سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

اللامركزية… تحقق وحدة سوريا وحلّ الأزمة

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
اللامركزية كمصطلح سياسي لم يتفق علية كل المهتمين بإعطائه تعريف موحد، فلكل نظام سياسي ومنذ مئات السنين حتى الآن تعريف خاص به وبما يُناسب وضعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وبات تعريفه إشكالية في أغلب الدول التي تنادي بتطبيقه، وبخاصة في الدول التي تزخر بمكونات وأقليات عديدة، وقد نجد هذا المفهوم وبكل تجلياته أخذ حقه في الأنظمة الفيدرالية، بكل المقاييس اللامركزية كمفهوم سياسي نظام قديم جديد بسلوكياته وثقافاته وتتجدد في الدول التي تبحث في إيجاد آليات للتقليل منها، وتبقى الديمقراطية كمدخل للاستقرار السياسي والاجتماعي، فمن خلالها يتم توزيع المهام والوظائف بغض النظر عن الشكل والدين أو أي اعتبار قومي، ورغم أن اللامركزية لم تحظَ بأي تعريف أو فهم واضح وشامل إلا أنها تصبح سهلة بمقدار توفر الديمقراطية بين المركز والأطراف.

تعاريف متعددة
اللامركزية: هي من التنظيمات الإدارية التي تعمل بمبادئ حكم الأغلبية وفق الديمقراطية المتوفرة، وهي مناقضة للمركزية، بالنهاية تعني عدم تركيز السلطة بمستوى إداري واحد، وتوزيعها على المستويات الإدارية المتعددة في المؤسسة أو الدولة.
ويبقى لكل عالم ومفكر تعريفه الخاص به، فالإداري وايت يقول: «هو عمل نقل السلطة بأنواعها التنفيذية والاقتصادية والتشريعية من مستوى إداري أعلى إلى مستوى إداري أدنى»، أما العالم ماديك فيقول: «تتكون اللامركزية من مصطلحين، الأول تفكيك السلطة وتعني قيام الإدارة المركزية بتفويض السلطة إلى الإدارة البعيدة جغرافياً للقيام بمهام معينة، والثاني يتعلق بالتخويل وهو منح السلطة بعض صلاحياتها للقيام بوظائف معينة».
أهمية اللامركزية في الوقت الراهن
في نهايات القرن السابع عشر وأثناء الثورة الفرنسية أصبحت كلمة اللامركزية ضرورة سياسية واجتماعية، كون الثورة خرجت أولاً وأخيراً ضد الحكم المركزي (المطلق) وتداول الناس هذه الكلمة في عام 1820م حتى أصبحت ثقافة وسلوكاً يومياً.
لهذه الأسباب أو تلك تبقى للامركزية مزايا اجتماعية وسياسية واقتصادية تضفي على شكل الدولة حالة ديمقراطية تتساوى فيها كل المكونات، ورغم تعدد أشكال اللامركزية بين اللامركزية السياسية أو الإدارية أو الجغرافية أو الوظيفية إلا أنها تتمتع بمزايا وعيوب، وتبقى مزاياها أكثر بكثير من عيوبها؛ لأن من مزاياها الاجتماعية الحسنة الحفاظ على التنوع الاجتماعي الذي يلعب دوراً هاماً في نجاح وتنظيم اللامركزية، وهي تعمل على أمرين اثنين الأول: إعادة وترتيب الهيكلية الإدارية والهرمية السياسية في الدولة على أسس ديمقراطية وبمشاركة كل الأقليات والمكونات، والثاني: إعطاء جرعات إضافية من الصلاحيات في الهيئات والإدارات العليا إلى الهيئات والإدارات الدنيا في كل المناطق والمحافظات.
مبدئياً يمكن العمل على اللامركزية الجزئية حتى تتهيأ الإدارات للعمل وتصبح اللامركزية ثقافة مجتمعية، ومن ثم يمكن الانتقال إلى اللامركزية الكلية (الواسعة) كون هذا النوع شاملاً ويرمي لتحقيق أهداف وسياسات استراتيجية تخدم الدولة والمواطن.
مشروع اللامركزية السورية
سوريا ومنذ مئات السنين تتميز بتنوع ثقافي وقومي وطائفي، ولا يمكن توفير قواسم مشتركة بينهم إلا من خلال تطبيق كلي أو جزئي من مفاهيم وثقافة اللامركزية، فمن خلالها ينال كل مكون حقه الثقافي والاقتصادي والسياسي، حينها يصبح كل مكون أو مجموعة إثنية عنصراً فعالاً في بناء سوريا المستقبل.
نورمان ل جونسون يؤكد على هذا من خلال رأيه الواضح حين يقول: «يلعب التنوع دوراً هاماً في تنظيم اللامركزية، مثل النظم الإيكولوجية والفئات الاجتماعية والمنظمات الكبيرة والأنظمة السياسية»، وما يهم المشهد السوري مستقبلاً هو مدى التوافق حول توزيع المزايا المنبثقة من مفاهيم اللامركزية والتي بدأ الحوار السوري ـ السوري يتناول هذه القضية بكل جدية؛ لأن اللامركزية تهتم أولاً باتخاذ القرارات الصحيحة كونها بعيدة عن السلطة المركزية، من هذا المنطلق تستجيب وتحقق مطالب كل المكونات والأقليات.
الهدف من اللامركزية في الشمال السوري بشكل خاص وسوريا بشكل عام هي دعوة للتوافق بين المركز والأطراف؛ كون السلطة المركزية زادت الأزمة السورية تعقيداً ولأنَّنا كنا في خِضَم أزمة سياسية (دستورية) قبل وبعد الأزمة، وكانت مناطق الجزيرة الأكثر تضرُّراً بثقافة وسلطة المركزية، فلم تنلْ حظها الكامل من الرعاية والاهتمام، وليتم رفع الغبن والظلم عن أبناء هذه المنطقة وغيرها لا بد من وضع حلول مناسبة لأوجه النشاط البشري كافة.
وقد تركَّز الحوار السوري ـ السوري حول هذه الإشكالية أولاً، ولنعيَ مهمة ووظيفة اللامركزية يجب أن ندرك تماماً أنَّها لا تعني إلغاء المركزية أو تهميشها، بل التوافق والتعاون بينهما بما يتناسب والوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للسوريين، لأننا نعلم تماماً وجود وزارات سيادية لا يمكن أن تكون لا مركزية، ويمكن العمل على تفعيل دور وزارات وإدارات خدمية في مفهوم اللامركزية وتبيان أسس العمل بها، ولا يعني اللامركزية عدم الانتماء لدمشق بسياساتها وتوجهاتها وعلاقاتها، فالكرد مثل بقية مكونات الشعب السوري وبحسب ثقافة الإدارة الذاتية جزء من المكونات الرئيسة في سوريا، فهي أي اللامركزية تعني أولاً وآخراً وحدة الصف والأرض وتوزيع الناتج القومي بشكل عادل؛ أي تحقيق العدالة الاجتماعية.

اللامركزية سبيل إنهاء الصراعات السورية
لا يختلف اثنان في أن الأزمة السورية كانت نتيجة لأسباب عديدة منها ترسيخ سلطة المركزية، والتي تعني بحسب مفهوم الأمة الديمقراطية (استدراج شعب إلى حافة الإبادة العرقية) وقد خلفت هذه المركزية حروباً بين المجتمع الواحد وخلقت إشكالات سياسية واجتماعية واقتصادية، والأزمة أجَّجت هذه الخلافات بشكل فظيع حين انقسم السوريون على أنفسهم سياسياً ومناطقياً، وما العمل على مفاهيم اللامركزية إلا كخطوة نحو فض الخلافات والنزاعات بين أبناء المجتمع الواحد، حينها من الممكن أن تنتقل المكونات إلى شكل أفضل من الحياة الاجتماعية بعد تقليص حجم هذه الخلافات، والانتهاء منها فيما بعد؛ لأن اللامركزية تعمل وفق مبدأ العدالة الانتقالية أي التسامح والعودة إلى مظلة الدستور، وتحقيق المساواة والعدالة بين الكل اقتصادياً وسياسياً.
من جهة أخرى؛ بقدر ما تأخذ المركزية أبعادها السلطوية في الدولة بقدر ما نجد الخلافات والصراعات تزداد ضمن الحكومة أولاً؛ لأن من طبيعة المعارضة السياسية أن تنقسم وتنتمي إلى المناطقية وتشكل أحزاباً وتياراتٍ في كلِّ منطقة، وقد تصل ببعض المعارضين لإنشاء جماعات مُتطرفة، وما طرأ على الساحة السورية منذ اندلاع الأزمة حتى الآن تؤكد على حقيقة ما نرمي إليه، فمن الشخصيات المتطرفة إلى التيارات الراديكالية والفصائل المرتزقة، نال السوريون نصيبَهم من القتل والتهجير ودمار البنية التحتية.
شعوب الشمال السوري وفي مقدمتهم الكرد سلكوا النهج الثالث في الثورة السورية، واختاروا ثقافة تجنبهم المشاركة في قتل السوري، وعملوا على تفعيل ثقافة مجتمعية يرون فيها أن كل المكونات السورية أخوة وشركاء لهم في الحقوق والواجبات، بالإضافة إلى بناء قوة تحمي مناطقهم من كل القوى الإرهابية التي حاولت مراراً غزو المنطقة، وكانت الإدارة الذاتية بيتاً لكل المكونات الذين ساهموا في بناء المؤسسات الخدمية والإدارية والدفاع الذاتي.
من خلال ما تقدَّم؛ رأى النظام أنَّ شعوب شمال سوريا هم الأقرب للحوار لحل الأزمة السورية، وهذا الحوار سيكون مدخلاً حقيقياً لكل السوريين بالمشاركة في بناء سوريا الحديثة التي سيكون الدستور وحده الحاضن لكل المكونات والضامن الفعلي للحقوق والمواطنة، من خلال التقليل من سلطة المركزية والعمل على اللامركزية بما يتناسب وتطلعات كل السوريين.
يضمن حقوق الشعب
تأتي أهمية اللامركزية بالنسبة لسوريا الجديدة ليس لكونها تجعل من الديمقراطية منهجاً وبوابة لها، بل تتكفل بتحقيق فرص المساواة لتشمل الكل، لهذا تبقى اللامركزية ضرورة وواجب وطني لإنهاء الحرب والنزاعات في سوريا؛ لأن المركزية لم تأت بحلول لهذه الإشكالات.
ومن يتتبع اللامركزية يجد فيها الوجه الآخر للفيدرالية التي طرحتها الإدارة الذاتية في شمال سوريا، كون الفيدرالية هي أيضاً مشروع يضمن نظاماً سياسي وقانوني وإداري قائم على إعادة توزيع التقسيمات الجغرافية من المراكز والأقاليم والبلديات وغيرها وتتوزع الإدارة فيها لتضمن لكل جزئية جغرافية الحق في إدارة مناطقها.
لا يختلف اثنان في أنَّ الفيدرالية نظام اقتصادي وسياسي واجتماعي ناجح لأنه بالدرجة الأولى يعتمد على اللامركزية في إدارة الدولة والأفراد، وبالتجربة حظيت اللامركزية بمرتبة متقدمة من بين الأنظمة الأخرى، وبخاصة فيما يتعلق بفض وإنهاء النزاعات والمعضلات الداخلية سواء على مستوى الدولة أو على مستوى جزءٍ منها، وخلق حلول لمشاكل تتعلق بالطائفية أو العرقية أو الإثنية. لهذا؛ كان تبنِّي الإدارة الذاتية لمشروع الفيدرالية ليس بالأمر السهل؛ لأنها أي الفيدرالية هي دعوة حقيقية للنظام اللامركزي الذي يضمن حقوق كلِّ المكونات من خلال دستور جديد.