سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الكرد بين “نحن أصحابهم” و”نحن نحميهم”

صالح مسلم ـ صحيفة الشرق الأوسط –

لقد تردَّدَتْ هذه الكلمات أو الأوصاف كثيراً في الآونة الأخيرة في النقاش الدائر حول بقاء أو مغادرة القوات الأمريكية لسوريا دون التدقيق فيما تعنيه هذه الكلمات، مصطلح “نحن أصحابهم” تعني نحن نمتلكهم وهم عبيد لدينا ونحن نتصرف بهم حسبما نراه مناسباً ولا يحق لأي طرف التدخل في شؤونهم سوانا، وقد تردد هذا المصطلح مراراً على لسان المسؤولين الأتراك والسوريين أو مسؤولي الدول الحاكمة في كردستان عموماً، وهذه الأقوال تجسد العبودية بكل أبعادها ومعانيها.
أما المصطلح الآخر “نحن نحميهم” أو “لن نسمح بإبادتهم” فيعني أنهم ضعفاء لاحول لهم ولا قوة، أي المسكنة ويحتاجون إلى الرأفة، وقد تردد ذلك على لسان الأمريكيين والفرنسيين والروس، وهذا بعيد عن الحقيقة تماماً. لقد كان هذان التوصيفان علّة الشعب الكردي على مدى تاريخه؛ فأصحاب المصطلح الأول مارسوا كل أشكال الإبادة الجسدية والمجتمعية والثقافية بذريعة أنه شأن داخلي لا يمكن لأحد التدخل فيه. ولكننا؛ لن نسمح لأي طرفٍ بالتدخل في شؤوننا الداخلية، وعندما يقوم أي شخص كردي بأي نشاط سياسي أو ثقافي أو حتى اجتماعي يَخُصُّ الشعب الكردي يُتَّهمُ بالانفصالية أو التَبَعِيَّة للخارج والتآمر، وتُمارس عليه أشكال القمع والتضييق كافة إلى أن يستسلم أو يستشهد أو يغادر البلاد، ويريدون أن يكون المجتمع قطيعاً ينهبون خيراته وموارده ويستخدمون أبناءه في مشاريعهم كما يشاؤون. فقد تم استخدامهم أدوات للتوَسُّعِ كجنودٍ في مُقدِّمةِ جيوشِ الفَتْحِ والغزو، وعمال ومنتجين لاقتصادهم يدفعون الضرائب والأتاوات التي يفرضها الأسياد بكل طاعة ودون أي اعتراض، أي يشبعون البطون وهم جَوعى من جانب الفرس الترك والعرب دون أية حقوق أو مساواة، وعندما طالبوا بأية حقوق تعرضوا لجميع أشكال القمع والإبادة والمجازر الجماعية عقوبة لهم على ما اقترفوه من ذنب بحق أسيادهم.
أما أصحاب القول الثاني “نحن نحميهم” ولن نسمح بإبادتهم” فهي عادةً أطراف خارجية تتقرب من الكرد؛ بهدف استخدامهم وسيلة في مشاريعهم التي تخدمهم بالمنطقة؛ تلك المشاريع إما أن تكون في الدولة التي يقطنون فيها بهدف فرض منحى يواكب سياساتها على تلك الدولة، أو استخدامهم لابتزاز دولة من الدول التي تحكم كردستان.
 ولكن ما يهمنا هو الشعب الكردي بذاته، هل هو يدرك السياسات التي تُمارس عليه سواءً من الدول الحاكمة أو الدول الخارجية؟ هذا ما هو مهم وعلينا معرفته، أعتقد أنه لم يدرك تلك السياسات حتى وقت قريب من الآن، رغم أن هذه السياسات مُورست عليه عبر تاريخه إلى يومنا هذا. فهل يقبل الشعب الكردي بالعبودية إلى هذه الدرجة؟ لا طبعاً وهذا يظهر من خلال تاريخه المليء بالانتفاضات والتمردات والعصيان، في العصر القديم والحديث، فكلما ظهر قائدٌ أو حزبٌ دعا إلى التمرُّد؛ التفَّ حوله الشعب وقدَّمُوا الضحايا والإمكانيات اللازمة لإنجاح التمرد أو الثورة، أَوَ هل الشعب الكردي ضعيف إلى هذه الدرجة ليتسول أسباب القوة من الآخرين؟
إذا كان هذا هو الوضع الكردي، وتتوفر لديه العدة والإمكانيات اللازمة للنجاح، فما هي المُعضِلة التي تُعيق تحقيق طموحاته؟
 وبإمكاننا وحسب رؤيتنا فإن ما ينقصنا هو: المجتمع المنظم المُسَيَّس، والطليعة السياسية الواعية المُخلِصة، نظراً لأن المتعاطين مع الشعب الكردي والقضية الكردية سلباً، يدركون هذه الحقيقة جيداً؛ يستفيدون من الثغرات الموجودة لدى الكرد ويستغلونها إلى آخر مدى، فيعملون على تفتيت الشعب الكردي بشتى السُّبل ويبذلون كل ما لديهم من إمكانيات لهذه؛ بهدف الحيلولة دون الوصول إلى مجتمع كردي منظم. أما الطليعة السياسية الواعية فيقضون عليها في مهدها بشتى الوسائل، إما بِصنع طليعة مُزيَّفة أو بتحريف أي حركة أو شخصية لديها إمكانيات تَوَلّي مهام الطليعة، وهناك آلاف الأمثلة والأدلة على ما ذهبنا إليه من واقع الشعب الكردي. إن الظروف والأوضاع التي تَمُرُّ بها منطقة الشرق الأوسط والتطورات الحاصلة، والديناميكيات الداخلية في المجتمع الكردي كافية لأن يتمكن المجتمع الكردي من التخلص من نواقصه التاريخية ليتولى الشعب الكردي طليعة التغيير في المنطقة ويأخذ مكانه اللائق به بين شعوب المنطقة.