في الفترة الأخيرة، وربما يفصلنا وقت قصير عن أن تصبح القاعدة هي الكتابة بالعامية والاستثناء هو الفصحى. فأيهما أهون؟ أن نتحول إلى العامية أم نطور النحو؟!
في محاضرة ألقاها الدكتور طه حسين بعنوان: اللغة الفصحى وتعليم الشعب عام 1956 بالجامعة السورية ونشرت في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1957، تحدث عن أن طريقة تعليم اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا تشبه الطريقة التي كان يُعلم بها الأقدمون منذ أكثر من ألف عام في مساجد البصرة والكوفة، والفرق هائل بين زمان وآخر.
ويضيف الدكتور طه حسين أنه قد سأل معلمي النحو قائلاً: (إذا أردتم أن تعلموا النحو هؤلاء التلاميذ المساكين فكيف تريدونهم على أن يفهموا أن قولك «قُرئ الكتاب» فعل مبني للمجهول, والكتاب نائب عن الفاعل, لأن الفاعل قد حذف لغرض من الأغراض التي تذكر في علم المعاني, وعلم النحو, وأنيب عنه المفعول به؟ كيف تريد التلميذ المصري أو الشامي أو العراقي الذي لم تتجاوز سنه الثانية عشرة أن يفهم هذا الكلام؟ ما هذا الفاعل الذي حذف؟ ما هذا المفعول الذي أنيب عنه؟ ما هذا المجهول الذي بني له الفعل؟).
الحقيقة أننا اليوم أحوج ما نكون لهذا التساؤل في ظل التقدم التكنولوجي الهائل والذي لا يواكبه تطور في المادة الدراسية المقدمة والتي لابد وأن يستوعبها ويفهمها الطالب لا أن يحفظها ويرددها عن ظهر قلب لا لسبب سوى أن هكذا قال القدماء!
بالطبع ليس الهدف من هذه الدعوات القديمة والحديثة هو إقصاء القديم وهجره بقدر ما هو التيسير على الطلبة وحفظ هذا التراث للمختصين والباحثين.
 إحياء النحو
إحياء النحو؛ كتاب كتبه عام 1937 سيبويه الجديد الأستاذ إبراهيم مصطفى وكتب مقدمته مقرظاً الدكتور طه حسين، وقبل أن نستعرض الكتاب الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية لا بد أن نتعرف عن قرب على الأستاذ إبراهيم مصطفى ولماذا أطلق عليه سيبويه الجديد؟ فهو عالم لغوي مصري بدأ تعليمه بالأزهر الشريف ثم التحق بدار العلوم العليا وقد أطلق عليه أستاذه سلطان بك محمد لقب سيبويه الصغير لنبوغه وتفوقه في النحو. عمل في البداية مدرساً بالجمعية الخيرية الإسلامية ثم ناظراً لها ثم عمل مدرساً للغة العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية ثم أستاذاً للنحو بها ثم أصبح عميداً لكلية دار العلوم، كما انتخب بعضوية مجمع اللغة العربية وأشرف على صدور المجمع الوسيط. مؤهلات كهذه تجعلنا أمام شخصية مؤهلة وبجدارة لتحمل شعلة التنوير في أحد أهم فروع اللغة العربية ألا وهو النحو.
رأى الاستاذ إبراهيم أن إشكالية النحو تنبع من هذه النظرية المعقدة المسماة العامل والتي أصبح كل النحو في خدمتها مهملين، في المقابل فإن علامات الإعراب دوال على معان في تأليف الجمل وربط الكلم.
وحتى نفهم مقصده فلابد وأن نبسط مفهوم العامل والذي لا يوجد تعريف معين له يتفق عليه النحاة مما يضفي عليه الغموض والإرباك.
تتلخص النظرية في أن التغير في أواخر الكلمات، حدث بسبب عامل هو الذي أوجد هذا التغير، وكلما اختلف العامل اختلف الإعراب، فالعامل هو ما يؤثر في اللفظة تأثيراً ينشأ عنه علامة إعرابية ترمز إلى معنى خاص. مثال على ذلك وهو للإيضاح نقلاً عن محاضرة الإعراب والعامل النحوي بشبكة جامعة بابل:
(جاء زيدٌ، رأيت زيداً، مررت بزيدٍ؛ فكلمة (زيدٌ) آخرها يتغير تارة يكون مرفوعاً وأخرى منصوباً وثالثة مجروراً، فلا بد من وجود سبب (عامل) اقتضى أن يكون الاسم مرفوعاً في الجملة الأولى، ثم منصوباً في الثانية، ثم مجروراً في الثالثة. ففي الجملة الأولى نلحظ أن دلالة الفعل (جاء) تستدعي فاعلاً يقوم بفعل (المجيء) فجاءت كلمة (زيدٌ) لتحمل هذه الدلالة فأعطيت الضمة، فالضمة أثر حصل بسبب الفعل (جاء)؛ لأنّ معنى الفعل هو الذي اقتضى أن يكون زيدٌ فاعلاً مرفوعاً، فزيدٌ معمول، والفعل جاء عاملاً. وفي الجملة الثانية الفعل (رأيت) دلالته تقتضي فاعلاً يقوم بالرؤية ومفعولاً تقع عليه الرؤية، فقامت (تاء) الفاعل بالفاعلية، فبقيت كلمة زيد مفعولاً به، فالفعل رأى هو العامل الذي نصب (زيداً). أما قولنا مررت بزيد، زيد مجرور والعامل هو حرف الجر (الباء).
ويعلل الأستاذ إبراهيم اتجاه النحاة لهذه النظرية بالتأثر بالفلسفة الكلامية التي كانت شائعة بينهم، غالبة على تفكيرهم، آخذة حكم الحقائق المقررة لديهم.
ويؤكد على فساد نظرية العامل بما يسمى بالتقدير الصناعي وهو جلب كلمات لتصحح الإعراب، فمثلاً في قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ): وإن استجارك أحد من المشركين استجارك. ففي قواعد النحاة القدماء لا تدخل (إن) إلا على فعل، فلما جاءت إن في القرآن وبعدها اسم فأخضعوا القرآن لقاعدتهم التي قرروها وهو ما أشار اليه الدكتور طه حسين في محاضرته التي أشرنا إليها آنفاً.
دعا الأستاذ إبراهيم إلى إلغاء نظرية العامل كمفتاح لتيسير النحو والتوسع في دراسة أحكام نظم الكلام وأسرار تأليف العبارة. كما دعا إلى وجوب التوحيد بين المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل في باب واحد هو المسند إليه، وذلك لتماثلها ولأن حكمها جميعاً الرفع.
ولأن علامات الإعراب عنده هي الضمة والكسرة فقط، وأن الفتحة ليست من علامات الإعراب وحجته في ذلك أن الفتحة أخف من السكون فلا تحمل دلالة؛ ففي سبيل ذلك يرى الأستاذ إبراهيم أن “اسم إن” مرفوع وليس منصوب ويدلل على ذلك ورود اسم إن مرفوعاً من القرآن الكريم في قوله تعالى: (قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا) (طه: ٦٣) و في الحديث الشريف: «إن من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوِّرون».
علامات الإعراب عند النحاة قسمان: أصلية وفرعية، وفي كتاب عالمنا اللغوي البارز لا يعترف بالعلامات الفرعية أو النائبة، حيث يمكن إجراء العلامات الأصلية فيما جعلوه معرباً بالعلامات الفرعية على حد قوله، ففي الأسماء الخمسة يرى أنها معربة كغيرها وإنما مدت كل حركة فنشأ عنها لينها.
 مصير التطوير
في عام 1938 وجه وزير المعارف في مصر محمد بهي الدين بركات باشا بتشكيل لجنة لدراسة وسائل تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة؛ ضمت طه حسين وأحمد أمين وإبراهيم مصطفى وعلي الجارم ومحمد أبي بكر إبراهيم والتي خلصت إلى أن ما يعسر النحو ثلاثة أشياء في المادة النحوية نفسها، وهي: فلسفة حملت القدماء على الإفراط في الافتراض والتعليل وإسراف في القواعد أدى إلى إسراف في الاصطلاحات وإمعان في التعمق باعد بين النحو والأدب. وخرجت التوصيات بإلغاء الإعراب التقديري والمحلي لعدم الفائدة في ضبط لفظ أو تقويم لسان، وبجعل المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل في باب واحد أسمته المسند إليه وإلغاء الضمير المستتر وجوباً وجوازاً.
الغريب أن توصيات اللجنة لم تُفَعَّل وبقيت حبراً على ورق، والأغرب أنها ضمت أربعة من واضعي سلاسل كتب قواعد اللغة العربية للصفوف الدراسية بوزارة المعارف بالشكل القديم، وهم: طه حسين وأحمد أمين وعلي الجارم، وإبراهيم مصطفى صاحب الدراسة التي نحن بصددها، فلمَ لم يرفضوا الاستمرار في هذه السلاسل وإعادة تطويرها؟ ولو فرضنا أن بهي الدين بركات ترك الوزارة قبل اعتماد هذه الخطة فلمَ لم تعرض على خليفته في الوزارة  محمد حسين هيكل وهو رجل ليبرالي معروف؟ لا نعرف لهذه الاسئلة إجابة.
لكن يقودنا إلى سؤال هامشي لماذا لا نتقدم في بلادنا؟ لأن خططنا دائماً رهن بالمسؤولين؛ فإذا تغير المسؤول انتهت خططه وجيء بأخرى، وربما لأن أصحاب الخطط الإصلاحية أنفسهم يتكلمون كثيراً ولا يفعلون إلا القليل، وقد لا يملكون الشجاعة في كثير من الأحيان للتحرك وفق قناعاتهم والتمرد على الواقع وإعادة صياغته فيتركونها للمستقبل ودعاته.
وهو ما حدث بالفعل، ففي مؤتمر مفتشي اللغة العربية بالمرحلة الإعدادية بمدرسة الفسطاط الثانوية بمصر القديمة عام 1957 تم تبني التوصيات القديمة بتطوير النحو، ولأول مرة تتنفس هذه التوصيات الصعداء وترى النور في المناهج الدراسية مع الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، حيث استبدلت المصطلحات النحوية، المبتدأ ونائب الفاعل والفاعل بالمسند إليه وأخذ مصطلح المسند مكان الفعل والخبر، لكن مع الانفصال عادت المصطلحات القديمة.
وفي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي عادت المحاولات مجدداً ولكن دون نتائج، وربما يأتي يوم يشق النحو فيها طريقه للتطوير الفعال.