سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المرأة بين الأبستمولوجيا والإيتمولوجيا العائلة

ليلى خالد (الرئيسة المشتركة لمنتدى حلب الثقافي)_

 عندما نحاول البحث عن أسباب المشاكل والقضايا، التي نعانيها في حياتنا اليومية سواءً أكانت لأسباب موضوعية، أو ذاتية بكل تأكيد سيكون لمفهوم الهيمنة والسلطة دور في ذلك، حيث جلبتا معهما قضايا مستعصية، وعقيمة في الأداء، وعندما نسعى لإيجاد الحلول لهذه المعضلات، فلابد لنا البدء في فك رموز المفاهيم، التي تفرزها الإيتمولوجيا، وذلك من خلال النبش في عمق التاريخ ومتعة البحث في باطنه عن الكنوز الدفينة في جوفه، والكشف عن الحقائق المطمورة فيها وفق رؤية آركولوجية انفتاحية جديدة، لتبيانها و إظهارها للنور كشكل متقدم من أشكال البحث عن الحقيقة المخفية في التاريخ، وإرجاع العقل لصوابه بدلاً من اللاعقل الذي اتخذته الحضارة المدنية بديلاً للمجتمعية، وهذا باعتقادي ما سيوصلنا إلى سبل أساليب جديدة للوصول إلى أطروحة جديدة لهذه القضايا الشائكة في مجتمعاتنا لصيرورة تاريخية.
فبدأت الحياة البشرية البدائية حياتها الاجتماعية على شكل كلانات، تعتمد على المعادلة  الطبيعية التالية: “الفرد من أجل الجماعة والجماعة من أجل الفرد” كصيرورة وجودية، وكان كل رجل لكل امرأة، وكل امرأة لكل رجل (زواج جماعي – وعلاقات جنسية غير منظمة – ومباحة) ولم تكن للعائلة وجود، ولم تؤسَّس بشكلها المعروف، وأول اتحاد اختياري كان بين الرجل والمرأة، وكذلك كان أول تقسيم للعمل بينهما أيضاً، ونالت المرأة حينها صفة مرتبة القداسة والألوهية، وشغلت مركزاً مرموقاً قدسياً عظيماً، وحظيت بتقدير واحترام لا حدود لهما دام لآلاف السنين، وشكّل 98% من تاريخ البشرية.
إلا أن ظهور الطبقات وزيادة فائض الإنتاج الزراعي، وتراكم الرأسمال بعد أن ساد الاستقرار حياة الإنسان، وتطور مع اكتشاف المعادن واستخدامها في حروب المدنية، فقد شكل ذلك كله ضربة قوية وحاسمة ضد قدسية وكينونة المرأة، ففرز ذلك تحولاً جديداً  في شكل العلاقات الاجتماعية من خلال الزواج الأحادي، واقتصر على المرأة فقط، أما الرجل فكانت العبدات الجميلات يخضعن لتصرفاته ونزواته، وعلى هذا الأساس شُكلت العائلة، وارتكز هذا الشكل من العائلة على شروطٍ اقتصاديةٍ غير طبيعيةٍ ليغدو الانتصار الأول لحاكمية الملكية الخاصة على الثقافة الطبيعية بالملكية الجماعية، واستقدم معه فرز واستعباد جنس بشري على الآخر، فظهر معه أول تضاد في تاريخ الجنسين (الزوج والزوجة) والطبقات أيضاً بالرغم من أن الزواج الأحادي كان بالتطور والتقدم نحو مرحلة كبيرة، لكنه أضيف إلى خانة العبودية والثروة الخاصة، ورسخ معه أول اضطهاد طبقي على جنس المرأة من الرجل، فغدت عبودية المرأة من أسس العائلة من خلال الزواج الأحادي، وعدَّ الزوج هو المُعيل والسند لعائلته، وهذا ما دعم وضمّن له السيادة دون أن يحتاج لأي مجهود إضافي، ليمثل الرجل دور البرجوازي في العائلة، والمرأة تمثل دور المستعمرة.
دور الأسرة في تطور المجتمع
عند بحثي عن أصل العائلة، وكيفية تشكلها، ولكي أتوصل إلى نتائج تخدم مقالي هذا، فقد استعنت بكتاب أصل العائلة للفيلسوف الألماني “فريدريك أنجلس” الذي اعتمد في كتابه هذا على الأبحاث التي أجراه عالم الأنثربولوجيا الأمريكي مورغان، والذي أطلق عليه عنوان “العائلة الثنائية” وكشف عن أن ذرية هذين الزوجين، كانت معروفة ومعترف بها من الجميع، يربطهم رابط الدم والقرابة، ولم يكن صفة الأب والأم والأخ والأخت مجرد ألقاب فقط، بل كانت تتبعه واجبات متبادلة فيما بينهم، وشكَّل ذلك قسماً جوهرياً من النظام الاجتماعي عند هذه الشعوب، واُعْتُبِرَتْ الأسرة عنصراً نشيطاً وفعالاً لأنها قابلة للتغيير تنتقل وتتطور من شكل لآخر، وتساهم في تطور المجتمع أيضاً.
وعندما نتطرق لتشكل الأسرة في ميزوبوتاميا والشرق الأوسط، والتي تُعرف بأنها مجموعة من الأفراد، تربطهم أواصر الدم أو الزواج وتسود بينهم علاقة من الحب والاحترام والتضحية من أجل الحفاظ على تماسكها، والتقيد بالأعراف والقيم التي تؤمن بها، لكن كل ذلك قلص دور المرأة فيها، واقتصر وجودها على الإنجاب واستمرار الذرية وخدمة أفراد العائلة دون مقابل وبشكل مجانٍ، وتشكلت بذلك اللبنة الأساسية للمجتمعات، وهي الأسرة، وبات أي خلل في تركيبتها أو تفككها ينعكس سلباً على المجتمع بشكل كامل.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا، ما الأسباب التي ساهمت في تفاقم المشاكل والقضايا الاجتماعية، وأثرت على استقرار الأسرة، وأودت إلى تفكك وتشتت العائلة، وبالتالي إلى خلخلة العنصر الأساسي لبناء المجتمع؟!
أعتقد أن السبب الأساسي والأكثر شيوعاً، هو طلاق الزوجين أو خيانة أحدهما للآخر، ولا شك أن هذه الخيانة ستؤدي إلى الطلاق في نهاية المطاف، وحتماً ستتمخض عنها تأجيج وتبيان ردود أفعال غير عقلانية وبالضرورة ستنتهي بالتعنيف أو الانتقام بارتكاب جريمة قتل أو انتحار وفي كل الأحوال سيفرز ذلك نتائج سلبية ستؤدي إلى انفكاك وتشتت الأسرة؛ لأن مفهوم هذه الأسرة في تكوينها لم يُبنَ على أساس ندّي وسليم. ويكمن السبب الآخر: عندما يكون وجود أحد الزوجين وجود شكلي أو غير مؤثر في القيام بالواجبات الملقى على عاتقه، أو سيطرة أحد هما على الآخر، وإقصاء وجوده (كهيمنة مطلقة).
وهذا يعني أننا يجب ألا نغفل عن تأثيرات الأوضاع الاقتصادية على الأسرة سواءً كانت من الأسر الغنية، أو الفقيرة فلكلا النموذجين تأثيراته السلبية على شكل ونظام الروابط الأسرية بين أفراد العائلة نفسها، ففقر الأسرة يكون سبباً في انشغال الزوجين عن أولادهم، لرفع أعباء الحياة سعياً خلف قوتهم ومعيشتهم اليومية، وبذلك تتشكل لديهم بنية غير متفائلة بالحياة.
أما في الأسر الغنية، وفرة المال ولدت الأنانية وحب الذات، وهذا ما يفتح الباب أمام  التباعد، فتعتمد أغلب النساء من هذه الطبقة على  جلب مربيات لأولادهم، والزوج يغدو وكأنه في ماراثون لجمع المال وتكديسه، وبأي طريقة، وينشغل الزوجان في أمورهم الشخصية والشكلية أكثر من الاهتمام ببعضهم وبأولادهم، وتسود أجواء من الفوضى وعدم التنظيم، الذي بدوره يخلق الميول الفردية، ويبتعدون عن بعضهم، وتبدأ الأسرة بالتفكك والانحراف عن جوهرها الحقيقي، وبالتالي تصبح هذه العائلة هشة بنيوياً، وهذا يعني أن تكوين العائلة  بهذين النموذجين يؤثران بشكل مباشر على بنية المجتمع بجوانبه الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية.
إبستمولوجيا العائلة 
بات ضرورياً التعمق بإبستمولوجية العائلة، وهذا يدعونا لأن نتمعن في تفاصيل شكل العلاقات بين المجموعات البشرية، التي قادتها الأم بحكمتها ووضعت لها روابط روحية وتشكلت لاحقاً من نواة المجتمعات، وفق مبادئ أخلاقية وإنسانية سادت من خلالها أجواءٌ ومشاعر الحب والاحترام، والتعاضد والتكاتف، ثم باتت ركيزة لكل مجموعة تُجسد صورة العائلة النموذجية إلى أن انقلبت الذهنية والمفاهيم “البطريركية” على الريادة  “المطريركية “وتورمت عبرها قضايا المجتمع وتم استعباد المرأة، ليتحول هذا الانقلاب الذكوري إلى سرطان عضال من خلال ابتلاعه لكل ما ينتجه طاقات الفرد المبدع والخلّاق في المجتمع، واستمر هذا الحال حتى القرون الوسطى إلى حين بدء عصر النهضة والتنوير الأوربي، الذي أحدث انقلاباً هائلاً على العصور الوسطى في مختلف مجالات العلم والفلسفة، وانتشرت مفاهيم جديدة لِتُسخّر لصالح السلطة الحاكمة على المجتمعات بشكل وأسلوب أوسع، وأعمق، فأُفرِزَتْ منها نتانة الحداثة الرأسمالية، والتي بدورها عملت على تحريف كل قيم ومبادئ المجتمعات، وشيّئت العائلة والجنس والدين والقومية والعلم، وحولتها إلى أداة تخدم فيها نفوذها، وتعزز امتدادها لتصبح الظواهر الطبيعية بعيدة عن حقائقها ومخالفة لجوهرها و حقيقتها وبالتالي انعكس ذلك سلباً على المجتمع وبشكلٍ مباشر.
فالمرأة هي من أسست البنى المعرفية للعائلة في المجتمع الطبيعي، ولم تقتصر في علاقتها على صلة الدم والقربى فقط، ولم تأطرها بالأولاد بل عملت على أن تشمل المجتمع ككل من خلال اكتشافاتها، وإدارتها الحكيمة لتلك المرحلة وهذا بالضبط هو التفسير الحقيقي لمعنى تشكل العائلة المنظمة في طورها الأول، والتي أتت مع  الاستقرار، التي نتجت عنها المجتمعية بمعناها المتعارف به قبل أن تتحول إلى العائلية الأحادية الأتية من الحضارة المدنية، والتي حددت الأدوار و قونتها، ورسّخت نظام الملكية والسلطة ودفعت عجلة استراتيجية الدولة وحولتها إلى “لويثان” عن طريق سيطرة هذا النظام الدخيل على المجتمع ليقوم بدوره في ربط احتياجات العائلة بنفسه وإغلاق الطرق أمام المفاهيم والسبل الاقتصادية الكومينالية، فَتُكَبّل العائلة وتنشغل فقط بأعباء وأعمال تأمين احتياجاتها وتستنفذ طاقاتها وقوتها الجسدية والفكرية، وتبتعد عن تشكيل وتَبَني وعيها بما يجري حولها من مؤامرات ودسائس وحيل سياسية واقتصادية واجتماعية؛ لتغدو العائلة بهذا الشكل نموذجاً مصغراً للدولة، على الشكل التالي :
يأخذ الرجل فيه دور السلطة والهيمنة بينما ترزح المرأة تحت وطأة العادات والتقاليد، التي وضعتها قوانين  المدنية و الزواج الأحادي، ورسخت الديانات والفلسفات، التي خدمت مفاهيم السلطة والأنانية والفردانية والمُحِطّة  بالمرأة فتهوي بها مع العائلة في وادٍ عميق دون حسيب ودون رشيد، ليبقى وجود المرأة مرتبط بكثرة إنجابها للأولاد فقط وتفضيل الذكور على الإناث (لاستمرارية الذرية وإشباع نهم الرجل بالحروب والسلطة) وهذا ما يؤثر، ويُعرِّض جسد المرأة للضعف والهزل والهرم قبل أوانه، ويجد الرجل في ذلك فرصة لنفسه للزواج من امرأة أخرى، ليبدأ بينهن التسابق لإرضاء الزوج، ويأخذ هو دور “الزير سالم” ويزداد غروره ليفكر بامرأة ثالثة ورابعة أيضاً، ويبدعن بنات هواه بالغرق في بحر الخنوع والطاعة، ويفقدن بوصلة كينونتهن وتاريخهن إلى وضع خطير أفرزته أيديولوجية المؤسسة العائلية التي خلقت انسداداً في العلاقات الاجتماعية والمجتمعية .
مانيفستو المرأة الحرة
هذه الثقافة، التي رُسخت في أعماقهن وتخدرت بها أجسادهن وفكرهن، وتسببت لهن الألم والقهر، باتت بأمس الحاجة لاستفراغها من الشوائب والرواسب العالقة في داخلهن والسائدة في المجتمع وبات من الضروري دعم كينونة المرأة بجرعات من ثقافة الحياة الندية، التي أهداها عالم علم الاجتماع الحديث المفكر عبد الله أوجلان لنساء العالم جميعا، لتعيد المرأة فيها تاريخها وألوهيتها، وتصعد مكانتها المرموقة، التي تستحقها، وبذلك تعود من اغترابها عن حقيقتها وتعود لرشدها من خلال مانيفستو المرأة الحرة الجديرة بتاريخها الناصع قبل أن يسلب منها.
ما أردت أن أوضحه وأطرحه في مقالي هذا هو أن، بناء العائلة الديمقراطية ممكن من خلال التوصل إلى الحالة التناسقية، والتناغمية بين المرأة والرجل ليشكلا معاً العائلة، التي تنشد الحياة الندية التشاركية، ويؤسسان بذلك نواة مجتمع متجانس متعاضد، فأي مخالفة في طبيعة كليهما بالضرورة ستنعكس سلباً على الحياة الاجتماعية لأن هذه القضية بحد ذاتها قضية اجتماعية.
نحن بحاجة ماسة لتجاوز وتخطي الأسباب، التي تقيد وتكبل طاقات الفرد وتُضيق الخناق عليه وتحوله إلى تابع مطيع فارغ من جوهره، ومجرد من حقوقه الثقافية والاقتصادية، والاجتماعية للوصول إلى ما نصبو إليه، وهذا يبدأ من خلال اتخاذ منهج فك رموز الإيتمولوجيا وشرحها بالشكل السليم، والدقيق لحل العُقد السلبية، التي تفرغ المرأة والرجل والعائلة، والمجتمع من الجوهر والحقيقة، وهذا ما يحثنا إلى السعي الدؤوب لمقاومة وهزيمة مرتكزات السلطة بجوانبها وتعريتها، وإظهار زيفها، الذي شكل اللبنة الأولى في ولادة امرأة حرة وبالتأكيد بناء فرد وعائلة ومجتمع ديمقراطي، وحر.