سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

التنافس الأميركي ـ الروسي في الشرق الأوسط في زمن بايدن

خطار أبو دياب (كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط)-

أبدى جو بايدن حرصه منذ إعلان فوزه بالرئاسة الأميركية على طمأنة قادة العالم، خصوصاً الحلفاء، بأن الولايات المتحدة عائدة وسوف تقود العالم مجدّداً بعد الحقبة الترامبية الاستثنائية، لكن طموح الإدارة الجديدة من أجل تقوية القيادة الأميركية العالمية وترميم سمعة الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً، يصطدم بوقائع المتغيرات العالمية في السنوات الأخيرة وصعود الصين وروسيا تحديداً.
 إزاء ارتسام التجاذب بين واشنطن وموسكو، سيكون الشرق الأوسط أحد المسارح البارزة للبدايات الصعبة بين سيدي البيت الأبيض والكرملين، وإذ نسمع الكثير من الجعجعة أو الضجيج من الجانب الأميركي في ملفات حساسة، يبدو الجانب الروسي مصمماً على التمسك بمكاسبه وربما تعزيزها، ولذا سيحتدم الصراع العالمي على ضفاف الخليج العربي وفي بقاع المشرق، وفي سنوات بايدن لن تكون المهمة سهلة في سياق اختبار القوة الأميركي – الروسي.
اتسمت العلاقة بين واشنطن وموسكو باستمرار التوتر خلال الولاية الأميركية السابقة، لكن للمفارقة أن الصِّلة الشخصية بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين لم تهتز، ومن اللافت أن عهد ترامب بدأ في 2016 مع اتهام روسيا بالتدخل في حرب إلكترونية لصالحه، وانتهى أواخر 2020 مع اعتراف واشنطن باختراق سيبراني هائل وأيضاً كانت روسيا موقع الشك الأول، ومع وصول الإدارة الديمقراطية الجديدة بدت موسكو حذرة من توجهاتها ومن العودة إلى نهج مؤسساتي في العلاقات والأولويات الأميركية. لكن بايدن أعطى للوهلة الأولى إشارة إيجابية بعد أيام على تمركزه في البيت الأبيض مع تسهيل توصل البلدين إلى اتفاق حول تمديد معاهدة نيو ستارت حول الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، وحيال التساؤل عن السبب وراء اتصال أجراه بايدن مع بوتين، وكان أول اتصال له مع زعيم عالمي، فسر البعض ذلك دليلاً على الاهتمام بالصلة مع موسكو.
وبرز بعد ذلك التشدد الأميركي إثر تطورات قضية نافالني التي أخذت تلقي بثقلها على مجمل العلاقات الروسية – الغربية، وزادت الأمور تدهوراً بعد مداخلات بايدن وردة فعل موسكو، وكان بايدن مباشراً ولهجته حازمة عند تطرقه إلى العلاقة مع موسكو خلال أول خطاب دبلوماسي له منذ توليه الرئاسة، إذ أعلن عن عهد جديد في السياسة الخارجية الأميركية. وقال بايدن حرفياً إنه أبلغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين بأن أيام تراجع الولايات المتحدة في مواجهة ما وصفها بأنها أفعال عدائية من جانب روسيا قد ولت، ولم تتأخر ردة فعل الكرملين الذي وصف التصريحات التي أدلى بها بايدن بـ”الخطاب العدواني وغير البناء”، مشيراً إلى أنه لن يتهاون مع أي إنذارات أميركية.
ستنعكس هذه الأجواء على الصفيح الساخن للشرق الأوسط الملتهب خصوصاً في الملف الإيراني والنفوذ الروسي في سوريا والملف الليبي والعلاقة مع تركيا ومستقبل الصراع الإسرائيلي – العربي، بالإضافة إلى صراعات النفوذ والطاقة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر.
لا يتمسك الفريق الجديد للسياسة الخارجية في واشنطن بكل ما أنجزه الثنائي ترامب – كوشنير خصوصاً تشريع ضم الجولان والملف الفلسطيني، واللافت أن وزير الخارجية بلينكن يتحدث عن “السلام” بين إسرائيل والفلسطينيين بطريقة مختلفة ظنّت إسرائيل أنها انتهت بعد “صفقة القرن” واتفاقات التطبيع مع دول عربية خليجية وأخرى أفريقية.
التعارض الأهم مع الإرث الترامبي يكمن في الملف الإيراني وكذلك حرب اليمن والموقف من المملكة العربية السعودية، أما حول التطبيع الإسرائيلي مع عدة دول عربية وملفات سوريا والعراق وليبيا والحرب ضد الإرهاب ستكون الاستمرارية هي السمة البالغة، حيال التموضع الأميركي الجديد الملتبس أو المتردد بالنسبة للعديد من الأطراف المعنية، تبدو روسيا بوتين واثقة من خياراتها وقدرتها على التكلم مع الجميع وأن تكون صديقاً أو محاوراً لكل الأطراف الرئيسية من إيران إلى إسرائيل وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية والجزائر.