سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الدول الراعية لخفض التصعيد تعاني من التصعيد فيما بينها

نوري سعيد –
يبدو أن زمن تشابك أيادي بوتين وروحاني وأردوغان أمام وسائل الإعلام قد ولّى إذ بموجب اتفاق روسيّ أمريكيّ خرجت إيران من جنوب سوريا لأنّ إسرائيل أصرّت على عدم قبول أيّ وجودٍ ايرانيّ على حدودها مع سوريا ولو حتى على بعد 100 كم كما أعلنت ايران انسحابها من المشاركة في معركة إدلب التي يتمّ الإعداد لها هذه الأيام وكان الرئيس بوتين قد صرّح سابقاً ضرورة خروج القوات الأجنبيّة كافة من سوريا بما فيها إيران لأنّه اعتبرها منافسة لروسيا، لهذا نشاهد الدور الإيراني بات يضعف، ليس هذا فقط بل عمَّت الاحتجاجات المدن الايرانية تنديداً بالوضع المعيشي المتردِّي للمواطنين وطالبت السلطات بسحب القوات الإيرانية من سوريا، وأيضاً احتجاجات الجنوب العراقي التي رفضت الهيمنة الإيرانيّة وتدخُّلها في الشأن العراقي كل ذلك يدلُّ على وجود نية دولية وبموافقة من روسيا على تحجيم دور إيران لأنَّها تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة. كما أنّ معركة إدلب توحي بأنّ تركيا أردوغان لن تسمح بدخول قوات النظام وحليفه الروسيّ إلى المدينة ولهذا تمَّت المبادرة لتشكيل فصيل جديد تحت مسمى «الجبهة الوطنيّة للتحرير»، من خلال اندماج عدّة فصائل مؤخراً كما جرى ذلك في الجنوب السوري من 11 فصيلاً على أنّها تمثل ما يسمّى الجيش الحر، بالإضافة لهيئة تحرير الشام وأحرار الشام من فصائل والجيش التركستانيّ وسلطان مراد والزنكيّ وعبدالحميد التابعين لتركيا في إدلب الأمر الذي سوف يؤدي لنشوب نزاع بين تركيا وروسيا ومن هنا يمكننا القول: إنَّ الدول الراعية لخفض التصعيد في سوريا بدأت تعاني من التصعيد فيما بينها! حيث أبلغ أردوغان الرئيس بوتين أنّ الهجوم على إدلب سينهي الاتفاقات التي تمَّ التوصل إليها في أستانه، بمعنى أنّ المواجهة باتت وشيكة بين الروس وتركيا ، وقد يصبح حليف الأمس عدوَّ الغد، وذلك شأن السياسة فلا ثوابت فيها، ومن جهة أخرى لأنّ التحالف بين البلدين في الأساس كان آنياً وتكتيكيّاً ولم يكن استراتيجيّاً، لأنّ بوتين لم يثق يوماً بأردوغان وكان يقظاً لألاعيبه الخبيثة وتركيا لم تكن صادقة في تعاملها مع الروس والعداء بين البلدين له جذورٌ تاريخيّة، كما أنّ تركيا العضو في حلف الناتو الذي تقوده واشنطن وقد لعبت أنقرة دور رأس حربة الغرب ضد الاتحاد السوفيتيّ خلال الحرب الباردة بين الطرفين، وكانت قاعدة إنجرليك عصا أمريكا الغليظة في المنطقة تهدّد من تشاء من خلالها.
معركةُ إدلب كما يتوقع كلُّ المحلِّلين ستحملُ مفاجآتٍ عديدة لأنّ تركيا سوف تحاول خلط الأوراق في المنطقة من جديد وهي قنبلة موقوتة وانفجارها قد يُهدِّد بإعادة الأزمة السوريّة إلى المربع الأول، لأنّ التجمع الكبير للفصائل الإرهابيّة المسلحة ينذر بكارثة قد تستمر وقتاً طويلاً ومن المحتمل أن تثير تركيا الورقة السنيّة الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور اصطفافات جديدة وعليه فمن الممكن القول: إنّ الأزمة السوريّة مُختَزلة بكلِّ أبعادها في إدلب، لأنّ الحلول كافة كانت تتم بخروج المقاتلين والنازحين إلى إدلب، وقد تنتج المعركة ملامح ما هو مخطط لسوريا المستقبل.
معركة إدلب تتصل بالحضور التركيّ في المشهد السوريّ، والتي طالما حرصت على البقاء، وعلى هذا الأساس احتلت مناطق من شمال سوريا (جرابلس والباب)، لتقطع تواصل كوباني وعفرين، بالسيطرة على مناطق من غرب الفرات وليتسنّى لها الوصول مجدداً إلى حلب، وتأكيداً على حضورها قامت بعدوان همجيّ على عفرين ومعها مرتزقة من كلّ الفصائل. وتحاول عبر استغلال ولاء فصائل الإرهابيين لها السيطرة على إدلب وضمّها إلى المناطق الأخرى التي احتلتها ولكن ليس من المتوقع أن تسير الأمور سيرها المعتاد، إذ قد تكون معركة إدلب من خلال الدعم الروسيّ والقبول الأمريكيّ بداية النهاية للتدخل التركيّ في سوريا، ومنطلق تحرير عفرين من الاحتلال التركيّ، ونظراً لوحدة العدو ووحدة الجغرافيا بين عفرين وإدلب ولاعتبارات وطنيّة سيكون لقوات سوريا الديمقراطيّة دورٌ في قادم الأيام، ولن تدعم الإرهاب.
انحسار الاحتلال والإرهاب سيكون أيضاً دافعاً للأطراف كافة لتفعيل جنيف التي يُفترض أنْ تكون المظلَّة الأمميّة الوحيدة القادرة على إعادة الأمور في سوريا إلى نصابها الصحيح من خلال جلوس أصحاب القضية السوريّة الحقيقيين مع النظام وجهاً لوجه بعد أن فشل الائتلاف في تمثيل الشعب السوريّ لعدم امتلاكه القوة الفاعلة في الميدان والخلافات والانقسامات في بنيته، أما قوات سوريا الديمقراطيّة والقوى الوطنية الأخرى وبالأخص معارضة الداخل فلقد أثبتت جدارتها في محاربة الإرهاب والحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السوريّة ولن تقبل بغير بناء سوريا ديمقراطيّة لا مركزيّة تعدُّديّة تتمتَّع فيها الأطراف والمكوّنات كافة بقوتها المشروعة وبموجب عقد اجتماعيّ جديد تتفق عليه كلُّ الأطراف يدعو إلى انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دوليّ وتفعيل مؤسسات الدولة لتقوم بواجباتها على أكمل وجه بروح وطنية عالية وأن يتجاوز السوريين كلّ الأزمة على أساس الهوية الوطنيّة السوريّة التي تجمعهم والانطلاق بحلِّ كل نتائج الأزمة وتأمين عودة المهاجرين واللاجئين ليمضي السوريون في مسيرة إعادة بناء بلدهم من جديد وأن يكون شعارُنا «عفى الله عما مضى» وأن تكون الأزمة من حكايا الماضي في حين يمضي السوريون إلى بناء مستقبلهم.