سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الرقة بعد التحرير… نموذج ديمقراطي حرّ

  تحقيق/ فيروشاه أحمد –

مدينة وادعة هادئة على ضفاف شرقي الفرات، تعددت الآراء في تسمياتها وتاريخها القديم، البعض أكد بأنها أنشئت عام 244 قبل الميلاد وسميت بـ (كالينيكوس) نسبة إلى سلوقس الأول (مؤسس المدينة) وباتت حاضرة مدنية وتجارية واقتصادية وعسكرية، وفي عام 639 ميلادي دخلت في حظيرة المدن الهامة في الإسلام وقد دمرها هولاكو عام 1258 ميلادي، في قراءات أخرى تعود الرقة إلى مملكة (توتول) في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، بينما يعود تاريخها الحقيقي إلى الألف التاسع قبل الميلاد، فالرقة أو “الصخرة المسطحة” سكنها الآراميون وأسسوا فيها ممالك عدة، ثم أتبعهم الآشوريون.
من حيث الموقع؛ تتميز بموقع استراتيجي في وادي الفرات كله، كونها تمثل مفترق طرق لكل الجهات، ففي الشمال تركيا ومن الجنوب الشام ومن الشرق العراق ومن الغرب حلب 160كم2، تبلغ مساحتها “19600كم2” يسكنها قرابة مليون نسمة، إلى جانب هذا الموقع فهي تتميز بمناخ متوسطي شبه جاف وبصيف طويل، ذو هواء ساخن قليل الرطوبة، بينما شتاؤها يتميز ببرودة وهطول مطري جيد، في حين يبقى الربيع معتدلاً بأمطاره المتقطعة، والرقة لا تقل عن باقي مدن الجزيرة السورية بآثارها وأوابدها التاريخية، ففيها قلعة جعبر الشهيرة وقصر هرقلة وباب بغداد ومدينة الرصافة.
أهمية الرقة

مثلها مثل بقية المدن السورية دخلت الرقة الأزمة من بابها الكبير، كونها عاشت مراحل صعبة جداً، وعاش أهلها تغريبة فظيعة خلال هذه المراحل والتي بدأت مع آذار 2013 حين دخلها ما يسمى بالجيش الحر. لكن؛ ونتيجة الصراع عليها كونها تتمتع بموقع استراتيجي وبنية اقتصادية قوية دخلها مرتزقة داعش نهاية عام 2014 وعاثوا فيها ظلما وفساداً، وجعلوها عاصمة للدولة الإسلامية المزعومة.
في السياق ذاته؛ لم يَهنئ ويستقر داعش في السيطرة الكاملة على شمال سوريا أمام وحدات حماية الشعب والمرأة التي تمكنت من طرده من عموم المنطقة وبخاصة حين حررت بلدتي كري سبي (تل أبيض) وعين عيسى في حزيران 2015م، وتتالت الانتصارات في شمال سوريا عندما بدأت حملة قوات سوريا الديمقراطية في منتصف تشرين الثاني من عام 2016، وكان الانتصار الكبير على قوى الظلام ودحرها وطردها كاملة من الرقة وتحريرها في تشرين الأول 2017.
أسباب اختيار الرقة عاصمة للخلافة المزعومة

بعد اندلاع الثورة السورية في 2011 هاجر إلى الرقة عدد كبير من السوريين هرباً من أتون الحرب، وباتت بين ليلة وضحاها معقلاً كبيراً للمعارضة ومن خلالهم تسلل داعش، في البدء أصبحت في متناول ما يسمى بالجيش الحر وجبهة النصرة، ونتيجة للخلافات والتحالفات ساند أنصار البغدادي حليفه الجولاني، ثم ما لبث أن امتلأت المدينة بعناصر داعش المتطرفين.
لم يمضِ وقت طويلاً من سيطرتهم الكاملة على المدينة عام 2014 واختاروها عاصمة لهم كونها قريبة من الحدود العراقية والتركية، وتربط المدينة بعشائر العراق علاقات قوية، بالإضافة إلى الدعم المادي اللامحدود لأن الرقة مدينة غنية بمواردها (النفط) بذات السياق كانت الموصل بيد داعش، والأمر الأهم طبيعة المنطقة الصحراوية التي كانت تسمح لهم بالتنقل السريع والمريح بين سوريا والعراق ودون مقاومة من أحد.
خلال سنواتهم الثلاث التي سيطروا فيها بالكامل على الرقة اجتمعت فيها عناصر متطرفة من أغلب دول العالم، في هذا الوقت تحولت الرقة إلى معتقل لأبنائها، وتأتي أهمية تحريرها إلى شل حركة مرتزقة داعش في المنطقة الواسعة والتقليل من نشرهم وممارستهم الإرهاب والقتل للأبرياء والمدنيين، ولا سيما إن داعش وخلال سيطرته على المدينة حاول التأثير على عقول الأهالي وبث الكراهية والحقد بين المكونات والقبائل، بل وبين أفراد العائلة الواحدة، وشجع ثقافة القتل والانتقام، وليس محالاً أن نجد بعض الأهالي قد تأثروا بثقافة داعش نسبياً، وليس بعيداً ألا تحظى هذه المدينة بحل أمثل واستقراراً نتيجة التباين الحاصل والانقلابات الفكرية والأيديولوجية وتباين الانتماءات، وبات الحل الأمثل بعودة الرقة لحالتها الطبيعية أن يديرها أهلها من خلال لجان وهيئات مدنية تتناسب وثقافة الرقة المتنوعة.
مساهمة الدول الإقليمية والدولية بتفاقم الأزمة السورية

خلال أقل من سنة تمكن داعش من السيطرة على الموصل والرقة وأكبر حقول النفط، وباتت تستخدم الدين لتحقيق اطماعها ومشاريعها السياسية والاقتصادية في المنطقة. وقامت دولة الاحتلال التركي بإمداد داعش بالسلاح والعتاد وتدريب عناصرهم في أراضيها وإدخالهم إلى سوريا؛ لضرب المشروع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا وإخفاق ثورة شعوبها في الحرية والديمقراطية وكذلك سهولة التدخل في الشأن السوري واحتلالها واقتطاع الأراضي السورية، وكذلك الأمر بعض الدول العالمية للدخول إلى الشرق الأوسط والسيطرة على مكامن الطاقة وتحقيق مصالحهم فيها، والصراع حول من يظفر في النهاية بالحصص.
وباتت شعوب المنطقة ومنهم الشعب الكردي ضحية تلك السياسات والمؤامرات، فخلال كل ثورة أو انتفاضة للكرد من أجل حقوقهم المشروعة كان الغرب أكثر عداوة من الأنظمة الغاصبة لكردستان، وفي المجال السياسي كانت تلك القوى تتربص بتحركات الكرد خلال كل المؤتمرات واللقاءات بخصوص الاعتراف سياسياً بالكرد، وكانوا هم من يحبطون تلك المحاولات مقابل مصالحهم وتجلى ذلك في معاهدتي لوزان، وسيفر.
لم يكتفِ الغرب بهذه السياسة العدائية تجاه الكرد، بل ساهموا بتجزئة كردستان إلى أربعة أجزاء في 1916 (سايكس ـ بيكو) وما زال الكرد رغم تضحياتهم وإخلاصهم للحكومات الإقليمية يتعرضون لأبشع أشكال الإبادة الجسدية والثقافية، ومشهد روج آفا وشمال سوريا اليوم حقيقة صارخة في واقع سوريا والمنطقة وتحديداً بعد الأزمة السورية 2011 وحتى الآن، واستطاعت قوات سوريا الديمقراطية وبمساندة عشائر المنطقة وبدعم من التحالف الدولي بدحر داعش في الرقة وعموم مناطق شرق الفرات وعزلتهم من خطوط الإمداد التركي.
بسالة قسد كانت جاذبة للتحالف الدولي

في الحروب التقليدية لا بد من منتصر وخاسر، ومن ثم العودة إلى الركون والمفاوضات وإحلال الأمن والسلام بين الطرفين، فقط في الحروب ضد داعش (الإرهاب) لا قوانين في البدايات ولا مفاوضات في النهايات، بل هي حرب مستمرة ومتجددة ولكن بأشكال وأسماء مختلفة.
رغم كل التقنيات من قبل الدول العظمى في محاربة داعش في الرقة والموصل وغيرهما، وبات دحره قاب قوسين أو أدنى في أغلب المدن إلا أن الحرب لم تنته بعد؟ ولم يبدأ العد التنازلي لنهاية داعش؟
حين تهيأت قوات سوريا الديمقراطية وبالتنسيق مع التحالف الدولي في البدء بحملة تحرير الرقة؛ سارعت تركيا بالتقرب والتودد لواشنطن كي تشارك في حملة غضب الفرات، حين أكد أردوغان: “مستعدون للتعاون مع أمريكا لتحرير الرقة” أمريكا أدركت تماماً بأن تركيا تعارض صيغة التحالف مع قسد. لهذا؛ أبعدتها عن المشاركة، وفي تصريح للأسد قال: “دمشق مستعدة للتعاون مع الغرب لتحرير الرقة”، ودمشق لم تكن في يوم ما على وفاق مع واشنطن فكيف بتعاون عسكري يجمعهما وقد وضعت أمريكا شرق الفرات منطقة نفوذ لها وهي تبني قواعد عسكرية وقوات مقاتلة ومستشارين، لكن لماذا تحالفت أمريكا مع الكرد في تحرير الرقة.
في البدء أكد قائد القيادة المركزية الوسطى الجنرال جوزيف فوتيل بأن من الأهمية دعم قوات سوريا الديمقراطية؛ كونهم أكثر حيوية لهزيمة داعش” وشعوب الشمال السوري وبريادة الشعب الكردي؛ من جانبهم حافظوا على تنظيم وتدريب قواتهم لحماية مناطقهم وتحرير الشمال السوري من المرتزقة، وشكل أبناء الرقة مجلسهم العسكري (مجلس الرقة العسكري) ومجلسهم المدني المؤلف من 140 عضواً.
وسارعت أمريكا إلى التحالف مع قوات سوريا الديمقراطية؛ كونها القوى الوحيدة التي تصدت لداعش وحررت العديد من المناطق منهم، فهم الأقوياء والشجعان وذو خبرة كمقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة، متخذين فلسفة الأمة الديمقراطية نهجاً لهم. لهذا؛ تحالفت أمريكا معهم ولا يمكن أن تستميلهم العراق وتركيا، من ناحية أخرى، أمريكا وحدها تدرك من هم هذه القوة من خلال قتالهم في كوباني 2014 وبقية شمال سوريا.
ولا يخفى بسالة المقاتلات الكرديات من وحدات حماية المرأة، فهن محترفات وشديدات البأس، ويشكلن مع وحدات حماية الشعب نواة قوات سوريا الديمقراطية، لكل هذا عملت أمريكا على استبعاد تركيا من المشاركة في تحرير الرقة.
أبناء الرقة… نسيج اجتماعي بإدارتهم

بعد تحرير الرقة من داعش قالت قوات سوريا الديمقراطية: “إن مدينة الرقة جزء من سوريا الاتحادية اللامركزية” وأبدت استعدادها كقوة وطنية بحماية المنطقة من جميع التهديدات الخارجية، في الوقت ذاته؛ أكدت بأن مستقبل المدينة سيحدده شعبها في إطار سوريا الديمقراطية الفيدرالية.
بات أبناء الرقة ذي الغالبية العربية بإدارة مناطقهم من خلال بناء مؤسساتهم المدنية والعسكرية، وإعادة إعمار المدينة، وحماية المدينة من خلال قوى الأمن الداخلي، ويتألف مجلس الرقة المدني من وجهاء العشائر والشخصيات السياسية والثقافية والمهنية والكفاءات، ويضم أربع عشرة لجنة لتسيير شؤون المنطقة، وهذا المجلس وبكل المعايير يقوم بإدارة المدينة، ويتبعه مجالس أخرى مثل مجلس الطبقة وينبثق منه لجان فرعية للإعمار والبلديات والشبيبة.
لم يكن الكرد ومنذ بداية الأزمة في سوريا دعاة انفصال وتمزيق لجسد سوريا وشعبها، بل هم دعاة الوحدة، وحدة الأرض والتراب والشعوب السورية، ودائماً كانوا وما زالوا يعملون وفق شعار أخوة الشعوب وبناء سوريا ديمقراطية من خلال دستور يقوم الكل بصياغته وتطبيقه.

  المراجع:
ـ الرقة حاضر وتاريخ …………….. علي العائد.
ـ لماذا اختار داعش الرقة عاصمة……..سارة حسين.
ـ معركة الموصل والرقة وانعكاساتها على مستقبل العراق وسوريا… د. ماجد أنور عشقي.
ـ أي مستقبل لـ (داعش) بعد الموصل والرقة …..أمين قمورية.
ـ التحالف الجديد لتدمير ” داعش” ………ديفيد أغناسيوس