سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الحرب في فنزويلا والإنذار الأخير لطهران

فادي عيد –

“دون أدنى شك دونالد ترامب أصدر إيعازا باغتيالي، وكلّف حكومة كولومبيا والمافيا هناك بقتلي، وفي حال حصول ذلك يوماً ما؛ فإن ترامب ورئيس كولومبيا سيتحملان مسؤولية ما سيحدث لي”.
هكذا صرح رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو لوكالة أنباء نوفستي الروسية، كي تنفجر أخر البراكين الخامدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وتتحول الأنظار كلها من الشرق الاوسط إلى أمريكا اللاتينية، وبالتحديد نحو فنزويلا التى حملت لنا كل مشاهد الإثارة بالأيام الأخيرة.
وهنا كانت إيران تنظر لما يحدث فى فنزويلا نظرة مختلفة عن باقي دول الشرق الأوسط وربما العالم أجمع، فهي تعلم أن ما يحدث ضد مادورو هو يستهدفها بالدرجة نفسها التي يستهدف بها الأمريكي كلا من روسيا والصين في|أمريكا اللاتينية حتى باتت القيادة الإيرانية والعقول الاستراتيجية بمجمع تشخيص مصلحة النظام والحرس الثوري الإيراني، تعيد كل مشاهد التدخلات العسكرية الأمريكية منذ 2001م بأفغانستان مروراً بغزو العراق 2003م، وصولاً لما يدور الآن في فنزويلا التي شهدت بالأسابيع الأخيرة أكثر من محاولة لاغتيال الرئيس مادورو.
فطهران تعلم علم اليقين أنها أصبحت فى مرمى الصدام العسكري المباشر بعد قرار انسحاب الأمريكي من سوريا والتمركز فى العراق، بعد زيارة مفاجئة قام بها ترامب لقاعدة الأسد الجوية العسكرية بالعراق يوم الأربعاء 26 كانون الأول الماضي، كرسالة مبطنة من الإدارة الأمريكية لطهران، وقبل انطلاقة وزير الخارجية الأمريكي فى جولته للشرق الأوسط بالأسبوع الأول من العام الحالي، كي يتم الاتفاق بين بومبيو والقادة والأمراء العرب على عقد قمة “وارسو” والتي انتهت قبل أيام (في الذكرى الأربعين لعودة الخميني من منفاه فى باريس إلى طهران لإعلان نجاح الثورة الإسلامية سنة 1979م)، وفى المدينة التى شهدت تأسيس الحلف العسكري الشيوعي الذي أنشأه الاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة لمواجهة الأطلسي. ولكن؛ فى هذه المرة مدينة وارسو البولندية ارتدت قبعة العم سام، ودشن حلف جديد لمواجهة إيران وانشطتها في الإقليم كما صرح وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو.
ومما سبق يقول أن هناك تسونامي مدمر يتم تحضيره لاجتياح إيران، تسونامي عسكري سيأتي خاطفاً بعد زلزال داخلي عبر إشعال مظاهرات حاشدة على غرار ما حدث في طهران 2009 وفي بداية العام الماضي، بالتزامن مع إشعال الوضع بين دول الجوار وإيران، سواء بباكستان عبر تصعيد أعمال الجماعات الأصولية المسلحة المناهضة للنظام الإيراني، أو عبر الجار الشمالي اللدود أذربيجان وما تحمله أراضيها من مستشارين ومعدات عسكرية إسرائيلية، بجانب تحشيد للشعب في الأحواز للتظاهر ضد النظام الإيراني، في ظل مشروع تفخيخ كافة الحدود الإيرانية. فبعد إعلان ترامب انسحاب قواته من سوريا كان أول رد فعل روسي جاء عبر اجتماع لقيادة القوات البرية فى موسكو ترأسه قائد القوات البرية الروسية الفريق أوليغ ساليوكوف، وهو أمر قد يكون جديد، فدائماً ما كانت القوات الجوية أو الفضائية أو البحرية أو الدفاعات الجوية هي من في المشهد.
في الوقت أن أبحرت حاملة الطائرات الأمريكية جون ستينيس إلى الخليج العربي، كانت إيران بدأت فى تنفيذ مناورات الرسول الأعظم، والتى أجريت على جزيرة قشم المتاخمة للبر الرئيسى الإيرانى والقريبة من مضيق هرمز، مناورات أرى أنها الأكثر عملية وواقعية، بعيدة عن الأجواء الاستعراضية التى كانت تتبعها إيران في المرات السابقة، مناورات في واقعها كانت تحاكي كيفية مواجهة تكرار سيناريو الغزو الأمريكي للعراق، مناورة كان فيها التركيز على القوات البرية أعلى من المرات السابقة.
وانتهت مناورات الرسول الأعظم يوم 22 كانون الأول بالتزامن مع وصول الحاملة الأمريكية لأول مرة لمياه الخليج العربي منذ هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، بعد أن بادر الحرس الثوري استقبالها بإطلاق النيران تجاهها على أمل أن تصل رسالة قاسم سليماني مبكراً لواشنطن، وللعلم تلك أول حاملة مقاتلات أمريكية تصل مياة الخليج العربي منذ خروج أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران.
وفى يوم الجمعة الموافق لـ 25 كانون الثاني من عام 2019 انطلقت مناورات عسكرية ضخمة حملت اسم “اقتدار 97 الكبرى” بمحافظة أصفهان؛ بهدف عرض استراتيجية جديدة للجيش الإيراني، شارك فيها 12 ألفاً من عناصر قوات النخبة الهجومية، والوحدات المدرعة والمدفعية وقوات الرد السريع والقوات الهندسية والقتالية، وكوادر وحدة الاتصالات والحرب الإلكترونية وسلاح الجو في منطقة المناورات بإسناد من مقاتلات مروحية وجوية وطائرات مسيرة.
وإلى جانب 12 ألف عسكري يشاركون في تلك المناورات التي تستغرق يومين شارك أكثر من 1577 مدفعية وعدد كبير من المروحيات المجهزة. وفي المرحلة الأولى من المناورات نفذت القوات البرية عملية إنزال في المنطقة من مروحيات لوجيستية، ثم قامت طائرات مسيرة ومروحيات بعمليات للاستطلاع والتطهير والقضاء على جنود العدو الافتراضي وتدمير أدواته وتحصيناته في المنطقة، بينما فى اليوم الثاني للمناورة تم تقييم نوعين من التغييرات التي أجريت على القوات البرية.
ففي تلك اللحظة التى تتأهب فيها إيران عسكريا بكل ما تملك من أداوت كانت تراقب بعين ما وصلت له من قدرات عسكرية قادرة على صد أي عدوان محتمل فى القريب العاجل، وبالعين الأخرى تحلل ما يحدث على الساحة بكاراكاس التي شهدت في تلك الأثناء مناورات عسكرية في قاعدة “إل ليبرتادور” الجوية بولاية أراغوا غربي العاصمة كاراكاس، لمواجهة أي تدخل عسكري أمريكي محتمل، قبل أن يعلن رئيس فنزويلا مادورو أن بلاده ستجري في الفترة من 10 إلى 15 شباط الجاري مناورات عسكرية في البلاد، وصفها بالأكثر أهمية في تاريخ البلاد، بجانب سعيه لتشكيل أكثر من 50 ألف وحدة من الميليشيات الوطنية في مناطق وقرى ومدن البلاد قوامها نحو مليوني رجل.
أذاً؛ كل المشاهد السابقة تعيد للذاكرة أجواء ما قبل غزو العراق، ولما نشره موقع “ديبكا” الإسرائيلي فى يونيو الماضي نقلا عن مصادر عسكرية واستخباراتية إسرائيلية (حسب زعمه)، عندما نشر الموقع تقريراً يفيد بأن عدداً من القادة العسكريين الأمريكيين والإسرائيليين اجتمعوا بشكل سري في العاصمة الأمريكية واشنطن في التاسع والعشرين من حزيران الماضي لإعداد خطة سرية، كانت الخطة بعنوان “مشروع إيران”، وهي عبارة عن تشكيل قوة للمهمات السريعة المشتركة لاتخاذ القرارات المتعلقة بمهاجمة المنشآت النووية والصورايخ الباليستية ومواقع قتالية وعسكرية أخرى داخل وخارج إيران، وقد تم تعيين الجنرال “نتزان آلون” قائد العمليات في الجيش الإسرائيلي رئيسا للمشروع بطلب من رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي الجنرال غادي إيزنكوت، الذي شارك في الاجتماعات مع رئيس هئية الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال جوزيف دنفورد.
 وكشف الموقع أنه خلال اجتماعات واشنطن تم الاتفاق على تشكيل أربع مجموعات قيادة ضمن “مشروع إيران”، وهي مجموعة القيادة النووية التي تتعلق مهمتها بتحديد مواقع السلاح النووي ومفاعلات البلوتونيوم ومصانع اليورانيوم ومواقع التخصيب وأجهزة الطرد المركزي داخل إيران.
أما مهمة المجموعة الثانية فتتعلق بمواقع الصواريخ الباليستية الإيرانية بما فيها منصات الإطلاق والمخازن تحت الأرض ومصانع إنتاج ومراكز الأبحاث، في حين تغطي مهمة المجموعة الثالثة العمليات العسكرية السرية والعلنية ضد المراكز العسكرية والاستخباراتية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط بما فيها سوريا ولبنان واليمن، بينما تتولى المجموعة الرابعة تنفيذ العقوبات الاقتصادية ضد إيران، وستساهم إسرائيل فيها بتوفير معلومات استخباراتية عن محاولات طهران خرق تلك العقوبات.
خلاصة القول ما تفعله الولايات المتحدة بحق فنزويلا تعدى مرحلة التدخل بكثير، فالأمر أصبح حرب مباشرة على فنزويلا، وتشكل ضربة للروسي الذي أجرى مناورات عسكرية منتصف الشهر الماضي في فنزويلا، خلال محاولة روسيا توسيع رقعة نفوذها في البوابة الخلفية للولايات المتحدة، وإنذاراً أخيراً لطهران التي تمثل لها فنزويلا متنفساً هاماً فى ظل الحصار الذى يشتد عليها يوماً بعد يوم، فما يحدث في فنزويلا جزء من الحرب العالمية الثالثة التى بدأت مع غزو العراق 2003م.