سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الخطوات الصغيرة في سوريا

بقلم ديفيد ل. فيليبس –

كل صراع عنيف يصل إلى لحظة النضج حيث يصبح السلام ممكناً. دمشق والأكراد السوريون يصلون إلى تلك اللحظة. تشكل دعوة قوات النظام لدخول منبج خطوة صغيرة نحو استعادة السيادة السورية في المناطق التي كانت خارج سيطرة الحكومة. وإلى جانب الترتيبات الأمنية، يجب أن تركز المفاوضات بين دمشق والأكراد السوريين على تقاسم السلطة. سوف يؤدي تقاسم السلطة إلى مفاوضات حول الدستور الجديد، وإرساء سيادة القانون، وتوزيع مسؤوليات الحكم، وتحديد علاقة الأفراد والجماعات ببعضها البعض وبالدولة.
يمكن أن يشمل تقاسم السلطة الدستوري الفصل الرأسي بين السلطات، بين دمشق ومناطق سوريا. يمكن أن تبقى سوريا دولة موحدة، تحكمها وحدة واحدة، وهي الحكومة المركزية، التي تمارس السلطة النهائية. كما يشمل تقاسم السلطة التوزيع الأفقي للمسؤوليات إلى مختلف فروع الحكومة – السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية – من أجل منع إساءة استخدام السلطة من قبل أي فرع أو فرد. هذه الترتيبات الدستورية هي الأكثر أهمية في المجتمعات ذات الانقسامات العرقية والطائفية، أو البلدان الخارجة من صراعات عرقية أو دينية.
الفدرالية هي أيضا بديل. في الولايات الاتحادية، يتم تقاسم السيادة بين الحكومة المركزية والوحدات الوطنية الفرعية. يتمتع المواطنون بحقوق تضمنها كل من الحكومة المركزية والسلطة الوطنية الفرعية. وعادة ما تحتفظ الحكومة المركزية بسلطات تتعلق بأمن الحدود والسياسة الخارجية والشؤون المالية. الولايات التي تشكل الاتحاد الفيدرالي لها وجود ووظائف لا يمكن تغييرها من جانب واحد من قبل الحكومة المركزية.
يُعتبر نقل السلطة أحد المكونات الرئيسية للفدرالية، حيث يتصدى للصراعات العرقية، والصراعات بين المركز- الأطراف، الأغلبية – الأقلية، الأقوى – الأضعف. الاستقلالية الثقافية أو الإقليمية هي أيضا شكل من أشكال تقاسم السلطة.
يمكن أن تحافظ الترتيبات الدستورية التي توفر نقل السلطة على هوية مجموعة مظلومة، بالإضافة إلى الحفاظ على بنية الدولة القائمة. يمكن أن تكون عملية نقل السلطة متناظرة أو غير متناظرة. يمنح تقاسم السلطة المتناظر نفس السلطات لجميع الوحدات دون الوطنية. في ترتيبات توزيع السلطة اللا متناظر، تختلف المناطق في قوتها ومكانتها.
تشمل الدساتير عادةً قانون الحقوق الذي يكرس حقوق الفرد وحقوق الإنسان. في حالات النزاع، قد تكون هناك حاجة إلى اتخاذ تدابير خاصة لدعم الحقوق الجماعية والحقوق الوطنية حيث تكون القضايا الأكثر أهمية هي المساواة وعدم التمييز وحماية وتعزيز حقوق المجموعات أو الأقليات. مبادئ عدم التمييز والمساواة منصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
سيتطلب الانتقال السياسي في سوريا إجراءات حكم وترتيبات ثقافية واقتصادية خاصة. سيطالب السوريون بحكومة محلية، تطمئنهم وتضفي الطابع المؤسسي على تمثيلهم لدعم المصالح المحلية. الهدف هو التأكد من أن جميع الأشخاص، الأقليات والأغلبية، يمكنهم المشاركة بشكل فعال في القرارات على المستوى الوطني والإقليمي. ومن ضمن ذلك، على سبيل المثال، الحق في إنشاء شرطة وجهاز أمن محليين، وذلك لخدمة المجموعات الأثنية المختلفة.
الحقوق الثقافية مهمة في مجالات اللغة والتعليم والدين والرموز الثقافية. السيطرة المحلية على التعليم والإعلام أمر له أهمية كبيرة.
ويجب أن يشمل تقاسم السلطة أيضا الأنشطة الاقتصادية مثل تنمية الموارد الطبيعية، وفرض الضرائب، وتحصيل الإيرادات، فضلا عن التجارة والعمالة وملكية الأرض. قد تكون السيطرة على الشؤون الاقتصادية من مسؤولية الحكومة المركزية، أو السلطات المحلية، أو التعامل معها بشكل مشترك.
يجب أن يعود السلام بالفائدة على المجتمع بأكمله. ينبغي أن يقدم المانحون الدوليون أموالاً إنسانية كبيرة ولإعادة الإعمار، ويجب أن يكون ذلك مرتبطاً بالمراحل الأساسية في تنفيذ السلام. وينبغي لمبادرات بناء السلام أن تشمل إصلاح قطاع الأمن بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات المسلحة وتسريحها وإعادة إدماجها.
أصبحت سوريا حرباً بالوكالة بين القوى الخارجية. يجب أن ينص اتفاق السلام على عملية استعادة السيادة السورية، والتخلص التدريجي من وجود القوات الأجنبية. ويمكن أن يشكل الحد من النفوذ التركي نقطة جيدة للبداية. لقد أصبحت عملية أستانا وسيلة لتقسيم غنائم الحرب، بدلاً من الدفع الحقيقي من أجل السلام.
يتم توقيع اتفاقية السلام في تاريخ محدد، في حين أن بناء السلام عملية تحدث بمرور الوقت. إن الانتشار في منبج يفتح نافذة لإعادة ترسيخ سيادة سوريا والشروع في مفاوضات بين دمشق والأكراد، تكريساً لمبادئ تقاسم السلطة، وتمهيداً للدستور السوري المستقبلي، والحد من دور الأطراف الخارجية التي تسعى وراء مصالحها الوطنية على حساب السوريين.
وبينما سيحاول أصحاب المصلحة الخارجيون التأثير على الحوار السياسي، فإن الجهات الفاعلة المحلية لها أهمية قصوى. من شأن تسوية مؤقتة بين دمشق والأكراد السوريين أن تؤدي إلى استقرار شمال وشرق سوريا. ويمكن أيضا بدء المفاوضات في أجزاء أخرى من البلاد. بالتأكيد، ستكون المفاوضات عملية بطيئة ومضنية، لكن الحوار السياسي لا يمكن أن ينتظر وقفاً للأعمال العدائية على مستوى البلد بأكمله.
ديفيد ل. فيليبس هو مدير برنامج بناء السلام والحقوق في معهد دراسات حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا. شغل منصب مستشار أقدم وخبير في الشؤون الخارجية في وزارة الخارجية في عهد الرئيس كلينتون وبوش وأوباما. كتابه الأخير بعنوان: الخيانة الكبرى: كيف تخلت أمريكا عن الأكراد وفقدت الشرق الأوسط.