سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

التعليم أولاً.. تمرد على الزواج المبكر للفتيات في مصر

قاد الوعي الكبير لدى الجيل الصاعد من الشباب نسبة كبيرة منهم إلى الاقتناع بفشل الزواج المبكر، من خلال الحالات الكثيرة المحيطة بهم، والتي تتعلق بالفارق الكبير بين الأم المثقفة ونظيرتها الأميّة. ويرى متخصّصون في العلاقات الأسرية أن كل فتاة لا تكمل تعليمها هي نواة لأسرة تفتقد الحد الأدنى من الوعي بطبيعة تكوين الأسرة وتربية الأبناء.

وأظهرت أرقام حكومية اتساع الشريحة الشبابية في مصر المؤمنة بحتمية أن يكون استكمال تعليم الفتاة أولوية قبل زواجها، في مؤشر عكس ارتفاع منسوب الوعي بشأن خطورة الزواج المبكر، ونتائجه الأسرية والشخصية التي تتعلق بالفتاة.

وكشف استطلاع للرأي أجراه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء مؤخرا أن 82 في المائة من المواطنين البالغين ثمانية عشر عاما فأكثر، أبدوا اعتراضهم على زواج الفتيات قبل استكمال تعليمهن، وعدُّوه أولوية ترتبط بأهمية أن تكون الأم متعلمة ومثقفة وواعية بقيمتها الأسرية ودورها المحوري في المجتمع.

وأقرت غالبية من شملتهم عينة البحث بأن التعليم حق أساسي للفتاة، ويجلب للأسرة مكاسب عدة في المستقبل؛ لأنها حجر الأساس في التنمية والتحضر والوعي والتثقيف، ما يشير إلى أن النسبة الأكبر من المقبلين على الزواج تدعم تعليم المرأة جيدا قبل تزويجها مبكراً.

وأرجع مسؤولون حكوميون ارتفاع نسبة الشريحة المؤمنة بتعليم الفتيات بعيداً عن استسهال الزواج في وقت مبكر، أو ما يعرف بزواج القاصرات، إلى نجاح البرامج التوعوية في إقناع الشباب وأسرهم من خلال حملات تثقيف تنزل إلى أرض الواقع للحديث مع الناس حول مخاطر الزواج المبكر ومشاكل التسرب التعليمي مستقبلاً. ولا تبدو خطط التوعية الحكومية عملياً مؤثرة في قناعات أرباب الأسر في المستقبل ممن شملتهم عينة البحث، بل إن ارتفاع منسوب الوعي لدى الجيل الصاعد، هو من قاد نسبة كبيرة منهم للاقتناع بفشل الزواج المبكر، وأنهم مقتنعون بذلك جراء الشواهد الكثيرة المحيطة بهم، وتتعلق بالفارق الجذري بين الأم المثقفة ونظيرتها الأميّة.

ويختزل خطاب الحكومة المرتبط بالتوعية بتعليم الفتيات في محاربة معدلات الإنجاب المرتفعة؛ لأن الزيادة السكانية تقلل من مستوى التنمية في البلاد، لكن الجيل الجديد لديه مبررات أكبر تتعلق بقيمة أن تكون الأم متعلمة، وواعية كي تؤسس أسرة مستقرة وتربّي أولادها وتعلمهم وفق متطلبات العصر.

وتغفل الحكومة المصرية عن خطورة الانسحاب من دعم الكثير من السلع والخدمات الأساسية على ملف تعليم الفتيات، حيث صارت متهمة من شرائح أسرية بأنها تتحمل الجزء الأكبر من أسباب انتشار التسرب التعليمي للإناث ودفعهن إلى الزواج، لأنها رفعت تكاليف الدراسة على الأسر، ولم يعد عدد كبير منها يستطيع تلبيتها، لذلك يستسهلون تزويج الفتيات في سن صغيرة.

فلم يعد تعليم الأنثى في نظر شريحة من الأسر له أولوية، وتنامى هذا الشعور مع موجات الغلاء المتصاعدة وتدهور مستوى المعيشة، وتنصل الحكومة من تطبيق مجانية التعليم التي أقرها الدستور، وكلها أسباب دفعت بعض أرباب الأسر إلى المساعدة على تسرب الفتيات من التعليم وتجهيزهن للزواج مبكرا.

لكن شريحة شبابية كبيرة تنتمي إلى الجيل الحالي في مصر، تدرك أن تسرب البنات من التعليم يكرس الجهل، فالفتاة التي لا تكمل تعليمها ترث الأفكار والعادات والتقاليد السلبية، مثل الزواج المبكر وختان الإناث، وإسقاط حق التعليم من حساباتها.

وأشارت وزارة التربية والتعليم المصرية في كانون الثاني الماضي إلى أن نسبة الأمية في الفئة العمرية من 15 سنة فأكثر بين الذكور، وصلت إلى 19 في المائة، وبلغت النسبة بين الإناث 28 في المائة، وهي أرقام كبيرة إذا ما قورنت بأعداد الطلاب المنتسبين في المدارس الحكومية، ووصلت إلى 26 مليون طالب وطالبة، في المرحلة الابتدائية، وحتى الثانوية العامة (البكالوريا).

وتؤمن منظمات نسوية في مصر بأن الفتاة كلما كانت متعلمة وأكثر ثقافة تمتلك شجاعة المواجهة ضد أيّ قرار أسري قد يجبرها على الزواج في سن صغيرة، وستصبح لديها قدرة على الاحتجاج بحكمة ضد الضغوط العائلية، التي ربما تدفعها لارتكاب فعل ترفضه وتراه مؤثرا على حياتها ومستقبلها، ويجعلها أسيرة لشخص لم تختره بإرادتها عندما تتزوج في مرحلة مبكرة. ويرى متخصّصون في العلاقات الأسرية بالقاهرة أن كل فتاة لا تكمل تعليمها هي نواة لأسرة تفتقد الحد الأدنى من الوعي، والفهم لطبيعة تكوين الأسرة وتربية الأبناء.

ويعتقد هؤلاء المتخصصون أن ارتفاع منسوب الوعي لدى الشباب والفتيات بقيمة تعليم الأنثى سوف يمهد الطريق لخلاص المجتمع من عادات وتقاليد عفا عليها الزمن، ويؤسس لواقع أسري إيجابي يرتبط بتغيير النظرة نحو قيمة المرأة ومكانتها داخل العائلة والمجتمع، بعيدا عن العرف الأسري الذي يختزل دورها في الإنجاب وخدمة الزوج، وهي مفاهيم مغلوطة ارتبطت بغياب الوعي اللازم لدى أجيال سابقة.

وتظل المعضلة الحقيقية في استمرار تعامل بعض الأسر في مناطق ريفية وشعبية وقبلية مع تعليم الفتاة كأنه من الأمور المعيبة، حيث يزعم البعض أن الفتاة مكانها منزل والدها أو زوجها ولا قيمة كبيرة لتعليمها جيدا، ففي النهاية لن تذهب إلى وظيفة وستصبح أمّا وربّة منزل، ويظل الأمل في شباب أظهروا تمردهم على الزواج قبل استكمال الدراسة والمراحل التعليمية المختلفة.

أوضح محمد هاني استشاري العلاقات الأسرية في القاهرة، أن احتجاج شريحة من الشباب على عدم تعليم الفتاة قبل زواجها هو نقطة تحوّل مهمة للقضاء على زواج القاصرات في مصر، لأن الزواج المبكر أحد أسبابه الرئيسية عدم استكمال التعليم، وما يترتب عليه من نتائج تؤدي إلى تكوين أسر لا تمتلك الحد الأدنى من الوعي والفهم والتكيف مع طقوس ومقتضيات العصر.

وطالب في تصريح لـصحيفة “العرب” بضرورة الاستثمار في ارتفاع منسوب الوعي تجاه تعليم الفتيات، من خلال الكف عن تحميل الأسر فوق طاقتها، فارتفاع تكلفة التعليم بالتوازي مع الظروف المعيشية الصعبة قد تكون له انعكاسات سلبية كأن يشعر بعض الآباء بأن تعليم الفتاة عبء ثقيل، وإذا استمر هذا الشعور؛ فإن غياب تعليم الفتيات لأجل تزويجهن لن يتوقف.

ووفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)؛ فإن عدم تعليم الفتيات على رأس الدوافع التي تفضي إلى زواج القاصرات في مصر وارتفاع نسبته، ما يفرض على الحكومة مسايرة الوعي الذي يزداد عند الجيل الجديد بقيمة تعليم الفتيات وأهميته قبل أن تجد كل فتاة نفسها عاجزة عن مواجهة الأمية والإنجاب المبكر.