سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصين تفتتح برنامجاً جامعياً خاصاً بالذكاء الاصطناعي

أعلنت الحكومة الصينية أنها تعتزم قيادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030م لتتجاوز بذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فأشار المشككون إثر ذلك إلى وجود مشكلةٍ كبيرةٍ، فعلى الرغم من توفر كمٍّ هائلٍ من بيانات سكان الصين على شبكة الإنترنت، قوانين الخصوصية الضعيفة، ووجود 8 ملايين من خريجي الجامعات الجدد في عام 2017مـ، إلا أنه ليس لدى الصين ما يكفي من الأشخاص البارعين في مجال الذكاء الاصطناعي لتجاوز أمريكا.
خلال بداية شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، أنشأ رئيس عمليات شركة قوقل السابق في الصين كاي-فو لي مشروعاً جديداً لمساعدة الصين في تحقيق هدفها وتوفير الكوادر البارعة في مجال الذكاء الاصطناعي التي تحتاج لها، وذلك بدعمٍ من الحكومة الصينية وبالتعاون مع علماءٍ في مجال علوم الحاسب في أمريكا الشمالية. ويدل التعاون بين الصين والولايات المتحدة في هذا المشروع على الجهود المشتركة بين الدولتين للتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، بالرغم من لهجة الخطاب الحادة عن منافستهما التقنية في هذا المجال مؤخراً.
وُلد كاي-فو لِي في تايوان وتعلّم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثمّ بدأ مسيرته العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي قبل أن يتم تعيينه كمديرٍ تنفيذي في شركات سيليكون قرافيكس، أبل، ومايكروسوفت، كما قاد لِي توسع شركة قوقل في الصين حتى عام 2009مـ، وغادر بعد ذلك ليقوم بإنشاء المؤسسة الاستثمارية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم “سينوفيشنن فينتشرز”، والتي يتركز استثمارها في الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وتملك معهداً خاصاً بها لتعليم الذكاء الاصطناعي.
جمع كاي-فو لي أكثر من 100 أستاذٍ محاضرٍ من كليات العلوم والهندسة الصينية في جامعة بكين  في نيسان 2018م، لتقوم هذه المجموعة خلال أربعة بتعلّم كيفية تدريس مجال تعلم الآلة وأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك لتدريسها خلال برنامجٍ سنويٍّ مدعومٍ من مؤسسة سينوفيشن فينتشرز، جامعة بكين، ووزارة التعليم في الصين. وسيقوم بعض المعلمين الجدد بتدريب 300 طالبٍ من نخبة الطلبة الصينيين في مجال الذكاء الاصطناعي خلال هذا الصيف، والذين سيختارهم كاي-فو لي وخبراء آخرين.
على الرغم من اتصال البرنامج بالحكومة الصينية، إلا أن خبراءً من المؤسسات الأمريكية يعملون على مساعدة كاي-فو لي أيضاً، فقد انضم بروفسور جامعة كورنيل الدكتور جون هوبكروفت للتدريس في اليوم الافتتاحي للبرنامج، ويُذكر أن الدكتور جون هوبكروفت مهتمٌ بالبحث في مجال تعلم الآلة، وهو حائزٌ على “جائزة تورنق” التي تعتبر جائزة نوبل في عالم الحوسبة في عام 1986مـ. وسيقدم الباحث العالمي البارز في شركة قوقل جيف هينتون برنامجاً دراسياً للذكاء الاصطناعي عبر الفيديو خلال هذا الصيف كذلك.
لخص هوبكروفت للأساتذة المجتمعين محتويات مقرر تعلم الآلة من أفضل الجامعات الأمريكية في محاضرةٍ استمرت أربع ساعات، ولقد قام هوبكروفت برحلاتٍ متكررةٍ إلى الصين على مدى العقد الماضي في محاولةٍ لمساعدة البلاد على تحسين جودة التعليم الجامعي الذي يصفه بأنه مشروعٌ إنساني، ويقول مُعلقاً: “الفرصة متاحةٌ للصين في جعل العالم أفضل لملايين الناس”.
يصف لي قدرة برنامجه على توسيع إمكانيات كوادر البلاد من المبرمجين ذوي الخبرة في الذكاء الاصطناعي بشكلٍ سريع، ويقول: “إذا قام هؤلاء الأساتذة بتدريس صفٍ من 400 طالب في الخريف والربيع، فسيتم تخريج آلاف الطلاب للعمل في عام 2019مـ”. وسيساعد ذلك الشركات الصينية على التنافس في توظيف مهندسي الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الشركات الناشئة تحت محفظة لِي الاستثمارية، كما أن المشروع ينسجم مع خطة تطوير الجيل القادم في مجال الذكاء الاصطناعي في الصين التي أُعلن عنها في شهر يوليو الماضي.
تركز رؤية الصين على تقوية اقتصادها، عسكريتها، ومجتمعها وتمكينها من خلال الذكاء الاصطناعي، وتسعى الحكومة الصينية إلى تبني موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي نتيجة الإقبال عليه من شركات الإنترنت الصينية وغيرها، والتي قامت بدورها بإنشاء العديد من الشركات الناشئة التي تزيد قيمتها عن مليار دولار في مجالاتٍ عدّة، تشمل التعرف على الوجه وأنواعاً جديدةً من رقائق الحاسوب. ويشمل الدعم الحكومي للذكاء الاصطناعي في الصين التمويل الجديد، العقود الحكومية، والوصول إلى بعض البيانات القيّمة. كما أصبحت تنمية قاعدة الصين لموهبة الذكاء الاصطناعي موضوعاً رئيسياً، حيث تدعم الحكومة البرامج الجديدة من الكليات والشركات.
قد يزيد مشروع “سينوفيشن” من مخاوف واشنطن حول “سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي” بين الدولتين، ففي تقرير الممثل التجاري الأمريكي الأخير الذي يبرر فيه فرض عقوباتٍ على الصين بقيمة 50 مليار دولار من الواردات الصينية، قال بأنّ جزءاً واحداً من خطة تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين هو استخدام استثماراتٍ مجازفةٍ ومشاركاتٍ أخرى مع الولايات المتحدة لجلب التقنية إلى أرض الصين.
يسمي كاي-فو لي هذا التأطير بـ”ضيق الأفق”، ويقول بأن الشركات والأكاديميين في كلٍ من الصين والولايات المتحدة الأمريكية ينشرون علناً أبحاث وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ولقد افتتحت شركة قوقل مختبراً لأبحاث الذكاء الاصطناعي في الصين في ديسمبر الماضي، قائلةً إنها تريد التعاون أكثر مع مجتمع الذكاء الاصطناعي الصيني. يقول كاي-فو لي مُعلقاً: “هذا ليس سباقاً للتسلح، إن الذكاء الاصطناعي يتمحور حول التمكين”.
يشترك البعض في واشنطن في هذه الحجة إلى حدٍ ما، حيث يترأس بوب وورك فريق عملٍ جديدٍ في مجال الذكاء الاصطناعي في المركز الأمريكي للأمن الجديد، وأعترض على استخدام مصطلح “سباق التسلح” في حدث الافتتاح، وقال بأن الأولوية القصوى للولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تدعم التنمية التجارية للذكاء الاصطناعي، يُذكر أن بوب وورك كان يشغل سابقاً منصب نائب وزير الدفاع في كل من إدارتي أوباما وترامب.
وتُشير الباحثة في فريق عمل الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية إلسا كانيا إلى أنه من الممكن أن تؤخذ مؤشراتٌ من برنامج سينوفيشن الذي ترعاه الحكومة الصينية في بكين، وتقول: “يجب أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه”. وفي عام 2016مـ، أصدر البيت الأبيض في عهد أوباما تقريرين حول إمكانات الذكاء الاصطناعي، وأوصى بالاستثمار في التعليم والبحث في الذكاء الاصطناعي. وقدمت شركتا نفيديا وإنتل وعدة أكاديميين طلباتٍ مماثلةً في جلسات الاستماع في الكونغرس الأمريكي حول الذكاء الاصطناعي خلال شهر فبراير (شباط) ومارس (آذار) من العام الماضي، إلا أن إدارة الحكومة الأمريكية الحالية أبدت اهتماماً ضئيلاً بالتقنية.