سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الزواج حريةٌ شخصية

أفين يوسف –
تبنت المجتمعات الشرق أوسطية عموماً ومجتمع روج آفا وشمال سورية بخاصة بعض الأفكار الرجعية بما يتعلق بمسائل الزواج، وقبل أن أتطرق للفكرة الرئيسة التي أود طرحها سأعطي تعريفاً لمفهوم الزواج، ما هو ولم الزواج؟.
الزواج لغويّاً يعني اقتران شيءٍ بآخر وارتباطه به بعد أن كان لكلّ واحدٍ منهما استقلاليته، إلا أنّ مصطلح الزواج بات يُستخدم حَصريّاً للدلالة على زواج رجلٍ من امرأةٍ على سبيل دوام واستمرار الحياة وبهدف تكوين أسرة. وأيضاً الحالة الغريزية الفوضوية لممارسة الشهوات الجنسية والتي باتت حالة اجتماعية لا أخلاقية في العصور الغابرة دعت إلى تبني فكرة الزواج وشرعنته وفق قوانين ومعايير أخلاقية، وتم تأكيد ذلك في الأديان والمعتقدات ومعظم المجتمعات على حدٍ سواء.
الفكرة التي أود طرحها هي فكرة تأخير الزواج عند بعض الفتيات وفكرة زواج بعضهن الآخر في سنٍ مبكرة، فنحن اليوم بصدد مسألتين، الأولى هي الزواج المبكر للفتيات، والتي باتت قضية توجَّب وضع قوانين صارمة لحلها، فبعض الأهالي يرون أن زواج الفتاة هو سترة لها، وكلما تزوجت الفتاة بسنٍ صغيرة كان لها الحظ الأوفر في الحياة، بخاصةٍ خلال الأزمة السورية التي أثرت سلباً على معظم مفاهيم المجتمع، ونشوء حالة الخوف لدى البعض بسبب همجية المرتزقة الذين يتوالون بالهجوم على أراضينا، فقد تولد لدى المجتمع والأهل بشكل خاص خوفٌ من تعرُّض بناتهن للاغتصاب أو الاختطاف أو السبي كما حدث في شنكال ويحدث الآن في عفرين وبعض المدن السورية الأخرى، وطبعاً هذا مفهوم خاطئ تماماً، لأنه لا يمكننا التكهن بما سيحدث مستقبلاً، والمشكلة الأكبر في هذا الزواج هو تقبل الفتاة نفسها لهذا المفهوم، وهذا أيضاً له عدة أسباب منها: عدم فهم الفتاة للمرحلة الانتقالية التي ستفرض عليها والتغيير الذي سيطرأ على حياتها، كونها مازالت طفلةً زُرع في مخيلتها بعض الأوهام والأحلام الوردية التي تتصور بأنها ستحققها بعد الزواج، فيغرها المهر والذهب والهدايا البراقة والكلام المعسول من الأهل، فتوافق على بلوغ هذه المرحلة بإرادتها وتتحدى أحياناً المجتمع لتنال ما تريد.
الحالة الثانية هي تأخر الزواج لدى الفتيات، وهذه الحالة باتت سائدةً وبكثرة في مجتمعنا وطبعاً لها أسبابٌ عدة، ويمكننا إيضاح البعض من تلك الأسباب بشكل موجز، فالمرحلة التي يعيشها مجتمعنا هي مرحلة انتقالية من مجتمعٍ لا يعترف بوجود المرأة أو حقوقها، إلى مجتمعٍ باتت فيه المرأة الجزء الأهم ومن خلال حريتها يتحرر، وهنا يمكننا التكهن ببعض الأسباب التي تؤخر زواج الفتاة، وهذا الأمر مازال غير مقبولٍ في المجتمع الذي تسيطر عليه تلك الذهنية التي سبق ذكرناه أعلاه، وينسب الكثير من الناس تأخر زواج الفتاة إلى الوضع الراهن في البلاد وانخراط الشباب في الحركة الثورية أو هجرة البعض الآخر، إلا أن ذلك مغالطٌ تماماً للواقع، فالفتاة اليوم فُتحت أمامها أبواب الحرية التي تخولها لتكمل تعليمها الجامعي أو تزيد فرص انخراطها في مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبات لها دورٌ فعالٌ في هذا المجتمع، لذلك وصلت العديد من الفتيات لقناعة مفادها أنَّ حريتهن هي في اختيار نمط حياتهن بالشكل الذي يرينه مناسباً، والذي يرين فيه أنفسهن وحقيقتهن، لا في تكوين الأسرة وإنجاب الأطفال فقط، وهنا لا أروج لامتناع الفتيات عن الزواج، إذ أنه ركنٌ أساسي لاستمرار البشرية ولا غنى عنه، إلا أن نعت الفتاة المتأخرة عن الزواج بالعانس ليس أمراً أخلاقياً ويجب الابتعاد عن ذلك المصطلح القبيح، فالحياة الزوجية هي حياةٌ تشاركية تبنى على أساس قبول كل طرفٍ للآخر، وعلى أساس الحب والتفاهم والتسامح، ويجب أن يكون للطرفين حرية اختيار نمط الحياة التي يريدانها.