سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الفنانة التشكيلية عايدة حسن: »حققت حلمي ولو بعد حين»

تقرير/ أفين يوسف –
روناهي/ قامشلو ـ لأن الطموح لا يقف عند حد معين، أو عند سنٍ معينة، ولأن الإرادة القوية تحقق كل ما يصبو إليه الإنسان وفي أي مكان، الفنانة التشكيلية عايدة سلمان حسن مثالٌ واضحً للمرأة الطموحة القوية الإرادة، كافحت واجتهدت بكل صبرٍ وقوة لتحقق حلمها المؤجل، رسمت لنفسها حياةً جديدةً بريشتها ولونتها بأزهى الألوان، فمن تكون عايدة؟.
عايدة سلمان حسن من مواليد مدينة قامشلو، أحبت الرسم منذ طفولتها، عاشت في عائلة مؤلفة من 10 أخوة وأخوات بالإضافة إلى الوالدين، تقول: «كانت عائلتي مترابطةً وميسورة الحال، أبي كان مسؤولاً عنا ويعتني بنا كثيراً، كما أن والدتي كانت توفر لنا الاحتياجات كافة وتدعمنا بقوة بخاصة نحن البنات، توفي والدي مبكراً حين كنا صغاراً، وأصبح الحمل ثقيلاً على كاهل والدتي، لأن تربية 10 أطفال يتطلب الكثير من المسؤولية والتضحية».
التضحية من سمات المرأة
وأردفت عايدة: «التحق اثنان من أخوتي بالخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش العربي السوري والتي كانت مدتها آنذاك خمس سنوات، وتراجع وضعنا المادي شيئاً فشيئاً، لذلك توجب علينا أن نعمل بجانب الدراسة لنستطيع تأمين مستلزماتنا، توجهت أختي الكبرى إلى حلب لإتمام دراستها الجامعية الأمر الذي تطلب مصاريف إضافية، كنت آنذاك أعمل (كوافيرة) في صالون التجميل، وأدرس أيضاً إلى أن حصلت على شهادة البكلوريا في الفنون النسوية، كنت أريد أن أكمل دراستي لأحقق حلمي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وكنت أطمح أن أعمل بجانب دراستي في دمشق لأخفف العبء عن كاهل والدتي، لكنني عدلت عن ذلك بطلبٍ منها، ولأسباب متعلقة بالوضع المادي للعائلة، فكلية الفنون الجميلة تحتاج إلى مصاريف كبيرة، بالإضافة إلى أجور الطرق ومصاريف الطعام والشراب والسكن، ضحيت بحلمي لأنني لم أرغب بكسر كلمة والدتي أولاً، وثانياً لأن مجتمعنا لم يكن يتقبل فكرة أن تعيش فتاة لوحدها في مدينة بعيدة لتعمل وتدرس، هذه العادات والتقاليد كانت دائماً تقف أمام حلم كل فتاة كانت ترغب بإتمام دراستها من مناطق روج آفا، كما أنني شعرت بأنه لا بد من مساعدة أخوتي ليكملوا دراستهم، وعلى الرغم من هذه التضحية التي قمت بها والتخليَّ عن طموحي، إلا أنني سعيدة جداً لأنني ساعدت أخوتي وأخواتي على تخطي الصعوبات وساهمت في نجاحهم».
تابعت عايدة حديثها عن مسيرة حياتها قائلةً: «كنت أتعرض لضغوطاتٍ جمة بسبب حالة والدتي النفسية بعد وفاة والدي، فهي كانت مخلصةً جداً لذكراه وكانت تشعر بالألم لفراقه، وهذا الأمر كان ينعكس علينا بشكلٍ كبير، عملت أنا وأخوتي واعتمدنا على أنفسنا لنساعد والدتنا على تحمل عبء الحياة، ولاحقاً كأي فتاة في المجتمع تزوجت وأصبح لدي منزل وعائلة أهتم بها، لكنني لم أرزق بالأطفال على الرغم من محاولات الأطباء لعلاج الأمر ولم يكتب لي الإنجاب، تأقلمت شيئاً فشيئاً مع وضعي هذا، لكن بالمقابل كان هناك فراغٌ كبيرٌ في حياتي، لأن زوجي كان يخرج للعمل وكنت أبقى وحيدة في المنزل، ولأنني كنت معتادة على العمل منذ الصغر، قررت أن أفتح ورشةً للخياطة، أولاً لأكون عضوة فعالة في المجتمع، وثانياً لأنني كنت أحب مهنة الخياطة بجانب هوايتي المفضلة الرسم، ومن جانب آخر لأساعد زوجي في المصاريف، وجاء مقترح افتتاح ورشة الخياطة من أحد الأقارب الذي جلب عدداً من ماكينات الخياطة للبدء بالعمل، وهكذا بدأت بالعمل على تدريب الفتيات وإدارة الورشة، وبعد مدة استقللت بعملي وأصبحت ورشة الخياطة خاصة بي».
الحلم أصبح قاب قوسين
استطردت عايدة في حديثها: «سار العمل بشكلٍ جيد، إلى أن افتتح قسم الفنون الجميلة في جامعة روج آفا، والذي كان فرصة لا تعوض بالنسبة لي، كما أنها كانت مفاجأة رائعة فقد أصبح حلمي قاب قوسين، سارعت للانتساب لكلية الفنون الجميلة، وكنت أكبر طالبة منتسبة بينهم، ولأنني أؤمن بأن العمر لا يقف عائقاً أمام طموح الإنسان، وأن الإنسان مهما كبر فهو يبقى يتعلم، فالعلم لا حدود له، أنا الآن أرتاد الجامعة وأدرس فن الرسم والنحت والديكور وكل ما يتعلق بالرسم، ويعمل المدرسون في الجامعة بكل طاقاتهم لإيصال كل ما لديهم من معلومات لنا، ولا يبخلون علينا بأية معلومة بل هم سعداء جداً بعملهم على إنشاء جيل جديد من الفنانين المبدعين وهم يدعموننا كثيراً».
عن تنسيقها بين الجامعة والمنزل قالت: «في المنزل لا توجد أية عوائق بخاصةٍ أنني متفقة مع زوجي منذ زواجنا قبل 19 عاماً، وهو أيضاً يرى بأنه لابد لي من تحقيق أحلامي، ويساعدني ويدعمني كثيراً، كما أنني أقوم بتنظيم وقتي بين دوامي في الجامعة وبين عملي في المنزل، كما أنني أرسم أحياناً في البيت وأحياناً أذهب إلى مرسم خاص بأحد الأصدقاء، وأقوم بالرسم هناك، وطبعاً أحلم بأن أقيم معرضاً خاصاً بي، وأنا مستعدة دائماً للمشاركة بالفعاليات أينما كانت».
أما عن الفعاليات التي شاركت بها قالت عايدة: «ذهبت إلى الرقة بعد تحريرها كلياً من مرتزقة داعش برفقة عدد من الفنانين، وقمنا بعمل سمبوزيوم هناك، ورسم كلُّ فنانٍ منا لوحتين تشكيليتين، بقينا هناك مدة أربعة أيام، وأقمنا معرضاً للفن التشكيلي، حضره حشدٌ غفيرٌ من أهالي الرقة، كما أنني شاركت في معرض آخر ضمن كلية الفنون الجميلة في قامشلو».
في ختام حديثها؛ قالت الفنانة التشكيلية عايدة حسن: «بالنسبة لي أشعر بأنني بدأت حياةً جديدةً بعد دخولي كلية الفنون، لأنه كان حلمي الذي عشت طويلاً على أمل تحقيقه، وها أنا ذي بعد كل هذا الوقت والجهد والعناء، وعلى الرغم من كل الصعوبات أرتاد كلية الفنون الجميلة، وأمارس هوايتي المحببة بكل سهولة، فأنا أؤمن بمقولة «أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً»».