سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الشعوب تحيي ثقافتها على أرضها التاريخية بفضل 19 تموز

تحقيق/ آلان روج –
تتميز مناطق روج آفا والشمال السوري بالتنوع الإثني والعرقي والحضاري الكبير لشعوبها، لكن ذهنية الدولة في الإقصاء والإنكار والاحتكار والاستغلال كانت السبب في قتل وطمس الكثير من هذه الملامح العريقة ضمن نسيج المجتمعي السوري، كما في وضع الشعب الكردي المضطهد بالدرجة الأولى وذي التاريخ العريق والأساسي في سورية والذي يليه عدد آخر من الأعراق والأديان التي طمستهم آلة الدولة الاستبدادية.
ما حققته ثورة 19 تموز للشعوب (الكردية، العربية، السريانية، الآشورية، التركمانية، الأرمنية، والشركسية) في سورية هو إعادة كل مكتسباتها في اللغة والثقافة والتراث والمجد التاريخي والتنظيم وإدارة حياته الاجتماعية وفق طبيعته وإرادته.
يعتبر الآشور السريان والكلدانيون من المجتمعات ذات التاريخ العريق في روج آفا والشمال السوري أصحاب ثقافة وحضارة ولغة غنية عن التعريف. وعلى الرغم من وجودهم وانتشارهم الواسع في سورية واعتبارهم أصحاب الأرض التاريخية، إلا أن حالهم كان كحال الكرد في الإنكار والاضطهاد والتهميش، بسبب سياسات حزب البعث الحاكم في سورية عموماً.
فلم تكن اللغة والثقافة السريانية والتمثيل السياسي رسمياً في الدولة السورية بعد وصول آل الأسد وحزب البعث إلى الحكم، ليقتصر في فتح المجال لممارسة نشاطهم وتنمية لغتهم وثقافتهم فقط ضمن الكنائس والجوامع مرتبطة بتلك المراكز الدينية، وينتج من هذه السياسات الهجرة الكبيرة لهذه المجتمعات إلى الخارج، لذلك كانت هذه الثقافات مهددة بالاندثار.
خلال ثورة 19 تموز التي بنيت على أسس إحياء الثقافات والنهوض بها لحمايتها وإنهاء الإنكار والإقصاء عليها، خطت هذه المجتمعات خطوات تاريخية بشأن إرثهم التاريخي. فقد دعمت الثورة تدريس اللغة السريانية في المدارس وتدريب كوادرها التعليمية كما اللغة الكردية فور انطلاقتها، واعتبرت الإدارة الذاتية، في ميثاق عقدها الاجتماعي، اللغة السريانية لغة رسمية إلى جانب اللغتين الكردية والعربية.
ولم تتوقف الثورة عند هذا الدعم، بل بادرت بافتتاح أول معهد للغة والأدب السرياني باسم «أورهي» في قامشلو على مستوى الشمال السوري، ومجمع آخر في ديرك للغة والثقافة السريانية، إلى جانب دعم الجمعيات الثقافية السريانية والآشورية والكلدانية لحماية الفلكلور والتراث.

أما على الصعيد الإرادة السياسية فقد خصصت مقاعداً لهم في المجلسين التشريعي والتنفيذي لإقليم الجزيرة عدا الترشح في القوائم الانتخابية للأحزاب والتنظيمات السياسية والاجتماعية لكل مكون بشكل حر وديمقراطي، وكذلك يجب بالضرورة وجود مستشار من المكونين السرياني الآشوري في الحاكمية المشتركة ونواب في معظم هيئات الإدارة الذاتية.
وعلى الصعيد العسكري والأمني فقد شكلت في روج آفا والشمال السوري بداية 2013م قوات المجلس العسكري السرياني المنضوية اليوم تحت سقف قوات سورية الديمقراطية، وكذلك قوات السوتورو الأمنية الداعمة والتابعة لقوات الأسايش في شمال سورية، حيث لعبتا دوراً فعالاً إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة في التصدي للمجاميع المرتزقة والإرهابية وحماية القرى السريانية والآشورية في إقليم الجزيرة.
التركمان والشركس والأرمن أيضاً خرجوا من سواد التهميش والنسيان الذي فرض عليهم من قبل الدولة القوموية ليصبحوا أصحاب إرادة حرة وكمجتمع يمارس ويحمي ثقافته ولغته ويمثل نفسه في الإدارة ومؤسسات الثورة في الشمال السوري، حيث يملكون كل الصلاحيات التي تخولهم لإظهار إرثهم التاريخي والتعريف به في الشمال السوري والمنطقة.
المجتمع الإيزيدي نحو إبراز نفسه من جديد بعد تهميش مجحف
إذا كان الكردي يعيش الاضطهاد والاستبداد القومي والإنكار في الهوية والثقافة الكردية في سورية؛ فإن الكردي الإيزيدي كان يعيشها ضعف الأخير، فإلى جانب ما ذكر كانت الديانة والمجتمع الإيزيدي يعاني من طمس للتاريخ وإلغاء للديانة واضطهاد للمجتمع أيضاً لينتشر بينها الهجرة الجماعية إلى الدول الأوروبية بسبب الانتهاكات بحقهم، فلا الديانة ولا المجتمع كان معترفاً بهم في سورية، على الرغم من أنها تمثل ثالث ديانة بعد الإسلام والمسيحية في سورية، حيث ينتشر المجتمع الإيزيدي في معظم مناطق الجزيرة وعفرين ونسبة قليلة هاجروا منذ عقود إلى حلب والعاصمة دمشق لأسباب اقتصادية.
مع بداية انطلاق ثورة 19 تموز كان إحياء وحماية المجتمع الإيزيدي من أولوياتها، لذلك شكلت اتحادات وجمعيات للإيزيديين في كل من إقليم الجزيرة وعفرين لتجمع إرادة المجتمع وتخرج بممثليها للإدارة الذاتية والمؤسسات الدينية والاجتماعية والدبلوماسية في الشمال السوري.
واعتبرت ديانة رسمية إلى جانب الإسلام والمسيحية في العقد الاجتماعي لفيدرالية الشمال السوري، وجعل أيام الأعياد الكبرى لديهم عطلة عامة في الأقاليم المتواجدة فيها إلى جانب دعم تعليم الديانة الإيزيدية وتقديم التسهيلات اللازمة لممارسة طقوسهم في روج آفا ورحلاتهم إلى لالش في منطقة دهوك بباشور كردستان.
توحيد الشعب ضد العدوان الخارجي دفاعاً عن الإرث الحضاري المشترك
وفي سياق إعادة مكتسبات الشعب وحمايتها فقد عقدت العشرات من الاجتماعات مع رؤساء ووجهاء العشائر الكردية بالمنطقة ليتمخض عنها انعقاد اجتماع ملتقى العشائر في منطقة عامودا في 21 من شباط 2013م بحضور ممثلي كل العشائر الكردية من مدينة سريه كانيه حتى ديرك والذي وصل عددهم إلى 30 عشيرة بهدف تمتين أواصر أخوة الشعوب واللحمة الوطنية في المنطقة، حيث لعب المجلس الذي تمخض عن الملتقى دورٌ كبيرٌ في حل نزاعات وخلافات عشائرية في إقليم الجزيرة وأخرى بين الأطراف السياسية بروج آفا، كما تواصلت مع العشائر العربية والتنظيمات السياسية والاجتماعية في المنطقة للتوحيد والدفاع عن الإرث الثقافي التاريخي المشترك لشعوب المنطقة.
كما تواصلت الإدارة الذاتية ومجلس سورية الديمقراطية مع العشائر العربية في إقليمي الجزيرة والفرات وفي الرقة ودير الزور كافة لتعقد عدة ندوات وملتقى عشائري كبير يضم ممثلين عن العشائر والشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية بهدف توحيد الشعب ضد العدوان الخارجي والدفاع عن مكتسبات شعوب المنطقة.
لتلعب هذه العشائر الدور الأبرز فيما بعد في عمليات تحرير مناطقهم من المرتزقة، لا سيما في دير الزور والرقة ومنبج، حيث ناشدت ودعمت قوات سورية الديمقراطية وبعدها حفزت الشعوب على تنظيم أنفسها ضمن المجالس لإظهار إرادتها في بناء مجتمعها مكتسبة التجربة من باقي مناطق الشمال السوري المحررة.