سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

العطار.. طبيب الزمن الجميل برائحة الحاضر

جل آغا/ غزال العمر ـ

يلبون طلبات زبائنهم بخفة وحركة سريعة تكاد تخطف الأبصار، يشخّصون للمرضى الذين يقصدون محلاتهم ما يعانون، ليصفوا لهم الدواء المناسب.
 اليوم وفي ظل وجود العيادات الطبية والصيدليات التي أصبح أغلب الناس يفضلون التردد إليها اختصاراً للوقت وقوة مفعول العقاقير الطبية الكيميائية، إلا أن محلات العطارة عادت للعمل وكثر الإقبال عليها من جديد مع انتشار كوفيد ـ 19 لاستشارة العطارين والأخذ بنصائحهم علّها تساهم في تقوية مناعة الجسم لمواجهة الوباء.
“شيخ الكار” لقبٌ أطلقه أهالي ناحية تربه سبيه في شمال وشرق سوريا على إيشوع سعيد شمعون (85 عاماً)، يعتبر من السريان القلائل الذين فضلوا البقاء في البلد معبراً عن ذلك بقوله: “ولدت هنا وسأموت هنا”، دخل عالم العطارة منذ نعومة أظفاره وتعلمها على يد والده، ليرثها منه ابنه وحفيده اللذان يساعدانه بعمله.
مهنة عريقة
هذه المهنة متوارثة في العائلة منذ أكثر من مئة عام، ولكنها تحتاج لخبرة كبيرة في عالم النباتات والأعشاب، والعائلة مشهورة في السوق فهم من أوائل العطارين في المنطقة.
يصف شيخ الكار مهنته التي لا يزال محافظاً بها على مرتاديه وزبائنه رغم ما توصل له العالم من تطور إلا أنه قال: “تبقى الطبيعة صديقة الإنسان مهما عصفت به رياح التطور الطبي والعلاجي”.
تطورت مع الزمن
وتابع شمعون حديثه: “المهنة الوحيدة التي تطورت مع تطور المهن ولم تنقرض هي العطارة فهي لا تقتصر على الأعشاب وفوائدها فقط، وإنّما للتوابل حصة كبيرة بها إلى جانب القهوة والبزورات والموالح والمكسرات والزيوت والعسل فأصبحت أكثر شمولاً ونفعاً”.
وأشار إلى أن أقدام الزبائن لم تنقطع عن محلات العطارة أبداً، بل زاد عددهم مع انتشار الوباء العالمي الخطير “كورونا”، يجد الأهالي طلبهم من النباتات العطرية الغنية بالفيتامين c التي تساهم في رفع مناعة الجسم.
كما قال بأنّهم كعطارين ينصحون الأهالي بالزهورات والبابونج والميرمية والزنجبيل: “فهي منتجات طبيعية من قلب الطبيعة تفيد ولا تضر وإن لم تنفع فإنها لن تضر”.
العطار الطبيب
وفيما إذا كان العطار بمثابة الطبيب قديماً قال شمعون: “نعم كان العطار طبيباً بنظر الناس آنذاك والكلّ يقصده لخبرته بفوائد الأعشاب، كما سمعت من والدي وجدي فقد كان الزبون يأتي ويشرح حالته المرضية التي يعاني منها كالإسهال والإمساك والسعال والزكام ووجع الأطراف والضغط، فيشخص العطار المرض ويعطيه الخلطة المناسبة التي صنعها حسب خبرته أو النبتة التي يرى فيها علاجاً مناسباً للحالة”.
واسترسل مستذكراً كيف كان للعطارين دورهم وقيمتهم: “يستعين بنا الأهالي من القرى المجاورة، وللعطارين اجتماعاتهم التي يتبادلون بها الخبرات ويستشيرون بعضهم البعض بأمور وحالات مرضية”.
أسرار وصعوبات
 ولمهنة العطارة أسرار متوارثة للمركبات العشبية الداخلة بصنع الخلطات التي توصف لتنحيف وللتسمين وغيرها، فهناك خطوط عامة يعرفها جميع الأهالي وهناك خلطات لا تُفشى أسرارها ويحتفظون بسر المهنة.
وعن الصعوبات التي تعترضهم بعملهم تحدث قائلاً: “ارتفاع الدولار وفرق الصرف أثر على حركة عملنا، نشتري البضاعة بالدولار ونبيع بالسوري”.
ولفقدان بعض المواد في السوق تأثير على عملهم: “من المعروف بأنّ الهند بلاد التوابل لكن بظل وباء كورونا نشتري أغلب موادنا من الشام وباكور كردستان، مع وجود صعوبة أيضاً جراء إغلاق المعابر”، هذا ما أضافه شيخ الكار الذي أشار إلى وجود أعشاب نادرة تُطلب منهم ولا يستطيعون تأمينها، كوردة الخزامى والزيتون الإسرائيلي والقسط الهندي الذي يدخل بتركيبات وخلطات خاصة وقد يتجاوز الكيلو منها الـ100 ألف ليرة.
علاقات وديّة
يتعامل بلطفٍ مع زبائنه ويتبادل أطراف الحديث معهم حول همٍّ بات جماعياً ألا وهو “الغلاء”، ويعتقد أن غلاء أسعار الأدوية يلعب دوراً في تفضيل الأهالي للعلاج والتداوي من الطبيعة وعودتهم لمحلات العطارة.
وعن التوابل التي لا غنى للناس عنها فهي تلعب دوراً مهماً وطيباً في تنكيه أطعمتهم قال: “نعتمد على الزراعات المحلية كالكمون والكزبرة أما غير ذلك نستورده”.
ومن النادر أن تخلو محلات العطارة من آلة طحن القهوة التي خالطت رائحتها بقية الأعشاب، فصوت مطحنتها يغري الزبائن الذين اعتادوا على جودتها وطيب مذاقها كما وصف العطار إيشوع سعيد شمعون.
الطب البديل
يقول الحاج سيد أمين علي (60عاماً) من سكان ناحية تربه سبيه: “نقصد هذا المحل منذ سنين ونجد فيه كلّ احتياجاتنا، والذي زاد نسبة الإقبال على شراء النباتات العطرية التي توسع القصبات وتريح الصدر هو وباء كورونا”.
وأوضح بأنّه كزبون يعاني من غلاء الأسعار بشكلٍ عام، مؤكداً على أن التداوي بالأعشاب لا يقل أهمية عن العلاجات بالعقاقير الطبية.
محل تفوح منه ذكريات الماضي وتعبق به رائحة القهوة وتسري فيه الأغاني السريانية والكردية والعربية الجميلة التي يستمتع بسماعها شيخ الكار ورفاق عمره وهي تملأ شوارع تربه سبيه.