سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

العراق… إلى أين؟! -1ـ

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
لا يختلف اثنان حول موقع العراق الجغرافي والاستراتيجي في الشرق الأوسط، كونه بوابة نحو الشرق الأوسط والأدنى؛ وجنوب شرقي آسيا، بالإضافة إلى تمتعه بالثروات السطحية والباطنية، زد على ذلك كونه مهد الحضارات البشرية منذ أكثر من عشرة آلاف عام وحتى الآن، ونتيجة موقعه وثرواته الغنية باتَ مرتعاً لكل الغزاة والمحتلين، ونتيجة هذه الغزوات امتلأت أرضه بعشرات الأثنيات والقوميات والأديان والطوائف، والتي أضافت للثقافات القديمة تنوعاً ومزجاً جديدين.
 لكن الأمر لم يتوقف حول اختلاط ومزج الثقافات فحسب؛ بل أفرز فيما بعد تناقضات سياسية بين أغلب المكونات والشعوب، هذه التناقضات شكلت فيما بعد أحزاباً وتياراتً سياسية وتحالفات، إلى جانب نشوب حروب داخلية وخارجية أنهكت الشعب العراقي وبددت ثرواته بطرق لا تخدم أحداً، وما زال العراق على صفيح سياسي ساخن؛ قد تشعل نيرانها أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، لا يمكن إيجاد حلول مستقبلية تتناسب وتطلعات كل العراقيين في المنظور القريب.
العراق من منظور تاريخي
لا يمكن الحديث عن تاريخ العراق السياسي بكل تفاصيله، كون هذا التاريخ بدأ قبل أكثر من خمسة آلاف عامٍ مروراً بكل العصور والحضارات والغزوات، فمن الغازي الأول نارام سين إلى آشور ونبوخذ نصر والاسكندر ومن ثم البيزنطيين إلى المسلمين ثم العثمانيين والإنكليز وصولاً للعهدين الملكي ثم الجمهوري وحتى الآن. لكن؛ تبدو المرحلة التي بدأت منذ عام 1958(في عهد عبد الكريم قاسم) الأكثر تراجيديةً؛ كونها خلفت تراكمات سياسية وقومية واجتماعية ومذهبية، لم تستطع أغلب الحكومات المتعاقبة أن تنهي هذه الإشكاليات وتضع لها حلولاً جذرية ينعم الشعب العراقي بالأمن والسلام خلالها، وما زالت آثار تلك المرحلة ماثلة للعيان وكأنها تتجدد وتعيد نفسها لكن بشخصيات وأحزاب وتحالفات جديدة.

مجيئ عبد الكريم قاسم لم يكن صدفةً؛ أو محطة عابرة في تاريخ العراق الحديث، بل نتيجة حركة أو ـ انقلاب ـ في تموز 1958م أطاح بالنظام الملكي (فيصل الأول) وحكومة نوري السعيد، حينها تم إعلان العهد الجمهوري، لكن هذه الجمهورية بقيت رَهن الاعتقال من قبل الرجل الأوحد والحزب الواحد حتى 2003.
بعد أقل من خمس سنوات ونتيجة للعقلية الأحادية؛ أُعدم عبد الكريم قاسم؛ إثر انقلاب أطاح به أيضاً عام 1963م، بطبيعة الحال كانت هناك بعض العوامل الخارجية والداخلية التي ساهمت بمجيئ عبد الكريم قاسم إلى سدة الحكم، من تلك العوامل الأزمة في بنية الحكم الملكي التي أفرزت تيارين متناقضين في الأيديولوجيا، ولكل تيار توجَّه لمعالجة قضايا العراق الخارجية مثل الحربين العالميتين والمعاهدات والاتفاقيات مع الدول العظمى، والتي كانت ترمي إلى وضع العراق في معمعة لا طائل منها، كاتباعها سياسات محورية عقيمة الحلول، ومن جهة أخرى تنامى المد الجماهيري والقومي عند العرب (جمال عبد الناصر 1952) هذا المد كان يرفض الهيمنة الأجنبية (فرنسا وبريطانيا وأمريكا)، أما داخلياً فكانت هناك أسباب تتعلق بالمستوى المعيشي والاجتماعي، ومزاجية تعامل الحكومة مع شخصيات ثورة رشيد الكيلاني 1941 وإعدامهم.
هذه العوامل والأسباب دفعت عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف للإطاحة بحكومة نوري السعيد، لكن تفرد عبد الكريم بالسلطة أبعد أصدقاءه وزملائه من الحكومة، بل عمل على تصفية الكثير منهم، وأطلق يد الشيوعيين في الحياة العامة حتى باتوا في مراكز القرار، بهذا الشكل أصبح عبدالكريم الرجل الأول والأوحد في العراق وجمع في شخصه كل المراسم والمسؤوليات والسلطات والقرارات المصيرية.
لم يسعف قاسم تفرده بالسلطة، ووضع حلول للقضية الكردية، بل غدر بهم  سياسياً؛ ومارس كل أشكال القتل والتهجير بحقهم، حينها اندلعت ثورة 1961الكردية، هذه المتغيرات وغيرها كانت أسباباً لقيام اضطرابات يومية في العراق، فكانت حركة شباط  1963 أكثر نشاطاً وديناميكية، حين أقدمت على الإطاحة برأس النظام وتسلم عبد السلام عارف لرئاسة الجمهورية والبعثي أحمد حسن البكر للحكومة، وبدأ مسلسل القتل والإعدامات يطال المسؤولين في الدولة وأُعْدِم على إثرها عبد الكريم قاسم مباشرة، وتسيد البعث كل العراق، ونتيجة بعض الخلافات انقسم البعث على ذاته (معتدل ـ ومتشدد) وفي 1964م. عملت الحكومة على التقرب من الكرد حين أعلنت عن إيقاف كل العمليات العسكرية والشروع بوضع حلول مناسبة للكرد؛ ومنها منحهم حقوقهم الثقافية.   في بدايات 1963 سقطت سوريا أيضاً بيد البعث وشاركت بجيشها مع العراق في حربها ضد الكرد، وفي عام 1966 توفي عبد السلام عارف لكن أحمد حسن البكر لم يمهل الآخرين فرصة العبث والفوضى، حيث تسلم العراق من الباب إلى المحراب وبالحديد والنار، لكنه أخفق بالقضاء على الكرد وثورتهم.
حرب الخليج الأولى
الأحداث الدراماتيكية المتلاحقة في العراق وما حولها لم تسنح لها الفرص بالاستقرار، فنتيجة إخفاقها بالقضاء على ثورات الكرد وبضغط من الاتحاد السوفيتي حينذاك، والتوترات المستمرة مع إيران عملت الحكومة العراقية بالتصالح مع الكرد، ففي عام 1970 توقفت الحرب بعد إقرار الحكم الذاتي لهم، لكن الحرب لم تنتهي نتيجة مجيئ الخميني إلى إيران وإنهاء حكم الشاه 1979، عمل قادة إيران على رفع شعار تصدير الثورة، هذه الشعارات أقلقت دول المنطقة وبخاصة العراق، كونها تحوي نسبة كبيرة من الشيعة ومزارات مقدسة، وفي الآونة الأخيرة بات نشاط تنظيمات وأحزاب الشيعة تُعلن عن نفسها وكأنها تٌشكل العمق الروحي والاجتماعي لإيران، من جانب آخر تعتبر اتفاقية الجزائر 1975م من الأسباب الهامة لهذه الحرب التي اتفق فيها الجانبان على تطويق الحركة الكردية التحررية المسلحة في العراق، وبنود هذه الاتفاقية لا تمثل وجهات نظر الشعبين العراقي والإيراني بقدر ما هي نوايا عدوانية لنظامين قمعيين في المنطقة.
في 1979 تنحى البكر من السلطة بضغط من صدام حسين، الذي تسيد العراق وباتَ الرجل الأوحد، وكانت من نتائج هذه المرحلة اندلاع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران التي دامت أكثر من ثمان سنوات، استغل صدام الفوضى في إيران حين هاجمها بكل قواته البرية والبحرية والجوية واحتل أراضٍ إيرانية، رغم كل التدخلات والوساطات لم تتوقف الحرب الا بعد تدخلت أمريكا وتوسطت فيما بينهما وبقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم (598) توقفت الحرب.
كلفت الحرب الحكومتين والشعبين مليون قتيل ومئات الآلاف من الجرحى وخلخلة البنية التحتية لهما، وقدرت كلفة الحرب بـ 400 مليار دولار، ولاقى الكرد ويلات جديدة فظيعة حين استخدم صدام السلاح الكيماوي ضد الكرد (في حلبجه 1988) وحرب الأنفال وإبادة 180 ألف من الكرد الفيليين، ولم تبقى الأمور في العراق بهذا الشكل لأنها خسرت كل الاحتمالات والرهانات في هذه الحرب بل عاشت بعداً قومياً وإسلامياً، وبروز قلاقل وتوترات في الداخل وبخاصة بروز تيارات الشيعة بقوة في الجنوب وكل العراق (حزب الدعوة).
حرب الخليج الثانية
لم يسجل التاريخ من الرابح في الحرب بين العراق وإيران؛ لأن الخسارة لحقت بالطرفين، هذه الأسباب أقنعت صدام بالتخفيف من التوترات الداخلية وتعويض خسائره السياسية والمادية والاقتصادية وغسل ماء وجهه في الداخل، فأعلن عن غزو الكويت واحتلالها وجعلها من محافظات العراق، وقد أكدت القيادة العراقية بأن الخلافات الحدودية بين البلدين ومسائل تتعلق بإنتاج النفط والديون المترتبة على العراق بعد حربها مع إيران كانت وراء هذا الغزو، لكن البعض اعتبرها لعبة سياسية مدبرة من الغرب، كي تتمكن من تقسيم المنطقة ومن ثم تفكيكها وتجزئتها، من جهة أخرى يجد البعض بأن صدام ـ أُجبر- على هذا الغزو بعد فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية جديدة بحق العراق قرار رقم (661) فكانت (عاصفة الصحراء) لتقوم بطرد وإخراج الجيش العراقي من الكويت، وعمل المجتمع الدولي فيما بعد بربط العراق بأسلحة الدمار الشامل قرار (687 ـ 1991 حتى 2003) بهذا القرار دخل العراق أسوء أيامه السياسية والاجتماعية، فكان نفقاً مظلماً لكل العراقيين، والطامة الكبرى كانت في حرب الخليج الثالثة التي شنتها أمريكا ضد العراق بداعي أنها لم تتعاون مع فرق التفتيش الدولية التي كانت تبحث عن أسلحة الدمار الشامل.
حرب الخليج الثالثة
تمخضت عن حربي الخليج الأولى والثانية نتائج سياسية واقتصادية رسمت في الأفق السياسي ملامح حرب الخليج الثالثة، يمكن اعتبارها أسباب غير مباشرة أمام السبب المباشر لهذه الحرب فكانت حين تعرضت أمريكا لهجمات في عقر دارها (نيويورك ـ واشنطن) عام 2001 وسارعت وبقوة باندلاع هذه الحرب.
في بداية الاحتلال 2003 تسلم السلطة في العراق الأمريكي (جاي غارنر) بعدها بفترة قليلة تشكلت سلطة من الإتلاف المؤقت برئاسة (بول برايمر) في هذه الفترة تعرض العراق وشعبه إلى أبشع أشكال السلب والنهب المنظم (المتحف الوطني) وسرقة أطنان من الذخيرة الحية من المعسكرات، بالإضافة إلى سرقة مركز للأبحاث النووية الذي كان يحتوي على 100 طن من اليورانيوم، وكان إعدام صدام حسين بمثابة انكسار للمفهوم القومي والطائفي.
ما عاشه العراقيون كانت كارثة إنسانية وأخلاقية واجتماعية بامتياز، وتجلى ذلك في فضائح سجن أبو غريب 2004م، في هذه الأثناء انتقلت السلطة للحكومة العراقية المؤقتة (غازي عجيل الجربا رئيساً ـ إياد العلاوي رئيساً للوزراء) أمام هذه الفوضى العارمة والخلاقة وجدت القاعدة (أسامة بن لادن) نفسها في المشهد العراقي الإرهابي، وبدأت موجة الانفجارات تلحق الأماكن المقدسة والدوائر الحكومية، بل طالت الاغتيالات المسؤولين وغير المسؤولين.
ولا يخفى على أحد بأن حرباً طائفية ومذهبية بدأت بالانتشار (سنة وشيعة) وفي الوقت نفسه تعرضت الأقليات للقتل والسلب والنهب (أيزيديين وآشوريين) وغيرهم، وتأكد الكل بأن الجريمة أصبحت منظمة أمام غياب السلطة الفعلية للدولة، وبات العراق عنواناً خصباً لممارسة الجريمة وبكل أشكالها، أمام هذا الشكل السياسي والاجتماعي المنهار أعلنت أمريكا بانسحاب جيشها من المدن العراقية، وبذات السياق لم يأت هذا الانسحاب إلا بعد أن لاقت أمريكا مقاومة من العراقيين وبخاصة في معارك الفلوجة والنجف وغيرها من المدن، وفي 2011م، انسحبت أمريكا رسمياً من العراق عبر الحدود الكويتية، لم يطرأ بعد هذه الحرب الكثير من التغييرات، وبخاصة ما يمس الكرد وقضيتهم، وقد يكون الجانب التركي وعلاقاته الاقتصادية والسياسية مع العراق وتحديداً مع كردستان المستفيد الأكبر، فهو وبكل قوة يحافظ على بقاء كردستان جزءاً من العراق، وعدم السماح للكرد بالسيطرة على كركوك النفطية، لكن غزو أمريكا للعراق شكل عائقاً أمام تطبيق الأجندات، وهذا ما حدى بتركيا عدم مشاركتها في حرب الخليج الثالثة.
ما بعد الغزو الأمريكي
مجموعة أسباب أدت إلى الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، منها أنها تزامنت مع الحراك الشبابي الاجتماعي في الوطن العربي بدأت من تونس ثم مصر وسوريا وغيرها، حينها خرج العراقيين أيضاً باحتجاجات مماثلة تطالب بإخراج الأمريكيين من بلدهم وتعديل الدستور ومحاسبة المفسدين.
وكانت هناك جملة أسباب أخرى تتعلق بتردي الأوضاع الأمنية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أما في الإقليم فقد استمرت المظاهرات والاحتجاجات في السليمانية تدعو إلى إجراء إصلاحات سياسية ومكافحة الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية، لهذا لم يكن الانسحاب الامريكي من العراق فعلياً، بل أكد على وجودة من خلال اتفاقات بين البلدين، من هذا المنطلق أكدت أمريكا بأنها ستبقى في العراق لسنين طويلة، وقد تكون بديلاً عن قاعدة انجرليك حتى تبقى قريبة من محور الشر- كما تسميه – وثبتت وجودها من خلال معاهدات استراتيجية تؤكد من خلالها على التعاون المشترك وعلى الأصعدة كافة وبخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات.