سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الدبلوماسيّة

محمد داوود داوود –
تعتبر الدبلوماسيّة أداة رئيسة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجيّة للتأثير في الدول والجماعات الخارجيّة، بهدف استمالتها وكسب تأييدها بوسائل شتّى، منها ما هو إقناعيّ وأخلاقيّ ومنها ما هو ترهيبي «مبطن/» وغير أخلاقيّ.
بالإضافة إلى توصيل المعلومات للحكومات والتفاوض معها تعنى الدبلوماسيّة بتعزيز رعاياها في الخارج وتمثيل الحكومات في المناسبات والأحداث، إضافة إلى جمع المعلومات عن أحوال الدول والجماعات الخارجيّة وتقييم مواقف الحكومات إزاء القضايا الراهنة أو ردات الفعل المحتملة إزاء السياسات أو المواقف المستقبلية.
تعود جذور الدبلوماسيّة إلى التاريخ البشريّ القديم حين نشأت استجابة لضرورة تنظيم العلاقات بين القبائل والشعوب ــ كالمصريين والسوريين والبابليين والآشوريين حيث مارس المبعوث دوراً سياسيّاً يعتبر في طليعة الأدوار السياسية الواضحة في المجتمعات الإنسانيّة، أما مهمة المبعوث فكانت إقامة التفاهم حول قضايا مختلف عليها كتقسيم المياه، أو تحديد مناطق الصيد لكل الأطراف، أو إقامة التحالف ضد طرف ثالث أو إعلان الحرب أو إبرام الصلح وتبادل الأسرى أو الوصول إلى الاتفاقيات التجاريّة. وقد حاول اليونان والرومان تنظيم هذه المهام بواسطة مبعوثين.
أما بالنسبة للعرب في الجاهليّة فكانت القبائل ترسل الوفود للتهاني والتعازي والتشاور والتفاوض والتحالف وقد عرفوا وظيفة سفارة وعُرف عن بني عدي من بطون قريش توليهم السفارة قبل الإسلام.
ويُعتبر مؤرخو الدبلوماسيّة أن المرحلة الثانية من مراحل الدبلوماسية نشأت مع إقدام جمهورية البندقية على إيفاد دبلوماسيين مقيمين، وذلك إبان ازدهار تجارتها ونمو سلطانها البحريّ والحربيّ إلى القسطنطينية وروما، والدول الإيطاليّة الرئيسة، حيث عمدت إلى نشر الفتن وحبك المؤامرات بواسطة مبعوثها الدبلوماسيين واستمر هذا المفهوم التآمريّ للدبلوماسية فترة من الزمن حتى أن بريطانية حظرت على أعضاء البرلمان عام 1623 التحدّث إلى أيّ دبلوماسيّ أجنبي، وقد أرست معاهدة وستفاليا الموقّعة عام 1648م قواعد الدبلوماسيّة الدائمة والمقيمة.
أما المرحلة الثالثة من تطوّر الدبلوماسية فتبّشر بانعقاد مؤتمر فينيا عام 1815م
ــ سقوط نابليون الأول- والتي امتدت حتى اندلاع الحرب العالميّة الأولى عام 1914م وتميّزت بتأثرها بكتابات أساطين القانون الدوليّ، فاكتسبت العلاقات الدبلوماسيّة قواعد ثابتة وأسساً واضحة، وترسّخت مع مرور الزمن من خلال احترام الدول لها وعملها بها.
وفي هذه المرحلة ترسّخ البروتوكول الدبلوماسيّ كوسيلة من وسائل تمكين الدبلوماسيّة من شرح موقف حكومته بتعابير دقيقة ومهذبة، واتّسم العمل الدبلوماسيّ بالسريّة والكتمان وحصرت المعلومات الخاصة به بأشخاص قلائل، وبالتالي تمتع السفراء بمرونة وحرية في العمل وكانت تقاريرهم موضع ثقة واحترام مسؤوليتهم.
وفي تلك الفترة تعززت فكرة الامتيازات الحصانات الدبلوماسيّة من القيام بمهامهم من التعبير عن الاحترام للدولة الأخرى الحرص على حسن العلاقات معها وبالتالي فإنّ الإساءة لمبعوثيها تعني الإساءة للدولة الأخرى، وقد يؤدّي ذلك إلى توتر العلاقات لدرجة إعلان الحرب بين الدول.
وتنطلق فكرة الحرمة الدبلوماسيّة من مبدأ لاتيني يقول يجب ألا يتعرض السفير للضرب أو الإهانة. وعلى الرغم من وجاهة بواعث وأسباب الامتيازات والحصانات الدبلوماسيّة ومن ضرورات منحها لتسيير المهام الدبلوماسيّة، فإنّ العديد من الدول ولا سيما الدول التي تمارس الهيمنة السياسيّة على الدول الأخرى قد استغلت تلك الحصانات لصالح تحقيق أهداف استغلاليّة واستعماريّة وتجسسيّة وتحريضيّة في الدول الأخرى.
وقد تأثرت الدبلوماسيّة الجديدة بالتطورات السياسيّة والتكنولوجيا المعاصرة فزيادة سرعة المواصلات الجويّة والالكترونيّة قرّب المسافات وقوّى درجة التداخل، كما أنّ توسع التجارة وازدياد التعامل الاقتصاديّ والثقافيّ والسياحيّ والعلميّ جعلا من الاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول ظاهرة سياسيّة مباشرة عن طريق الاشتراك في المحادثات الدوليّة، وحضور المؤتمرات السياسيّة والعودة إلى عواصمهم في غضون ساعات أو أيام قليلة، فتوسعت دبلوماسيّة القمة بدرجة كبيرة- دبلوماسيّة الخطوة- خطوة، دبلوماسيّة المكوك.
على صعيد آخر، فإنّ دخول المجتمعات الإنسانيّة في القرن العشرين فيما اتفق على تسميته «بعصر الجماهير وانتشار القراءة والعلم» ونمو دور وسائل النشر والإعلام بين عموم طبقات المجتمع، رفع من أهمية الدور الذي يلعبه الرأي العام في السياسة وفي مطالبة الهيئات التشريعيّة بتقديم المعلومات الصحيحة حول المفاوضات والاتفاقات الدوليّة، ما أدّى إلى ضمور الدبلوماسيّة السريّة وانبثاق الدبلوماسيّة المكشوفة.
ويبقى هدف الدبلوماسيّة الأعلى هو إنجاز المصالح في مجال العلاقات الخارجيّة من خلال التفاوض والتفاهم، إلا أنّها مع ذلك لا تكون بديلة عن حيازة أسباب القوة والمنعة الذاتيّة للدول، فالدبلوماسيّة القوة تحتفظان بعلاقات متوازنة، وعلى هذا الاساس انبثق مبدأ الحياد المسلم وكذلك المبدأ القائل: إذا أردت السلم فتهيأ للحرب، لأنَّ القوة كالماء تندفع نحو المنحدرات.
إن أصل مصطلح دبلوماسيّة وكذلك دبلوماسي مشتق من كلمة دبلوم اليونانيّة أي يطبق أو ينطوي، موصوف بها أيّ مخطط أو كتاب أو رسالة صادرة عن الملك وموقعة منه ومطوية إلى طيتين بقصد حفظها.
ومن ثم تطوّر هذا المفهوم مع الزمان وأصبح يعني الصفائح المعدنيّة ذات الوجهين المطبقين والمخيطين بإتقان، والتي كانت تُمنح لحامليها كرخصِ مرورٍ على طرقات الإمبراطوريّة، أيّ الأشخاص المبعوثين المكلفين بمهام أو الأشخاص الوافدين من الخارج كممثلين لملوكهم وأمرائهم ويمنحها الإمبراطور أو من ينوب عنه أو حتى صادرة عن مجلس الشيوخ الرومانيّ وفيما بعد اتسع هذا المفهوم ليشمل الوثائق الرسميّة المحتوية على محفوظات العلاقات الخارجيّة للإمبراطورية والمحفوظة في أرشيف الجهاز المكلف بالعلاقات الخارجية «أمانة المحفوظات».
التعريفات حسب تطور الدبلوماسيّة التاريخيّ
1- تعريف معاوية بن أبي سفيان: لو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا أرخوها شدّدتها وإن شدّوها أرخيتها.
2- تعريف أرنست ساتو: استعمال الذكاء والكياسة في إدارة العلاقات الرسميّة بين حكومات الدول المستقلة.
3- تعريف شارل دي مارتينس: علم العلاقات الخارجيّة أو الشؤون الخارجيّة للدول، وبمعنى أخص هي علم وفن المفاوضات.
4- تعريف شارل كالفو: علم العلاقات القائمة بين مختلف الدول والناتجة عن المصالح المتبادلة وعن مبادئ القانون الدوليّ ونصوص المعاهدات والاتفاقيات.
5- تعريف ريفييه 1866م: علم وفن تمثيل الدول والمفاوضة.
6- فوديريه 1900م: فن تمثيل السلطات ومصالح البلاد لدى الحكومة والقوى الأجنبيّة والعمل على أن تُحترم ولا تُنتهك ولا يُستهان بحقوق وهيبة الوطن في الخارج وإدارة الشؤون الدوليّة وتوحيد ومتابعة المفاوضات السياسيّة حسب تعليمات الحكومة.
7- تعريف جينيه 1931م: نفس تعريف السابق إلا أنّه يضيف بقوله: ومن أجل تطوير الدبلوماسيّة يجب تعلُّم أصولها كعلم والكشف عن خفاياها كفن.
8- تعريف أنتو كوليتز بوينس آيرس 1948م: مجموعة المعرفة والفن اللازمين من أجل تسيير العلاقات الخارجيّة للدول بشكل صائب
9- تعريف هاورلد نيلكسون 1949م: توجيه العلاقات الدوليّة عن طريق المفاوضات والأسلوب الذي به يدير السفراء والمبعوثون هذه العلاقات وعمل الرجل الدبلوماسيّ أو فنه.
10- تعريف دي إيرثي وأوسهيا مدريد 1954م: فن تطبيق مبادئ القانون الدبلوماسيّ.
11- تعريف فيليب كاييه جنيف 1961م: الوسيلة التي يتبعها أحد أشخاص القانون الدوليّ لتسيير الشؤون الخارجيّة بالوسائل السلميّة وبخاصة من خلال المفاوضات.
12- تعريف د.سموحي فوق العادة: مجموعة القواعد والأعراف والمبادئ الدوليّة التي تهتم بتنظيم العلاقات بين الدول والمنظمات الدوليّة والأصول الواجب اتباعها في تطبيق أحكام القانون الدوليّ والتوفيق بين مصالح الدول المتباينة وفن إجراء المفاوضات والاجتماعات والمؤتمرات الدوليّة وعقد الاتفاقيات والمعاهدات.
13- تعريف د.عدنان البكري: عملية سياسة تستخدمها الدولة في تنفيذ سياستها الخارجيّة في تعاملها مع الدول والأشخاص الدوليين الآخرين وإدارة علاقاتها الرسميّة بعضها مع بعض ضمن النظام الدوليّ.