سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الحرية السياسية… مفاهيم وأسس

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
الحرية السياسية من أفضل القيم الحضارية التي عمل الإنسان من أجل الوصول إليها، لأنها قيمة حياتية تتناول الإنسان في مجتمع ما، دون إكراه، بشرط أن تكون مبنية على قوة عقلية ومنطقية، ولا يمكن أن ترسم لها دوائر سياسية واجتماعية مغلقة، وأن تكون الأخلاق هي البنية الأساسية التي تنطلق منها هذه الحرية.
دائماً الحرية تعني الفضيلة الإنسانية والاجتماعية، التي تعمل على تحرير الفرد من القيود السلطوية، وهي دعوة صادقة بأن تتوفر للفرد والجماعة، سبل العيش في هذه القيمة الحضارية والاجتماعية، ومتى توفرت هذه القيم شعر الفرد بالعمل بحيوية وفاعلية حتى يحقق النجاحات ويسير نحو الهدف دون كلل، من هنا نجد أنَّ مفاهيم وثقافة الحرية السياسية تختلف من عصر إلى آخر، ومن مجتمع لآخر، فشكلها وممارساتها تختلف من نظام سياسي لآخر، كون كل الأنظمة لا تكون بسوية ديمقراطية واحدة، ولا يمكن أن تعيش المجتمعات حريات سياسية مطلقة، لأنها بالنتيجة سوف تتحول إلى ظلم وقهر لتلك الشعوب، بل يمكن أن تعاش الحرية السياسية المشبعة بالأخلاق والثقافة الطبيعية.
تعاريف
ككل الاصطلاحات والمفاهيم؛ للحرية السياسية أكثر من تعريف، من أرسطو 384ـ 322 قبل الميلاد نبدأ؛ حيث يقول: «الحرية هي قيمة إنسانية عالية، يجد فيها الفرد نفسه متحرراً من الضغوط والمضايقات والأوامر والنواهي، التي تقيد ما يريد الفرد القيام به من أفعال تتناسب تفكيره وفلسفته»، في حين يضيف الغزالي 1058 ـ 1111م ويبدي تعريفاً موضوعياً يقول فيه: «الحرية حالة سياسية واجتماعية تنتاب الفرد وتجعله يشعر بأنه متحررٌ من القيود والمحرمات والنواهي التي يفرضها المجتمع عليه منذ الولادة»، ومن العقد الاجتماعي نتعرف على حرية جان جاك روسو 1712 ـ 1778م «الحرية ذاك الشعور الاجتماعي الذي يحس فيه بأنه طليق ومتحرر من الأعباء الثقيلة التي يفرضها عليه المجتمع».
أما الحرية السياسية فقد عرفها أبو الحسن الماوردي 1262 ـ 1349م «أنها ظاهرة اجتماعية يتحرر فيها الفرد من القيود والضغوط والمظالم السياسية مهما تكن طبيعتها وصيغ التعامل معها».
لكن هيجل 1770 ـ 1831م يعرفها بشكل آخر على «أنها قدرة الفرد على ممارسة سلوكه السياسي من دون فرض الحدود والقيود عليه»، مهما اختلف الناس في انتماءاتهم وسياساتهم وقناعاتهم، فهم يلتقون في تعريف ومعرفة الحرية والحرية السياسية، كونها مدخلاً حقيقياً لوحدة كل المختلفين في الدولة الواحدة.
تاريخ صراعاتها
بات مفهوم الحرية السياسية مرادفاً للاستبداد السياسي، وقد لازم هذا المفهوم منطقة الشرق الأوسط منذ مئات السنين، بل سبق أغلب دول العالم بهذه الحقائق، هذه المنطقة أكثر طغياناً وسلطة فردية في ممارسة الاستبداد بحق شعوبها.
عاشت أوروبا عصور الظلام والتخلف لمئات السنين، ولم تستطع أن تنتقل لعصر التنوير والنهضة، إلا بعد أن وفرت لمجتمعاتها الحريات السياسية، وساهم فلاسفة ومفكرون في نشر أفكارهم ونظرياتهم، لتحقيق غايات إنسانية نبيلة تتعلق بالحقوق وتساهم بتحقيق المصلحة المشتركة والهدف المشترك، فكان «العقد الفريد» بمثابة التصدي والتحرر من الاستبداد، والعودة بالإنسان إلى الفطرة الأولى والطليقة والمتحررة من كل القيود، والعيش في حياة منظمة منضبطة قوامها الحرية السياسية.
من هذه التجربة الرائدة؛ الحرية السياسية في الفكر الأوروبي هي: «قدرة الفرد على التعبير عن آرائه وأفكاره بحريةٍ تامة». ودستور كل دولة يؤكد على ممارسة هذه الحرية قولاً وفعلاً وكتابة. أما في الماركسية (الشيوعية) فهي تعني بأن الشعب هو من يمثل السلطات، كونه صاحب السيادة في منح هذا الحق، أما في الإسلام فتستند هذه الحرية ووجودها وديمومتها من الله، ولا يمكن لأي سلطة أن تبدل أو تغير من قيمة هذا الحق الإلهي.
إذا ما حاولنا عرض هذه الحرية في بقية الأنظمة والحكومات والفلسفات لوجدنا أن أغلبها قد ألغى وهضم هذه الحرية، وأودع أصحابها في دهاليز معتمة، تبدأ أولاً بإلغاء حق المرأة في العمل والترشح والانتخاب وغير ذلك، ففي الوقت الذي تؤمن فيه الأنظمة والحكومات كافة بأن الحرية السياسية هي قيمة مجتمعية وإنسانية وحضارية وحقوقية، لكنها تعمل عكس ذلك، فتقوم على استرقاق شعوبها وحرمانها من هذه القيمة الحضارية، بل تلزم القوات المسلحة بضرورة استخدام العنف بإبطال أي حركة تدعو إلى الحرية السياسية، ويرجعون السبب إلى أنها فتنة اجتماعية، لكن هي بالنتيجة حفاظ على النظام.
هنا يبرز تساؤل؟؟
كم تبدو الحرية السياسية قضية مهمة بالنسبة للحركات السياسية القومية والاشتراكية؟
يلاحظ كل مهتم أنَّ الحرية السياسية تقفز لمرحلة متقدمة أثناء التحولات الكبيرة في بلد ما؟ ولأنها لا يمكن أن تتجزأ أو تنقسم بحسب عطايا الأنظمة، فالحرية السياسية كلٌ لا يتجزأ، لا في السياسة ولا الاجتماع ولا الثقافة إلخ….، ولا يمكن أن تمارس الحرية السياسية بشكلها الكامل إلا من خلال إدراجها في الدستور، وجعلها حالة صحية تمارس من قبل كل الناس والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث تتوافق كل القوى السياسية والسطات على اعتبارها جزءاً من الديمقراطية اليومية، وتفعيلها بين الأفراد والشرائح كافة.
كيف نعيشها؟!
قد تواجه الحرية السياسية إشكاليات ومنغصات تعيق تقدمها وتطورها، وقد تصبح عباءة يلبسها الطفيليون من أجل خدمة مصالحها، وتهدد مصالح البعض، وتبقى الأنظمة الشمولية من أكثر الأنظمة التي تعمل على محاربة مفاهيم هذه السياسة، وتحاول أن تعرقل مسيرتها الصحيحة، وتضع أمام تقدمها عوائق جمة تريد أن تؤخر تطورها، وتجعل من نفسها حجر عثرة في طريق مسيرتها.
يبقى للنضال السياسي عمله الدؤوب للحد من انتشار أو طغيان الأنظمة الشمولية، أو القضاء عليه كي تتمكن المجتمعات أن تمارس حريتها السياسية بكل قوة، ضمن أجواء ديمقراطية، وتساهم في بناء مؤسساته المدنية المساهمة في بناء الدولة الديمقراطية.
لا يمكن العيش وممارسة الحرية السياسية الحقة، إلا بتوفر أسس ديمقراطية، منها الحرية في المشاركة السياسية، وتعتبر هذه واحدة من الأسس المهمة التي توفر وتعطي للفرد الحق أن يمارس إرادته، وبخاصةٍ إذا كان ينتمي لأقلية قومية أو دينية، لأن هذه الحرية توفر له حق التصويت، كون هذا الحق يحقق للفرد كيانه السياسي، وكونه يختار من يراه مناسباً دون إكراه أو إجبار.
المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد على (لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة، وإما بواسطة ممثلين يختارون بحرية)، ومن الترشح يستنتج بأنها تضمن حق الترشح، فبقدر ما يحق للفرد حق التصويت، كذلك يحق له الترشح للانتخابات وبكل مستوياتها، ونلاحظ أنَّ من مفرزات الحرية السياسية، حرية الاجتماع وهي من أشكال الحريات، التي يجتمع فيها الفرد مع من يحب ويبدي رأيه من خلال مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب والنوادي، التي لها دور فعال في تربية وتنمية الحريات في كل المجتمع، من خلال الكتب، والمناشير، والدواوين والأعلام.
الخلاصة
تبقى الحرية السياسية من أهم مقاييس المدنية والديمقراطية في أي دولة، فبقدر ما تتوفر هذه المفاهيم بشكلٍ حرٍ وديمقراطي؛ بقدر ما يساهم المجتمع إلى جانب الدولة في بناء أخلاق وسياسة واقتصاد الدولة والسير به نحو مصاف الأمم المتقدمة والحضارية.
يبقى الفكر اليوناني في أثينا القديمة، منبعاً لكل التجارب التي جاءت من بعدها، وبخاصةٍ التي تناولت الحرية السياسية في مجتمعاتها، كون تلك التجربة أصبحت رائدة في بناء هذه الثقافة، وقد شيدت هذا الصرح الديمقراطي من خلال مجموعة قواعد كانت مدعَّمة ومبنية على مؤسسات مدنية، تسمح بالمشاركة السياسية المباشرة قبل كل الأفراد.
لم ترتق الأمم بالصدفة أو بالدعوات؛ بل ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية منذ آلاف السنين وإلى الآن وفرت هذه المفاهيم، من خلال مؤسسات مدنية، وربما تبقى التجربة الإنكليزية من التجارب الرائدة في هذا المنحى، ففي سنة 1960م طلب الملك تشارلز الأول أموالاً لتأجيج الحرب والصراع ضد الاسكتلنديين، بسبب ذلك بدأت الحرب الأهلية بين أنصار الملك وأنصار البرلمان، وحين خسر الملك الحرب اعتقل، ثم فر من السجن وأشعل حرباً أهلية أخرى مع الاسكتلنديين، لكنه اعتقل ثانية وقدم للمحاكمة وأعدم، والهدف مما تقدم هو انتصار الحرية السياسية على مفاهيم الفرد والسلطة، من هذا المبدأ يمكن القول: «حيث تتوفر الحرية السياسية تتوفر الديمقراطية ويعيش المجتمع استقراراً أمنياً واقتصادياً وسياسياً».

________________
المراجع:
ـ أرسطو ………….. علم الأخلاق.
ـ الغزالي…………… أيها الولد.
ـ جان جاك روسو….. العقد الاجتماعي.
ـ أبو حسن الماوردي…. أدب الدنيا والدين.