سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الدفاعُ الذاتيُّ في الديمقراطيات

عبد الله أوجلان –

كيفما أنه لا وجود لكيانٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، كذا فالمجتمعاتُ الديمقراطية التي تُعتَبَرُ الكيانَ الأرقى في الطبيعة، لن تتحققَ ولن تستمرَّ بوجودِها من دونِ دفاعٍ ذاتيّ. لذا، يجب تلبية متطلباتِ مبدأِ الدفاعِ الذاتيِّ بالتأكيد، في الحلولِ القوميةِ الديمقراطية.
هذه المواقفُ المبدئية، التي ينبغي تطويرها أكثر، تُؤَمِّنُ تعرُّفَنا على حلٍّ الأمةِ الديمقراطيةِ عن كثب. هذه المبادئُ التي يَضَعُها الاتحادُ الأوروبيُّ أيضاً في جدولِ أعمالِه دوماً بنحوٍ طبيعيٍّ وتدريجيّ، هي حقاً بمثابةِ العلاجِ الشافي، سواءً بالنسبةِ للقضايا الاجتماعيةِ في الشرقِ الأوسطِ عموماً، أم من أجلِ القضيةِ الاجتماعيةِ الكرديةِ بالأكثر. والحلُّ الديمقراطيُّ، الذي سيُصاغُ ويُطَبَّقُ في كردستان على أرضيةِ هذه المبادئِ وعلى مسارِ تعريفِ الحياةِ القوميةِ الديمقراطية، يتيمزُ بأهميةٍ تاريخية.
ولوجُ تركيا سياقَ الدمقرطة، والحلُّ الديمقراطيُّ في القضيةِ الكردية، هما بمثابةِ وجهَي الميدالية. حيث لا وجهَ من دونِ الآخر. سيَكونُ الأمرُ منيراً أكثر، فيما لو حاوَلنا إسقاطَ أبعادِ الحلِّ على تركيا بنحوٍ عينيٍّ أكثر. قبل كلِّ شيء، لا يمكن غضّ النظرِ عن الموقفِ المبدئيِّ المذكورِ والمُكَرَّرِ أعلاه باقتضاب. ذلك أنّ الحلولَ المجردةَ من المبدأِ والنظام، لن تَكُونَ مفهومة، ولن تُسفِرَ عن نتيجةٍ أبعد من كونِها مُداواةً بالتضميدِ اليوميِّ المؤقت. إنّ الحلَّ الذي يُعتَقَدُ به، هو حلٌّ محتمَلٌ يُدافَعُ عن تطبيقِه وعيشِه على مدارِ هذا السياقِ البنيويِّ برمته، سواءً تبعثَرَ النظامُ الرأسماليُّ الغربيُّ المهيمنُ أم استمر.
الخاصيةُ الأولى: إذاً؛ يتمُّ هنا اقتراحُ حلٍّ يَدومُ طيلةَ سياقِ المدنيةِ الغربية، بل وقابلٍ لتجاوُزِها.
الخاصيةُ الثانية: إنه يَعترفُ بوجودِ المجتمعِ القوميِّ الديمقراطيّ، وبالتالي بشرعيتِه وقدرتِه على الحلّ؛ أياً كانت الكياناتُ البُنيويةُ والمؤسساتيةُ لعناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ جمهوريةِ تركيا، وأياً كانت الاحتكاريةُ الأيديولوجيةُ الكائنةُ فيما بينها. عناصرُ الحلِّ الديمقراطيِّ المطروحِ هنا، لا تَقترحُ القضاءَ بالثورةِ على عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية (الدولتية القومية، الرأسمالية، والصناعوية)، ولا تَقبَلُ أيضاً بالإبادةِ والصهرِ على يدِ سياسةِ القوةِ العسكريةِ التي تَتَّبِعُها تلك العناصر. هذان الكيانان والوجودان الأوليان، اللذان يعترفان بشرعيةِ بعضِهما بعضاً، يَقتَرحان ويعمَلان أساساً بالحياةِ المشتركة والتنافُسِ الخالي من النزاعِ والتصادم.
الخاصيةُ الثالثة: إنه يَطرحُ تأسيساً على الخاصيتَين السابقتَين فكرةَ استحالةِ الاستغناءِ عن مؤسسةِ السياسةِ الديمقراطية. ذلك أنّ السياسةَ الديمقراطيةَ تُشَكِّلُ أرضيةَ الحلِّ لكافةِ القضايا التي ستَظهرُ للوسط، أو تلك الموجودة أصلاً. هذا وتُدرَجُ المفاوَضاتُ والدبلوماسياتُ الديمقراطيةُ أيضاً في لائحةِ السياسةِ الديمقراطية، التي يَقتضي تفعيلُها وتنشيطُها إزالةَ كلِّ العراقيلِ الموجودة. فحضورُ حريةِ الفكرِ الشاملة، والأحزابِ والنقاباتِ والتعاونياتِ ذاتِ البنيةِ الديمقراطيةِ وشتى أشكالِ المجتمعِ المدنيّ؛ أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بتذليلِ العراقيلِ المنتصبة. أما تخفيضُ مستوى حاجزِ العشرة في المائة 10% في نظامِ الانتخاباتِ بنسبةٍ كبيرة، أو إزالتُه كلياً؛ فهو بمنزلةِ الضرورةِ التي لا غنى عنها.
الخاصيةُ الرابعة: ينبغي تطوير الأنظمةِ التي تُلبي ضروراتِ حقِّ الدفاعِ الذاتيِّ بشأنِ كِلا الوجودَين والكيانَين. في الحقيقة، كنا قد حاولنا صياغةَ تعريفٍ شاملٍ أكثر لجميعِ هذه الخاصياتِ في فصلِ «بعض المصطلحات والنظريات والمبادئ» من خريطة الطريق أو تقريرِنا هذا. موضوعُ الحديثِ هنا هو مجردُ عرضِ إمكانياتِ إحياءِ ذلك في الواقعِ العمليِّ على شكلِ نموذج.