سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الشاعر أبراهيم العلي: الشعر…ذات الشاعر المتجددة

تقرير/ خضر الجاسم –

لعل رقة الأحاسيس والمشاعر ما تجمع الشعراء، والشاعر إبراهيم علي واحد منهم، وها هو يبحث عن رفيق وأنيس، ولا يجده أبداً. وإنما يكابد في كل وقت، ما يعتريه من هواجس مشتعلة، وصبابات متتالية. بالكتمان الآسر؛ لعله يخفي غصاتها عن مُحياه. فمن يتمعن في تفاصيل وجهه عن كثب؛ يستقرأ في ملامحه وفي عينيه الدامعتين اختصاراً للحزن، وما أن تدنو منه؛ حتى يطالعك منه هدوءه من أول وهلة، تراه فيها. ومعاناه من الوحدة التي تلبسه:
كقطرات من الأمطار صارت
من الكتمان كالموج العنيفِ
وحيد أشتكي فقدي لأهلي
 فلا أحد يقاسمني رغيفي
 وبمجرد الحديث معه، ستعرف أنه يخفي الكثير من الأوجاع، فيترجمها على بياض صفحاته، فيفصح عن كنه خلجاته، حيث تختلط اللغة الشعرية في داخله؛ بين رقة المشاعر، وصلابة الفكر، ففي قصيدة من بحر عينيك، يقول فيها:
مزقت أحلامي البتراء في أسف
من ثم جئتك أشكو الهم والتعبا
ضاعت على عجل آمال أحملها
وقدّ حلمي حنين فيك قد عذبا
إذن هو اعتراف صريح من كونه؛ يصارع أوجاعاً كثيرة لا قِبل له فيها، فهو عانى من لحظات العشق المرير، فجعله، يتشكى آثاره؛ حتى ضاقت عليه نفسه؛ بما يحمل من عذابات قاسية وصعبة. فهو يتعامل مع لغة شعرية؛ ممزوجة بالألم الدامي؛ منذ صغره، فأمتلأ قلبه؛ من الرقة، وعقله؛ من الحنكة، فانكب على قراءة ما يقع في يده من دواوين شعرية؛ أمثال امرئ القيس، والمتنبي، وغيرهما من الشعراء القدامى، أما من الشعراء المعاصرين، فقرأ لعمر أبو ريشة، والغزيل.
الشعر …في طبيعته وفطرته
حسبُ إبراهيم علي عدم شبعه؛ من نهل الدراسات والأبحاث الخاصة بالشعر؛ لتجعل منه مدركاً لما يكتب، الأمر الذي قاده فيما بعد أن يتأخر في كتابة الشعر – في فترة صغره- خوفاً من الشطط، وزلة القلم. فلربما إن مؤهله العلمي؛ باختصاص الفيزياء، دفعه أن يتناقض مع شاعريته الزلال في ملامسة المنهج التجريبي، لتجتمع مرة أخرى مع تجاربه الإنسانية، لكن بطريقة مغايرة تماماً، لكنهما يختلفان في ذلك. فالشعر بنظره مادة عضوية بالمطلق، وليس له أشكال، وأطر مسبقة الصنع والتركيب. وإنما الشعر طبيعي بفطرته، لا بعمليات جراحية، وبيوت بلاستيكية؛ كي ينمو، ويستوي في الشكل والمعنى. حتى تتزامن لغته به، فحينها لا تحتاج اللغة الشعرية إلى معادلة رياضية أو تفاعل كيماوي محض؛ لاستقراء المعاني والمباني؛ لبنائها الهرمي المعروف. مع العلم إنه يقر؛ بتأخره بعض الشيء في تناول القريض؛ كعادة الشعراء الذين يبزغون منذ نعومة أظافرهم؛ شعراء بالأصل. فهو يتحدث عن أول تجربة له؛ لقصيدة موزونة على بحور الخليل، كانت في عام 2016 وكانت القصيدة آنذاك عن دمشق، وحملت العنوان ذاته، وقال فيها:
هذي دمشق كوثرٌ قد زانها
واختال يسقي أعذب الوديان
يا بنت عزٍ قد كسا جدرانها
مهد الملوك الغر بن سفيــان”
الشعر في النهاية هو ذات الشاعر
يجد إبراهيم علي نفسه بين أحضان الكلمات، يستلقي، ويرتمي بين ضفاف بحورها، وموسيقاها، ينهل من معين ماءها، فيحلق بنفسه؛ باحثاً عن ركنٍ؛ يجد نفسه فيه؛ من هذا العالم الشرير.
وهذا ما جعله يستوي عوده، وتنضج مليكته، فلا يعرف للشعر قيد، وليس هو ممن يقيده الشعر. فهو يعيشه في كل زمان ومكان. لكن الشعر الذي يقام للمناسبات، هو ذلك النوع الذي لا يرتضيه لنفسه، بل يراه نظماً فحسب، أكثر من كونه شعراً لشاعر، فيتكلف صاحبه به؛ حتى درجة أن ذلك التكلف، يقتل الشعر قتلاً سمجاً. في ذلك العالم الفج، يجد إبراهيم علي نفسه؛ قريباً من الشعر، أكثر من أي وقت مضى؛ للتعبير عن ذاته المبدعة؛ التائهة نحو بصيص أمل، تستقر إليه؛ من كد دورانها. وما إحساسه؛ تجاه المعاناة والمآسي – كما قلنا- إلا نتيجة طبيعية، ولدواع لزومية، صبغت ملامح شخصيته، وسلوكها مع نفسه والآخرين. فالشعر في النهاية، هي ذاته، فهو يلج المدرسة الرومانسية؛ حتى الصميم بيد أن محاولته بالخروج من هذا القمقم الشعري، تبوء بالفشل قليلاً، لأنه يختبئ خلفها طويلاً. إما القليل الذي -تحدثنا عنه- فيتركها للحداثة الشعرية هنيهة، وإن لم تكن بالقدر الكافي، من التعاطي الصرف مع هذا المصطلح بالشكل الحقيقي بعد. باعتبار إنه يفضل الشكل العمودي على سواه من أشكال الشعر الأخرى، فيرى به سيد الشعر، وأرقه جملاً بياناً وتبياناً. في المقابل لا يخفي حنقه من الشعر الحر الذي يتعاطى به بعض الشعراء المعاصرين، وذلك لخلوه من الموسيقا؛ مع العلم من عدم خلوه من التصاوير الجميلة، فالشعر في المحصلة موسيقا وتصوير، فمن قصيدة عتاب يقول:
“لأجلي عطري
كل الملابس وامسحي عنها
 قذى لحد العنق
لا تنسي، بأني كنت مجنوناً
وكنت ممسوساً
فسّمي واقرئي جهراً
برب الناس والفلق”
كما يرى إبراهيم علي إن الشعر في منبج، له حالة خاصة، ومنفردة، عن بقية المناطق. فهي لاتزال إلى الآن ولّادة للشعراء، على مرّ العصور، وعرفت بمدينة الشعراء. فمنها الدوقلة، والبحتري، وعمر أبو ريشة، أما في الزمن المعاصر، فهناك نخبة أيضاً من الشعراء المتمكنين أيضاً، ولا يسع المجال لذكرهم. فهو يرى أن هناك فورة شعرية محسوسة في الوسط الشعري الحالي، خاصة في قضايا ترتبط بقضايا وطنهم كما في قصيدة يا شام التي يقول فيها:
“لا تتركي
ليلي غريباً تائهاً
أنا لا أنام..
 فغفوتي آلام
كل اشتياقي
قبلة لا تنتهي
أحتاج حضناً دافئاً يا شام
الجدير ذكره أن إبراهيم علي من مواليد مدينة منبج عام 1989 يحمل إجازة جامعية في الفيزياء، شارك بعدد من الفعاليات الثقافية في منبج. كان أخرهما أمسيتين شعرتين؛ الأولى بعنوان أصبوحة شعرية، والثانية بعنوان استذكار الشاعر العلامة محمد منلا غزيل. وهو بصدد الانتهاء من تأليف رواية أدبية.