سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الصحافة الكرديّة الناطقة بالعربيّة في ظل الإدارة الذاتيّة

منذ صدور أول صحيفة كرديّة ( كردستان) على يد مقداد مدحت بدرخان سنة 1898م حتى قبل الإدارة الذاتيّة كانت الصحافة الكرديّة عاجزة عن مواكبة العصر بل مخيبة لآمال وطموحات شعبنا الكرديّ فقد اقتصرت على المنشورات الحزبيّة وصدور بعض المجلات الأدبيّة هنا وهناك ودوريات أخرى لكنها سرعان ما كانت تتوقف عن الصدور، ربما كان لديها ما يبرر من أسباب سياسيّة وعوامل اقتصاديّة أقلها الرقابة الأمنية الصارمة التي كانت تتعقَّب الكلمة وتفرض ثقافة محددة وتحكم المجتمع بلغة واحدة وخطاب سياسيّ وثقافي واحد لا تحيد عنه. ونتيجة لذلك كان إصدار صحيفة أو دوريّة ضرباً من المغامرة التي لا يحتملها الكثيرون علاوة على أنّ هذا العمل لا يسع الكثيرين النهوض بأعبائه لجهة المعرفة ومستوى الوعي، وغير ذلك كثير من أسباب الغياب والتغييب أدّت بتضافرها إلى عدم وجود صحافة كرديّة بالمعنى الدقيق للكلمة؛ ليقتصر العمل الصحفيّ إن جازت تسميته بذلك على ما تنطوي عليه التسمية من تجاوز، على منشورات بسيطة تمّ تناقلها بكثير من الحرص والحذر،
أما في ظل الإدارة الذاتية والتي أدركت دور الكلمة ومسؤوليّة الصحافة في تنمية الثقافة المجتمعيّة وصناعة الرأي العام الموحد حول القضايا الأساسيّة، وكذلك دورها على المقلب الآخر عندما يستخدم من أطرافٍ معاديةً سلاحاً فتاكاً وفعّالاً في الصراع الإنساني والميدان هو عقول الناس يقصفها ثم يحتلها. وبذلك كان العمل الصحفيّ سلاحاً ذا حدّين يُؤمِن المناعة الفكريّة للمجتمعات ويُعرِّف بقضاياها ومن جهة أخرى نصلاً حاداً قد يُوجّه إليها.
انطلقت الإدارة الذاتيّة من تأكيد أهميّة الصحفيّ وأولته ما يستحق من اهتمام من خلال تشييد صروح إعلاميّة كبيرة تليق بتاريخ ونضال وتراث شعبنا الكرديّ حيث استطاعت في فترة زمنيّة قياسية أن تقف على قدميها، بل وتنافس الصحافة المحليّة والإقليميّة والدوليّة من خلال إطلاقها 50 مطبوعاً من الصحف والمجلات ودوريات ثقافيّة وسياسيّة وفنيّة. وسعت لتوفير أحدث المطابع وتأمين كوادر مهنيّة وحرفيّة لتقود العمل، وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نذكر عدداً من المطبوعات الدوريّة نذكر منها (الصحف: مثل روناهي، بوير، الاتحاد الديمقراطيّ، والمجلات مثل الشرق الأوسط، وصوت كردستان، مجلة الثقافة والأخلاق، المجتمع الديمقراطي، وسيوان، وللأطفال مجلة مزكين) بالإضافة إلى عددٍ كبير من المواقع الإلكترونيّة.
وبالنظر إلى طبيعة المرحلة والظروف التي مرّت بها المنطقة وسوريا والتهديدات والتحديات التي واجهت القضية الكرديّة ومنها الاستهداف المسلح من قبل المجاميع الإرهابيّة بمقابل تبنِّي مشروع الحلّ السياسيّ الشامل المتمثِّل بالديمقراطيّة اللامركزيّة التعدديّة ولأسباب أخرى، اتخذت هذه الصحافة منحىً سياسيّاً ذا طابعٍ تحرريّ ديمقراطيّ فيدراليّ وعملت على إقامة أساسيات الثقة وبناء جسور التواصل والحوار على أرضيّة احترام التنوّع الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ ومدّ خطوط العلاقات مع كلّ المكوّنات وتعزيز مفاهيم التعاون والسلم الأهلي والمساواة ونبذ العنف وحل النزاعات بالحوار المشترك ودون شروط مسبقة وضبط إيقاعها وفق فكرة الأمة الديمقراطيّة من أجل تجاوز الأزمة وبناء سوريا المستقبل التعدديّة الديمقراطيّة.
غنيٌ عن التعريف أنّ عماد الحركة الثقافة هو العمل الصحفيّ، ولم تألُ الصحافة الناشئة في ظل الإدارة الذاتيّة جهداً في مواكبة الحركة الثقافيّة ومتابعة النشاط الإبداعيّ في شتّى المجالات الأدبيّة والثقافيّة والفنيّة وكذلك الاجتماعيّة والعسكريّة إذ كانت قريبة جداً ترصد الحدث على جبهات المقاومة ونقلت صور البطولة النادرة وقامت بتغطية مقاومة تحرير كوباني وشنكال ورافقت المقاتلين في حملات غضب الفرات في الرقة والخابور وفي الحسكة وواكبت تحريرها ونقلت صور التوحش والإرهاب المرتزق العابر للحدود وعملت جنباً إلى جنب مع باقي وسائل إعلامنا قنواتنا الفضائية. ووصلت إلى قمة التألق في مقاومة العصر عفرين ودورها في مقاومة الاحتلال التركيّ لعفرين وفضحت الممارسات التعسفيّة لأردوغان وعصابته من مرتزقة داعش الذين حلقوا ذقونهم وانقلبوا إلى انكشارية جديدة لخدمة مخطط أردوغان، وعملت صحافتنا وما تزال تعمل على إيصال الصورة الحقيقيّة للجرائم المرتكبة بحق الأهالي والأرض والشجر إلى الرأي العام المحليّ والدوليّ.
ومن جهة أخرى شكّلت صحافتنا جبهة مقاومة بكلّ ما أوتيت من إمكانيّة مقابل ماكينة إعلام حزب العدالة والتنمية التي تعمل على تشويه الحقائق وتدسّ الأكاذيب وتنسج الافتراءات لتجميل صورة الإجرام القبيحة وتحرّض على العنصريّة والكراهية.
وبذلك فقد تجاوزت صحافتنا الورقيّة والإلكترونيّة عتبة البدايات لتواجهَ منذ انطلاقتها أعتى مؤسسات صحفيّة وإعلاميّة ناصبت العداء لشعبنا، واستطاعت رغم قلة الموارد وصعوبة الظروف أن تشغل مكانةً كبيرةً وهامة في توفير كمٍّ هائل من المعلومات والمعطيات اللازمة وتوفير مفردات الخطاب السياسيّ الوطنيّ والثقافيّ المتوازن فكانت صوت كلّ السوريين من مختلف المكوّنات في بلدٍ أنهكته الحرب وقطَّعت أوصاله الجغرافيّة وبُثّت فيه سموم الطائفيّة والمذهبيّة الضيقة، كما عملت على أن تكون وسيلة لإنعاش الحوار والتفاهم وإحياء تراثنا وتاريخنا وإحياء الثقافات المحليّة وتطويرها وأداة تحرّر، ونقل صورة النشاط الإنسانيّ الماديّ والروحيّ وكلّ أنواع المعارف والعلوم والآداب والآراء والمعتقدات والأيديولوجيات المختلفة.
ولا ندّعي أنّ صحافتنا تواكب العصر بشكلٍ مثاليّ، عصر إنجازات ثورة المعلومات والتطوّر المتسارع لوسائل الإعلام، إلا أنّها نجحت في خلقِ خطابٍ كرديّ عربيّ نوعيّ كسر الحواجز وعقوداً طويلة من أحاديّة الخطاب والمضمون، لتكونَ سابقة في تاريخ سوريا المعاصرة، فأصبحَ لها سهمُها في خدمةِ شعبنا ودعم مسيرة تقدّمه وازدهاره ونهوضه ومساهمته في خلق التفاعل بين الأفكار والمعتقدات. وحيث لا يمكن ادعاء الكمال في العمل إلا أنّ مقارنة العمل بالإمكانات المتاحة تُوصِلنا لفكرة مفادها أنّنا أمام صحافة تحدّت إمكاناتها وتجاوزتْها، وكلّ جوانب التقصير فهي نتاج الظرفيّة الحاليّة، ولكنها مُبشِّرة بنجاحات أكبر ولتبقى ميداناً لكلّ المجتهدين وحملة الآراء الطيبة المؤمنين بالحوار ومن يرسمون بالكلمة المفيدة ملامح مستقبل أفضل.
المرحلة الأولى للانطلاق كانت صعبة، وتلك سُنة الحياة أن يكون مخاض الولادة مؤلماً، إلا أنّ الأمل المعقود كان كبيراً، وتحقيقه تطلَّب التسلُّح بالصبر والقوة والإرادة ومواجهة مطبَّات الجهل والتجهيل، للخروج من الولاء الضيق إلى الولاء للإنسان للوطن وللخير، وبذلك قطعت صحافتنا المرحلة الحرجة ونجحت في كلّ اختباراتها المهنيّة والوطنيّة وأصبحت نقطة مضيئة في مسيرة ادارتنا الذاتيّة رغم طغيان الإعلام المعاصر القائم على تسويق الأجندات لصالح السلطات وتبرير فساد الحكومات وتغليبها على الثقافة، وستظل تواجه كلّ الحملات الغوغائيّة لأعداء شعبنا وإغناء التواصل والتفاعل الحضاريّ بين كلّ مكوّنات شعبنا أولاً وبين كلّ البشر لأن الصحافة رسالة نبيلة وليست أداة استعماريّة أو أداة تخويف وابتزاز وتسويغ للاحتلال والقهر والسلب والنهب كما عند صحافة أردوغان الملوثة.