سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الكرد في الاحتدام الأمريكي ـ الروسي على سوريا

د. محمود عباس ـ خبر 24 –

انتقلت المعارضة السورية من شعار (إسقاط النظام) إلى شعار (لا بديل عن إسقاط الأسد) أولا لأنهم جزء من النظام، وثانيا لان معظم الدول الداعمة للمعارضة التكفيرية تسيرها أنظمة مماثلة للنظام السوري أو متعاونة. ولا يستبعد أن تكون ورائها تركيا، للوصول مع روسيا إلى حل سياسي بينهما، ولهذا تم لقاء القمة بين بوتين وأردوغان في سوتشي الروسية، اللقاء الذي أفضى إلى حلول قصيرة الأمد والتوصل إلى مناطق منزوعة السلاح على خطوط التماس بين قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية الموالية لها، وبين المجموعات العسكرية الموالية لتركيا في إدلب.
وهناك إشكاليات عديدة بين القوى المعنية على ألية ونوعيتي الحل والتنفيذ، ويأتي ضمنها، بل وزادتها تعقيدا التدخل الأمريكي المباشر في مسألة إدلب، علما أنه للأمريكيين غايات أخرى مقابل الهيمنة الروسية على سوريا، تتجاوز مسألة النزوح أو دخول السلطة إلى محافظة إدلب، وتبينت بعض من نقاطها في الوثيقة المرسلة مع اللجنة الدولية المصغرة إلى دي مستورا، قبل الاجتماع المتوقع انعقاده في جنيف، وهي تتكون من صفحتين، حسب التقرير الصادر من اللجنة، واللافت للنظر مطالبة أمريكا ولأول مرة وفي البند الخامس من الوثيقة، بعد أن كان المطلب روسيا حصرا على مدى السنوات السابقة، إشراك الكرد تحت اسم الشمال السوري في عملية كتابة الدستور وتحديد نوعية الحكم والذي حدد ببند على أن يكون لا مركزيا، ومن هذا المطلب وكما كانت روسيا تقدمها يتبين أن الكرد عنصر هام في حل القضية السورية سياسياً، وهنا لا بد من تنبيه الحراك الكردي إلى أن العامل الذاتي سيلعب دورا رئيسا في تحفيز هذا البند تحديدا أو تهميشه. وما لم يتم ذكره في الوثيقة هي قضية المعارضة العسكرية المجتمعة بكل فلولها المتبقية في إدلب، وعلى ما يبدو أن أمريكا وروسيا ومثلهم تركيا وإيران متفقون جميعاً على مسألة الانتهاء من المنظمات المسلحة التكفيرية، وما يحصر مؤخرا بهيئة تحرير الشام ليست بأكثر من مسألة وقت، وهذه هي المقدمة، والعملية ستشمل جميع الفصائل، لكن القضية تكمن بما سيحصل عليه كل دولة من مكتسبات قبل التخلص منهم، فكل دولة لها مصالح بوجودهم أو القضاء عليهم.
والتصريحات الأمريكية ولأول مرة ومنذ سنوات تصبح مشابهة للتركية الظاهرية حتى ولو اختلفت الاتهامات والحجج، وفيما وراء الإعلام تركيا موافقة ضمنيا على ما تخطط له روسيا في القضاء على المعارضة، وأمريكا رغم تصاريحها الحادة وفي هذه اللحظة، في الواقع غير مهتمة وغير قلقة بما سيتم في إدلب، وما يتسرب من أحاديث شفهية أن أمريكا تدعم الفصائل المعارضة هناك بأسلحة خفيفة، تعكس توجهات مغايرة ومنها: إما أنها تحرضهم على المقاومة وهذه ستؤدي إلى القضاء التام عليهم، أو أنها تخطط لقضية أعمق وأبعد، ولها علاقة بالوجود الإيراني، وهي عملية ضغط مباشر على روسيا لإخراج إيران من سوريا، حتى ولو لم تكن بشكل كلي، وروسيا لن تفعلها مهما صرحت، لأن الوجود الإيراني في سوريا هام للغاية بالنسبة لها في مواجهة أمريكا والقوى السنية في المنطقة. ومن غير المستبعد أن تكون العملية تهديد مباشر لروسيا، ففي حال شددت مستقبلا على طرح إخراجها من شرق الفرات أن تجعلهم كالقاعدة في أفغانستان، وتسخرهم كأدوات مثلما تم في بداية الصراع هناك مع الاتحاد السوفييتي سابقاً.
ومعروفة لدى العسكريين وهو ما يطبقه السياسيون أيضا، أن الهجوم خير وسيلة للدفاع، والضغط الأمريكي على الإعلام حول إدلب، هي رسائل لإسكات روسيا وإيران ليس فقط حول وجودها في منطقة شرقي الفرات، كما ذكرنا سابقا، بل شكل الإدارة الراغبة تشكيلها هناك، وعلاقتها بالسلطة المركزية ونوعيتها، وهذا ما تم طرحه في الوثيقة المذكورة، حيث التركيز على اللامركزية الإدارية، وتقليص وتوزيع صلاحيات الرئيس القادم، ولهذا انتقلت أمريكا من سبب داعش لوجودها في شرقي الفرات إلى الوجود الإيراني وميليشياتها وداعش هناك، وتم تكرارها مرارا من عدة شخصيات رئيسة في الإدارة الأمريكية، ولا يستبعد، مستقبلا تزايد الدعم الأمريكي للكرد عدةً وعتاداً.
وفي الجهة المقابلة، أصبحت معروفة للعالم الصراع الأمريكي الروسي على تركيا، رغم ما يظهر من خلافات بين تركيا وأمريكا والناتو، والإشكالية تتجاوز عملية الانقلاب الفاشلة، والقضية الكردستانية في المنطقة، بل لها علاقة مباشرة بالدعم التركي للمنظمات الإسلامية التكفيرية، وتوجهها الإيديولوجي من دولة إسلامية علمانية إلى إسلامية تكفيرية. والتي ترى أوروبا أن في هذا الانحراف تهديد مباشر لأمنها، وروسيا ذاتها منتبهة لهذه المعضلة لكنها قضت وتقضي بدون تأني وهوادة على الحركات التكفيرية الإرهابية أينما كانت، والمسألة التركية هي واحدة من أهم القضايا التي تقف وراء الخلاف الروسي ـ الأمريكي والتي تنعكس على طريقة الحل لمسألة إدلب، وتستخدمها تركيا بكل وضوح، وهي في الواقع عملية لا تختلف عن تلك التي تمت في الغوطة الشرقية ودرعا.
والرسائل الأمريكية لروسيا في الفترة الأخيرة أصبحت متعددة اللهجات والغايات، ويرجح البعض أن خلفها تكمن تكتيك العودة إلى منطقة عفرين بعد طرد المعارضة وإخراج تركيا منها، أو لربما حتى ببقائها فيها ولمدة، والحوارات والنقاشات التي تجري حول منبج والاتفاقية المبطنة بينهما قد تكون مثالا لما سيتم بشكل مبدئي حول عفرين. والمناطق الكردية، إن كانت عفرين أو شرقي الفرات، أو لربما حتى جبل الكرد، ستتصاعد الخلافات بين روسيا وأمريكا، وعلى الأرجح لن تطول بقاء تركيا بعد القضاء على المعارضة هناك، وهذه من أحد أهم الأسباب التي تدفع بتركيا في الدفاع عن المعارضة في المنطقة بشكل خاص دون غيرها من المناطق السورية، تحت حجة القضايا الإنسانية، والهجرة المتوقعة. ويكمن لب الخلاف الأمريكي الروسي، من سيملئ الفراغ، وروسيا تعلم أن الدخول الأمريكي إلى عفرين تعني بداية التوجه إلى إدلب والامتداد إلى البحر، وهذه بحد ذاتها لها علاقة مباشرة مع الوجود الإيراني والميليشيات التابعة لها في سوريا.
والرسائل المبطنة في البعد الدبلوماسي عادة تكون قصيرة وبحوادث صغيرة، ولكن المطالب تكون ضخمة على أمل القبول بالمخطط، وهذا ما يجري الآن بين روسيا وأمريكا في سوريا، وهذه الخلافات تؤثر على عدة مناطق، من إدلب إلى شرقي الفرات، إلى عمليات إتهام البعض باستخدام الأسلحة المحظورة دوليا، إلى شكل الدولة السورية القادمة، إلى مسألة الوجود الأجنبي فيها، وعملية دعم الأسلحة للمنظمات المتعددة فيها، وهناك القضية الكردية التي لا تثار، لولا إثارتها من قبل تركيا واحيانا إيران والسلطة الراغبة بالعودة إلى المنطقة الشرقية بعد الانتهاء من إدلب. والخطط الجديدة والجدية في الانتهاء من المعارضة المتجمعة في إدلب هي خطط واضحة وصريحة، لأنها خطط تصفيتها وعلى مراحل، ربما لم تكن واضحة في بدايات التوجه إلى آستانا، لكنها تبينت عندما تم تجميعهم في محافظة إدلب ومنطقة عفرين تحت راية تركيا، ونقاط المراقبة الروسية، ومنذ ذلك الحين وبطرق وأدهم من جميع المناطق السورية، لم يعد غريبا مسيرة إضعاف المعارضة بشقيها وإرضاخهم لشروط النظام وروسيا، وطرق وأئدهم وتصفيتهم من جميع المناطق السورية.
وبغض النظر عن المطامح الروسية في احتواء مجمل الملف السوري، وعودة الأمريكيين إلى الساحة بعد التردد الذي ساير إدارة ترامب في بداياته، تبقى مجريات تقسيم المصالح بارزة في المشهد العام، ورغم تصعيد الخطاب الإعلامي على قضايا جزئية بالنسبة لمصير الشعوب السورية، كإشكالية استخدام السلاح الكيمياوي في إدلب، في الوقت الذي تستعمل فيه أسلحة لا تقل عنها تدميراً للبنية التحتية وقتل الشعب، والضجيج الإعلامي المستمر ودعوة مجلس الأمن من قبل الطرفين ولمرتين حول المعضلة نفسها، وبصيغتين مختلفتين، تظل مصلحة السوريين في نهاية البنود المتوقعة عرضها بينهما، وجل ما يجري هي رسائل سياسية تسبق الاجتماعات المتوقعة حدوثها بين الدولتين فيما بعد من أجل جلأاأجل ا   ابالا أاحل ا ت تت ت تا  ابالاابإدلب أو ربما بعد ذلك عفرين.
وحتى الواقعة التي حدثت في قامشلو قبل فترة، بين قوات الأمن لدى النظام وقوات الأمن الداخلي الأسايش التابعة للإدارة الذاتية، كانت في حيزها العام رسالة أمريكية إلى النظام وروسيا، مثلها مثل التي توجهها إليهم في إدلب، وتصريحات مستشار الرئيس الأمريكي جون بولتن المتكررة والتي تشبه التهديدات تخفي وراءها ما يطمح إليه الأمريكييون، والمعروفة للروس، بل وعلى الأغلب تم تداولها بينهما.
وما يجري الآن في إدلب، هي محصلة سنوات أربع من الاقتحام الروسي للساحة السورية وتخلي أمريكا عن المعارضة، وتلاعب تركيا وقطر والسعودية بشقيها العسكري والسياسي بها، وتحريفهما من قضية السوريين إلى أدوات تستخدمهما لمصالحهم. وقضية الوجود العسكري للمعارضة في إدلب، بل وفي عفرين وجرابلس والباب ستنتهي عاجلا أم أجلا، وستعود إلى حضن سيادة الدولة السورية، وبسيادة روسية، وتكمن المعضلة الرئيسة بعد إدلب، حيث قضية عفرين وشرقي الفرات أي جنوب غرب كردستان بكل حيثياتها ومعضلاتها.