سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

القدود الحلبية تتحوّل من أهازيج صوفية إلى فنٍّ عالمي

نوع من القوالب الموسيقية الشرقية استطاعت أن تثبت وجودها وجدارتها في المنطقة والعالم، بسبب جزالتها وقربها من الوجدان الجمعي.
ما من فنٍ غنائي، ارتبط ببلد بعينه، وحمل سماته، وذاعت شهرته في العالم بأسره، مثل القدود الحلبية، وفق رأي الكثيرين، إذ أثبتت عبر القرون قدرتها على الاستمرار، وظلت راسخة في وجدان الناس، يتغنون بها، وكأنها وليدة اليوم. وليس غريباً أن تحمل هذه القدود بغناها الفني والمعرفي، اسم مدينة حلب، طالما كانت تلك المدينة محجاً لرجال الفكر والفن، والمعرفة منذ مئات السنين، وعرف عن أهلها وسكانها اهتمامهم بالموسيقى، وفنونها، التي احتلت مساحة كبيرة من حياتهم، فاستحقت عن جدارة لقب عاصمة الموسيقى.
ويوضح المايسترو نزيه أسعد أن “القد” هو لحن من التراث، أُخذ من الغناء الديني، أو الموشح، أو الفولكلور، وغيره، ووُضع عليه لحن وكلام على قده، ثم تطور إلى أغان متداولة في الأوساط الشعبية.
ويختلف عن الأغنية المؤلفة من مقدمة، وبداية، ونهاية، أما القد: فهو يمتد على لحن واحد، يتكرّر مرات عدة حسب رؤية المغني أو الموسيقي.
القدود من التراث اللامادي الإنساني
وخرج فن القدود كما يشير أسعد من الأوساط الصوفية، وحلقات الذكر، حيث تردد في الأهازيج، والأغاني الدينية الخاصة بمناسبة معينة، فكانت بداية البذرة الأولى للقد، تنمو، وتتكاثر؛ لتتطور إلى “قد” ضمن الحلقات، والتكايا الدينية، على يد موسيقيين كبار، أمثال علي الدرويش، وجميل عويس، ونديم درويش، وعمر البطش، وبكري الكردي، وسواهم. ويدعو المايسترو أسعد إلى تعزيز الاهتمام بهذا اللون والقالب الموسيقي، وأن يكون متداولاً في الأوساط التربوية، والمدارس، والمعاهد الموسيقية؛ لتنشئة جيل يعرف تراثه جيداً ويهتم به، لأنه لون يحمل أهمية ثقافية، وفنية، ومعرفية، كما أنه قريب من الشعب، بما يحمله من مغزى اجتماعي وإنساني وعاطفي، إذ استطاع بعض الفنانين كالراحل صباح فخري أن يحملوه إلى أرجاء المعمورة.
ويعرب أسعد الذي يتولى قيادة فرقة التراث السوري للموسيقى، عن شدة سعادته بالإنجاز، الذي تحقق للقدود الحلبية من خلال تسجيله ضمن القائمة التمثيلية للتراث الإنساني لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية، والعلم، والثقافة، اليونيسكو، آملاً أن تأخذ بقية الأنواع الموسيقية حقها كالدور، والموشح، والقصيد، وسواها.
وعن جذور القدود الحلبية الضاربة في التاريخ، يتحدث الإعلامي إدريس مراد، الناقد المتخصص في الفرق، والموسيقى التراثية، مبيناً:” أن أولى إرهاصات القدود كانت من خلال أحد أئمة الغناء والتلحين عند العرب، وهو سائب خاسر (المتوفى سنة 63 هـ/682 م)، الذي يقال إنه استمع إلى غناء نشيط الفارسي، الذي غنى في حلب، فحفظه وركّب عليه شعراً عربياً وغناه، كما يُنسب إلى سعيد بن مسجح تركيب الأشعار العربية على غناء الفرس والروم وغيرهما”.
ويشير مراد إلى أهمية عدّ القدود الحلبية جزءاً من التراث اللامادي الإنساني: “كونها حاملة لتراثنا المشرقي، وثقافتنا المتنوعة، وتحظى بجماهيرية في الأوساط الشعبية والمثقفة، وهي ذات تأثير في المجتمع، كما تتصف بالغنى على الصعيدين الفكري، والإبداعي، إضافة إلى قدرتها على حمل هموم الناس ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم”.
ويشير الفنان رامي حاج حسين، عازف طنبور إلى أن القدود الحلبية ظهرت بالتوازي مع الموشح، الذي جاء من الأندلس، ويختلف عن القد، بأنه مؤلف من ثلاثة مقاطع هي مطلع، ودور، وقفلة، لكل منها قافية مختلفة، وتحمل لحناً بسيطاً قصيراً مشيراً إلى أن القد ظهر ككلام جديد على لحن قديم.
“أشهر منظميّ المقطعات”
ولفت حسين إلى أن القدود الحلبية نوع من القوالب الموسيقية الشرقية، استطاعت أن تثبت وجودها وجدارتها في المنطقة والعالم، بسبب جزالتها وقربها من الوجدان الجمعي: “ولو لم تكن مهمة جداً؛ لما بقيت في الوجدان، وتركت بصمة في الموسيقى”، حيث جاء تصنيفها من اليونيسكو كجزء من التراث اللامادي أمرًا طبيعيًا وحقًا مكتسبًا.
وقد شهد القرن الثامن عشر نهضة علمية وثقافية عربية، كان من أركانها الرائد الأول لفن القدود الحلبية، ابن مدينة حمص الشيخ أمين الجندي، الذي عاش بين عامي 1766 و1840، ولقب بشمس الشعراء، ويعدّ أحد أعلام الشعر والموسيقى في سوريا، وعرفت مسيرة حياته تنقلاً مستمراً بين دمشق، وحلب، وطرابلس الشام، ومصر، حيث نهل من زاد علمائها ومفكريها قبل أن يستقر في مسقط رأسه حمص حتى وفاته.
ويعد الشيخ الجندي أشهر من نظم المقطعات، أو الأدوار الغنائية في سوريا، ووضع الكثير من الأعاريض، التي عُرفت فيما بعد بالقدود، والتي ما زالت متداولة بين الناس وغناها عمالقة الفن الأصيل.
واشتهرت الأناشيد التي كتبها الشيخ الجندي بالرقة، أما شعره فهو انعكاس لطبيعة وطنه، سواء من خلال الوصف، أو الغزل، كما التزم بقواعد الشعر القديم.
ومن القدود الشهيرة التي نظمها الشيخ الجندي “هيمتني تيمتني” وهي من نغم الرهاوي من عروض الحجاز، ومما كتبه أيضاً “يا صاح الصبر وهي مني.. وشقيق الروح نأى عني” وهي من نغم نوى، أما من نغم أصفهان فله القد الشهير “يا غزالي كيف عني أبعدوك ..شتتوا شملي وهجري عودوك”.
وكالات