سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الحلاجية بين الجهاد الاحتكاري والجهاد ضد الاحتكار

صلاح الدين مسلم –

“يا نسيم الروح قولي للرِشا
لَم يَزِدني الوِردُ عَطشا
لي حَبيبٌ حُبُّهُ وَسطَ الحَشا
إِن يَشَأ يَمشي عَلى خَدّي مَشى
روحُهُ روحي وَروحي روحُهُ
إِن يَشَأ شِئتُ وَإِن شِئتُ يَشا”
نسيم الريح في موطن الحلّاج يخاطبه، وروح الطبيعة البكر غير المخدوشة تدب فيه، فالوِرد يزيده عطشاً، والعشق الذي ملك حشاه يدب في كل مكان فيه، يتجول على هواه، فروح العشق روحه، وهو قد حل روح المعشوق، فبات كلاهما واحداً لا يتجزأ، ولا ينفصم عرى أحدهما عن الآخر.
إنّ فلوات الدنوّ من الحقيقة، والابتعاد عن المسار المنطقيّ للدولة التي نهبت نتاج الروح التي تلجّ في بحر فكر الحلّاج، وريش شوقه المستهام بميسم الشوق قد أنساه اسمه، لذلك بات في ضريح السبات والابتعاد عن المادّة، فالروح راحه، والأقلّ أكثره والأكثر أقله، فلا يحتجب عن الهوى، ولا يغوص في وحل المال والكرسيّ والسلطة، لذلك تنكّر له الخط الزمني للجهاد المادي الاحتكاري.
يعدّ الجهاد بمنظور مسار التزمّتِ احتكاراً ورفضاً للآخر، ونفياً له، كالداعشيّة التي ترفض أيّ فكرة سواها، والداعشية هي الخطّ الزماني لنهب روح الحلّاج، فمن قتل الحلاج هو جدّ داعش، وهو المرشد المادّي لهذا التيار الذي أودى بحياة الثائرين المتطلّعين إلى الحقيقة.
يعدّ الحلاج من الشخصيات التي ثارت على الأصولية الدينية، والتعصب الديني، فقد ظلّ الطغيان الديني الأصولي ضد الحلاجية التي حاربت الظلم والطغيان، إذْ عرّفَ الحلاج الجهادَ على أنه الجهاد ضد التجبّر والتحكّم.
لقد كان سرطان الأصوليّة يمتدّ منذ أن توفي النبي محمّد، حتّى يومنا هذا، وكان الحلّاج أحد المناهضين لهذا الخطّ رافعاً لواء المحبّة، فقد كانت هناك عبادة التاجر التي تهتمّ بالأجر والثواب، وعبادة العابد الذي يهتمّ بالفردوس وسدرة المنتهى والطمع إلى أقصى مراتب الأجر، وعبادة المحبّ العاشق، وكان الحلّاج عاشقاً للروح، عاشقاً للثورة، عاشقاً للانعتاق والحرية، لقد كان حرق جسد الحلّاج، وإلقاء رماده في الهواء من قمة مئذنة مطلة على نهر دجلة، حواراً ما بين الدولتيّين وبين الشعوب، فدجلة تمثّل الحضارة المجتمعية والدولتية معاً، وكلّ الصراعات على الحياة والحقيقة والحرية قد حصلت على نهري دجلة والفرات.
لقد قبع الناس على ضفاف نهر دجلة منتظرين بعثه، وقد عُرض رأسه وأطرافه على جدار السجن الجديد، ورُفع رأسه بعد سنة من «خزانة الرؤوس»، وأرسل إلى خراسان، وحمل من ناحية إلى ناحية، وكان شرطة المحتسب، والنسّاخ والورّاقون ومدراء المدارس، مجبرين في بغداد على التقيّد بقائمة من الكتب الممنوعة، بما في ذلك تلك التي كتبها الحلاج أو كتبت عنه؛ وهُدد بعد ثلاثة قرون من وفاته ابن الغزال لنسخه بعضاً من الروايات مع الإسناد عن الحلاج، في بغداد.
وهكذا كان مطر الروح يغسل دائماً كلّ أنواع الإبادات الدولتية على مرّ التاريخ، مهما تظاهرت السلطة بالانتصار.