سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الجنسية التركية في (أوكازيون)

نيرفانا محمود ـ موقع قناة الحرة
مبروك! إن كنت غنياً وتريد الحصول على الجنسية التركية، بات بإمكانك تحقيق رغبتك هذه ومن دون عناء، فقد عدلت القيادة التركية قانون الجنسية، وأصبح بإمكان الأجنبي الحصول على الجنسية التركية عند استيفاء أحد هذه الشروط: شراء عقار بقيمة 250 ألف دولار أمريكي، أو إيداع 500 ألف دولار في البنوك التركية، أو استثمار مبلغ 500 ألف دولار في تركيا. يا بلاش، كما نقول في مصر هذا “أوكازيون” الجنسية وبأرخص الأسعار، فقد كانت الشروط السابقة للحصول على الجنسية التركية أكثر صرامة وجدية. لقد فتح أردوغان، منذ توليه الحكم، الباب لشريحة أخرى من الأتراك، يطلق عليها لقب “العثمانيون الجدد”، للاستثمار وإدارة الأعمال في تركيا. والهدف المعلن لهذا التعديل هو جذب الاستثمارات الأجنبية بعد انهيار الليرة التركية ومساعده قطاع العقارات بعد أن انخفض الطلب على العقارات التركية بنسبه 12.5 في المئة هذا العام، كما انخفض الاحتياطي الإجمالي للعملة الأجنبية في البنك المركزي التركي إلى أقل معدل له، منذ نيسان 2010 إذا ألقينا نظرة على التصنيف الدولي لجوازات السفر حول العالم فسنصل إلى استنتاج واحد وهو قانون الجنسية التركية الجديد ليس موجهاً إلى العالم الغربي لأن جواز السفر التركي، طبقاً لهذا التصنيف أصبح في المرتبة الـ 39 في العالم، بينما صنفت جميع جوازات السفر الغربية بمرتبات أعلى بكثير من الجواز التركي، ولذلك فمن الطبيعي ألا ينجذب حاملوها لجواز السفر التركي، ويبدو بوضوح أن هذا القانون موجه أساساً لجذب رجال الأعمال من البلاد العربية، وإيران، وبعض البلاد الأسيوية، فهل ينجذب هؤلاء ويهرعون إلى تركيا لطلب جنسيتها؟
قد يجد الإيرانيون، على وجه الخصوص، هذا العرض جذاباً، خصوصاً مع اقتراب تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية على إيران وتدهور قيمه الريال الإيراني، ولذلك فالحصول على الجنسية التركية بالنسبة للبعض داخل إيران يمكن أن يعد طريقاً سهلاً لتفادي العقوبات، ونقل الأموال من الداخل الإيراني إلى الخارج وهي وسيلة شرعية للانفتاح على الدول الأوروبية. لكن؛ الحال قد يختلف بالنسبة للأغنياء ورجال الأعمال العرب، قد لا يجد البعض وخصوصاً في دول الخليج الجواز التركي جذاباً في الوقت الحالي. فتصنيف جواز السفر الإماراتي، على سبيل المثال، أعلى بكثير من مثيله التركي، أما بالنسبة لمواطني الدول الأخرى، فربما تمنعهم الخلافات السياسية بين بلدانهم والقيادة التركية من اتخاذ خطوة كهذه، باستثناء من يوالون تركيا. إذا، قانون الجنسية التركي الجديد ليس موجهاً إلى المستثمرين العرب بوجه عام، ولكن إلى المستثمرين الذين ينتهجون الفكر الإسلامي المقرب منهم كالقطريين وغيرهم من معارضي الأنظمة العربية. ومما سبق يظهر هدف الرئيس التركي بجلاء وهو إعطاء الجنسية التركية لأتباعه الأغنياء من غير الأتراك، ليس فقط لإنقاذ الاقتصاد التركي ولكن لخدمة أهداف أردوعان السياسية والاجتماعية وأهمها التغيير الديمغرافي في أوساط الطبقة المتوسطة والغنية في تركيا، إذا كنت قد سمعت عن تعبير “الأتراك البيض ـ وايت ترك” فستفهم ماذا أقصد، وإن لم تسمع فتذكر المسلسلات التركية وأبطالها الذين يعيشون في قصور جميلة ويتصرفون على النمط الأوروبي في حياتهم الخاصة. معظم هؤلاء من العلمانيين ويطلق عليهم في تركيا مصطلح دارج ويعني الأتراك البيض. وقل التأثير السياسي لهذه الشريحة من الأتراك منذ تولي أردوغان سدة الحكم، كما هاجر العديد منهم إلى خارج تركيا، خصوصاً في الأعوام الأخيرة، ويحاول أردوغان في هذه المرحلة تقليص أي نفوذ اقتصادي متبقٍ لهم، وأعلن الرئيس التركي أخيراً عزمه نقل حصة مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك من بنك إيش التركي، أقدم وأعرق البنوك التركية، إلى خزينة الدولة. كما طالب بالتحقيق مع أعضاء إدارة البنك الذين ينتمون لحزب الشعب الجمهوري المعارض، وبالطبع أدت هذه التصريحات إلى هبوط حاد في قيمة أسهم البنك، وفتح أردوغان منذ توليه الحكم الباب لشريحة أخرى من الأتراك، يطلق عليها لقب “العثمانيون الجدد”، للاستثمار وإدارة الأعمال، حيث استثمر هؤلاء في قطاع البناء ومشروعات أخرى عملاقة، وأصبحوا أكثر غناً ونفوذاً، ولكن في المرحلة الأخيرة، وخصوصاً بعد هبوط قيمة الليرة التركية، تشعر هذه الطبقة بضغط مادي حاد. ولذلك جاءت التعديلات الجديدة في قانون الجنسية بهدف دعم “العثمانيين الجدد” بمستثمرين من الخارج يحملون راية الولاء للرئيس التركي وإدماجهم في المجتمع التركي، وخصوصاً أن تركيا على أعتاب انتخابات محلية مهمة في آذار المقبل. وأردوغان يريد اليوم أصحاب المال والنفوذ ولا يهتم أردوغان كثيراً بمصدر المال، ولا يهمه أيضاً هدف المستثمر من حصوله على جواز السفر التركي، وما يهمه هو تقوية نفوذ الرئيس التركي وإنقاذ اقتصاده المنهار. بالطبع، قد يقدم بعض الإسلامويين الذين دعوا مراراً وتكراراً إلى دعم الليرة التركية، إلى شراء الجنسية التركية والاستثمار في تركيا، فاقتناء قصر جميل على البوسفور بأرخص الأسعار أمر جميل، وإذا جاء هذا ومعه جواز سفر تركي فسيكون أجمل، ولكن كما أسلفت لن يكون الجواز التركي جذاباً وبخاصة لدول الخليج. وحتى من يدعمون تركيا لن يذهب جميعهم للحصول على الجنسية التركية، فبعضهم يفضل دعم الرئيس أردوغان بالعبارات الرنانة، وحث البسطاء على دعم الليرة التركية. لكن؛ عند الحديث عن أموالهم الشخصية يفضلون جوازات سفر بلاد الفرنجة ذات القوانين الآمنة التي تراعي حقوق العملاء، وليس جواز سفر في بلد يغير قوانينه كما يهوي الحاكم، مثله مثل بلدان العالم الثالث. يذكرني الرئيس أردوغان بالرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، فبالرغم من الاختلافات الجوهرية بين الزعيمين، يتشاركان الكره لأفراد الطبقة الأرستقراطية العلمانية بحياتهم الرغيدة وتشبههم بالغربيين، وتحكمهم في الاقتصاد رحلت معظم الطبقة الأرستقراطية عن مصر وتركتها لعبد الناصر يعبث بها كما يشاء. بيعت أملاكها بأقل الأسعار، وتغيرت التركيبة السكانية شيئاً فشيئاً وظهر في مصر التطرف الإسلامي والسلفيون، وبعد عقود عدة يشاهد المصريون أفلام سينما ذلك الزمن بالأبيض والأسود ويتباكون على أيام “الزمن الجميل. وتركيا الآن مهددة بفقدان زمنها الجميل، فحتى لو تهافت كل إسلاميي الشرق الأوسط على “أوكازيون” الجنسية التركية، فلن تفلح أموالهم وحدها في إنقاذ الاقتصاد التركي المترنح، فليست بالأموال وحدها تبنى الاقتصادات القوية.