سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. الصدام بين السياسة وإنقاذ المناخ

في ظل تشبُّثِ الدولةِ القوميّةِ في الشرقِ الأوسط بمصالحها الضيقة، وتسخير أزمة البيئة إلى ورقة سياسيّة وابتزازيّة ضدَّ الفرقاء والخصوم، فإنَّ تقاريرَ دوليّة تحذّر يوميّاً من تداعياتِ أزمةِ الاحتباسِ الحراريّ على المنطقةِ خلال العقدين القادمين، سيما أنَّ المنطقة صُنّفت من قبل المنظمات المناخيّة التابعة للأمم المتحدة بوصفها البؤرة الأكثر سخونةً، لتغيّر المناخ العالميّ بالعالم.
تفاقم الفقر والتوتر
حسب الخبراء، تهددُ أزمة المناخ بتوجيه ضربةٍ مزدوجةٍ لمنطقة الشرق الأوسط من خلال إنضاب دخلها المتأتي من النفط، مع تحوّلِ العالم إلى مصادرِ الطاقة المتجددة، تماشياً مع ارتفاعِ الحرارة في هذا الصيف في سلطنة عُمان والإمارات العربيّة، والسعودية، والعراق، إلى درجات تجاوزت 50 ْ، ومن المُرجّح ارتفاعها أكثر من ذلك في العقود القادمة لتلامسّ 60 ْ.
وسط هذه التوقعات في منطقة ابتُليت منذ فترة طويلة بالحروب الأهليّة والنزوحِ الجماعيّ، كشفَ التقرير السنويّ لوكالةِ الاستخبارات الوطنيّة الأمريكيّة، الذي نُشر هذا العام بعنوان “التغيّر المناخيّ والاستجابة الدوليّة في ظلِّ التحدياتِ، التي ستواجه الولايات المتحدة الأمريكيّة خلال عام 2040″، مخاطر كبيرة على ” التأثيراتِ المناخيّة على البلدان أكثر هشاشةً وعرضة لعدم الاستقرار”.
 وأوضح التقرير، أنّ بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تعتمد على حوالي 60% من مصادرها المائيّة على موارد المياه السطحيّة عابرة للحدود، وتتقاسم جميع بلدانها طبقة واحدة على الأقل من المياه الجوفيّة، ستكون عرضة لنشوب صراعات مستدامة، خاصة إنّها تفتقر إلى اتفاقيات إدارة تعاونية للمساعدة في نزعِ فتيلِ التوتراتِ في الأحواضِ المشتركةِ، وفقاً للأمم المتحدة، كما أنَّ معظمَ الاتفاقيات الحالية، ليست مرنةً كفايةً لمعالجةِ اضطرابات أنماط الطقس، وانخفاض المياه الناجم عن تغيّر المناخِ.
وأرجع التقرير أن تراجعَ ​​الطاقة التقليدية، وضرب الأمن الغذائيّ والمائيّ في هذه البلدان، سيفضي إلى تفاقمِ الفقرِ والتوتراتِ القبليّة والعرقيّة بين الطوائف، وعدم الرضا عن الحكومات، وتالياً زعزعة الاستقرار الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، سيما أن خلافات المياه القائمة حالياً في كل من أفغانستان، وإيران، والعراق، وسوريا وتركيا، وغيرها، بمثابة مؤشرات لهذه المخاطر المروّعة.
فهذه البلدان التي تتعرض بشكل كبير لموجاتِ الجفافِ المتزايدةِ، والفيضاناتِ المفاجئة، والأمراض المرتبطةِ بالبيئةِ منذ سنوات، تحتل المرتبة الأدنى بالعالم؛ للحصول على التعليم والكهرباء، والصحة، والصرف الصحيّ، إضافة إلى أنَّ العديد من الدراسات، أكّدت بأنّها ستكون أقل قدرة للتخفيف والتكيف مع الطاقة البديلة، ومن المرجّح أن تشلَّ الاضطراباتُ لبعضِ القطاعات الاقتصاديّة، كالنفط والغاز والزراعة، بحيث تكون تقلبات الأسعار في السوق العالميّ مدمّرة للدورة الاقتصاديّة، وهو الأمر الذي سيؤثر حتماً على اقتصاديات الشرق الأوسط، التي تعتمد على الطاقة والنفط بالمقام الأول.
وتشير بعض الأرقام بأن البلدان الفقيرة بالعالم، ستعاني من خسارة متوسطة بالناتج المحليّ الإجماليّ بنسبة تبلغ نحو 20٪ بحلول عام 2050، فضلاً عن أن آثار الجفاف والاحتباس الحراريّ، ستزيد من” الهجرة عبر الحدود على الأرجح” لأنَّ تأثيرات المناخ تضع ضغوطاً إضافيّة على السكان المشردين داخلياً، الذين يعانون بالفعل في ظل الحكم الفاسد والصراع العنيف، والتدهور البيئيّ، كما في أفغانستان، وإيران، والعراق، وسوريا، ولبنان.
ومن المحتمل حسب التقرير أن تشمل العوامل المحفّزة؛ لزيادةِ الهجرة جراء الاحتباس الحراريّ والجفاف، لزيادة عدم الاستقرار عالمياً، عندما تصطدم الديناميكيات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والديموغرافية، ويؤدي إلى توتر العلاقات بين البلدان الأصلية والبلدان المستقبلة، ومن المرجّح أن تشكلَ حركة سكان الريف صوب المدن إلى مضاعفة عوامل عدم الاستقرار الاجتماعيّ، والسياسيّ، مثل البناء العشوائيات، ومعدلات البطالة المرتفعة، وتزايد الأحياء الفقيرة.
وخلص التقرير، إلى أن هذه الدول ستفتقر إلى الموارد الماليّة، أو القدرة على الإدارة؛ للتكيف مع آثار تغير المناخ، لتضطر إلى طلب العون من المساعدات الخارجيّة والإنسانيّة، لكن حتى لو سهلتِ الحكوماتُ الأجنبيّة والمؤسسات الدوليّة، والاستثماراتُ الخاصة بتقديم مساعدات ماليّة وخبرات فنيّة، وتقنيات التكيف مع المناخ للتخفيف من بعض هذه الصعوبات، كانعدامِ الأمنِ الغذائيّ والمائيّ، والفقر الحضريّ، فإن هذه الجهود ستصطدم بسوء الإدارةِ، وضعف البنية التحتيّة، والفساد المستشري، ونقصِ الوصولِ الماديّ.
تدهور الزراعة وندرة الكهرباء
ووفق تقرير نشره الموقع الأمريكيّ فورين أفيرز مؤخراً، فإنَّ قطاع الزراعة في الشرق الأوسط، يعدّ من بين أهم القطاعات المتضررة، جرّاء أزمة الجفاف والاحتباس الحراريّ، وسبب تأثر درجات الحرارة المرتفعة بالسنوات الماضية بخسائر فادحة بالإنتاج الزراعيّ، لأنّ استمراريّة الإجهاد الحراريّ؛ سيُؤثّر سلباً على نمو النباتات وإنتاجيّة الحيوانات، وبمرور الزمن، يُرجح أن يؤدّي الإجهاد الحراريّ لزيادةِ انتشارِ الأمراض فضلاً عن انخفاضِ إنتاج الألبان، ووفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ، يُتوقع انخفاض إنتاج المحاصيل في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 30٪ بحال ارتفاع درجة الحرارة 1.5ــ 2 درجة بحلول عام 2025، ما ينذر بحدوث نتائج كارثيّة بهذا القطاع.
وتعدّ الزراعة أكبر مستهلك للمياه في الشرق الأوسط، وتستهلك نحو 78ــ 87 ٪ من الموارد جميعها، وستؤدي درجات الحرارة المرتفعة؛ لزيادة الضغط على جداول الري من حيث التكرار والكميّة، ومن ناحية أخرى، سيتمّ القضاء على النشاط الزراعيّ والأعمال التجاريّة؛ كونها لا تسهم كثيراً في الاقتصادات الإقليميّة، سواء من حيث الناتج المحليّ الإجماليّ أو الصادرات، بما يتناسب مع حجم الموارد التي تستخدمها، وعلى ضوء ذلك، هنالك احتمال حدوث اضطرابات كبيرة تشلُّ سلسلة الإمدادات الغذائيّة.
على غرار قطاع الزراعة، فإنَّ قطاع السياحة في الشرق الأوسط، أيضاً سيفقد حصة كبيرة من السوق؛ بسبب التغيّر المناخيّ، ففي عام 2018، ساهمت السياحة بمبلغ 270 مليار دولار في الناتج المحليّ الإجمالي للمنطقة، أو حوالي 9 ٪ من الاقتصاد، غير أنّ الأرقام الأخيرة تحمل معها تحذيرات مروّعة، ففي الأردن مثلاً، بعدما كان البحر الميت يجذب نحو 1.5 مليون سائح سنويّاً، بات اليوم يستقبل فقط بضعة آلاف، نتيجة تقلص مياه البحر الميت بنسبة الثُلث تقريباً، أما مدينة الإسكندرية في مصر، فهي أيضاً تواجه الفيضانات، وانهيار المباني ناهيك عن خسائر بالأرواح؛ نتيجة لارتفاع مستوى سطح البحر.
كما عانت بعض البلدان الأكثر جفافاً في المنطقة من الفيضانات؛ نتيجة للعواصف الشديدة المفاجئة، فمثلاً تعرضت مدينة جدة في السعودية، لعواصف مفاجئة أودت بحياة 30 شخصاً في تشرين الثاني 2018، وفي الجزائر، أدّت فترات الجفاف الطويلة، إلى حرائق هائلة التهمت الغابات، وراح ضحيتها نحو 90 شخصا في آب، وهو الأمر ينطبق على حرائق الغابات والفيضانات في تركيا أيضاً.
التأثير على أنظمة الطاقة
 فقد لا تختلف نُظم الطاقة عن قطاعي السياحة والزراعة، من حيث قابلية تأثّرها بالتغيّر المناخي، فمثلاً، سيرتفع الطلب على الطاقة؛ لتبريد الجو نتيجة لدرجات الحرارة المرتفعة، في عام 2015، تشير التقديرات إلى أنَّ 80٪ من إجمالي الطاقة بالشرق الأوسط تستخدم أنظمة التبريد، وتواجه هذه البلدان تحديات في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وبخاصة خلال الصيف، الأمر الذي يتسبب بضغط على الشبكةِ الكهربائيّةِ، وبالتالي انقطاعات متكررة بالتيار الكهربائي، وقد يؤثر انقطاع التيار الكهربائي بشكل كبير على الأنشطة اليوميّة للسكان المحليين، وهو ما ظهر جلياً في لبنان، وسوريا، والعراق، مؤخراً.
ونظراً للتأثير السلبي لارتفاع درجات الحرارة، فإنَّ غالبية الدول في الشرق الأوسط، قدّمت الوعود أمام مؤتمر كوب 26 في غلاسكو، بتخفيضِ صافي انبعاثات الكربون الصفريّة، غير أنَّ هذه البلدان تفتقر إلى هذه اللحظة، إدراج أزمة المناخ في تخطيطها الاستراتيجيّ إلى جانبِ اقتصادٍ قادر على التكيّف، مع التغيّر المناخيّ. كما أنَّ مفهوم السياسة المناخيّة المتكاملة جديد نسبيّاً على بلدان الشرق الأوسط، والأهم من ذلك، تعيش هذه البلدان صراعاتٍ عسكريّةً، وتناحراتٍ سياسيّةً حادةً، بحيث من الصعوبة يمكن أن نشهد خطة مشتركة جادة تجمعُ هذه الفرقاء في ظل الوضع القائم، وما احتجاجات في إقليم خوزستان في إيران، وشمال وشرق سوريا، ضدّ كل من الحكومة الإيرانيّة، والتركيّة؛ لاستغلال أزمة المياه، إلاّ مؤشر على تفضيل المصالح القوميّة الضيّقة على تهديدِ الأمنِ الاجتماعيّ والبيئيّ معاً.
المركز الكرديّ للدراسات