سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الاكتئاب قادر على تغيير تركيبة حمضك النوويّ!

لا يقتصر تأثير الاكتئاب على عقليّتك فقط، إنّما يترُك آثاراً على حمضك النوويّ أيضاً، وهذا ما بيّنه العلماء بتقرير من مركز أبحاث ويلكوم ترست لعلم الوراثة البشريّة (WTCHG).
في بادئ الأمر، كانت النتائج مُفاجئة، بحيث قابلها العُلماء بالتشكيك واعترفوا بحاجتهم لقدر كبير من الإقناع حتى يُصدقوا أن الأمر لم يكُن مُجرد مُصادفة.
وكما هُو مُوضح في علم الأحياء الحالي، بدأ الاكتشاف بإجراء فحص للحمض النوويّ لأكثر من 11.000 شخص، والكثير منهُم كان يُعاني ولديه سوابق مع الاكتئاب الذي يُسبّبه التوتر لديهم، وأُدرجت الضوابط الصحيّة أيضاً تحت المُقارنة.
في البداية، كان العُلماء يبحثون عن الجينات المُرتبطة بزيادة خطر التعرض للاكتئاب .
وبدلا من ذلك، لاحظ الباحثون أن الاكتئاب المُتعلق بالتوتر، مُرتبط مع زيادة كمية الجينوم الثاني للخلية وهو: الحمض النوويّ للميتكوندريات (الميتوكندريا).
الميتوكندريا تُمثل مراكز توليد الطاقة في الخلية، حيث تُولّد الطاقة للخلايا حتى تزدهر، وزيادة الحمض النوويّ للميتوكندريات عند الأشخاص الذين يُعانون من التوتر، لهُ آثار مُثيرة للاهتمام.
تُكافح الميتوكندريا لتولد الطاقة للخلايا بشكل فعال عندما يكون الشخص تحت ضغط وتوتر، لذا يحتاج الجسم للتعويض وتوليد المزيد من الميتوكندريا، وذلك حتى يسدّ الزيادة في الطلب على الطاقة.
وباتخاذ خُطوة أخرى إلى الأمام، قام العُلماء باختبار التغيرات الجُزيئية في الفئران التي خضعت لأربعة أسابيع من التوتر. فوجدوا أنّ الفئران لم تُظهر فقط الزيادة المُتوقعة في الحمض النووي للميتوكندريات، ولكن حدث انخفاض أيضاً في طول القُسيمات الطرفية (Telomeres) لديها.
والتيلوميرات تعمل كغطاء على نهاية جدائل الحمض النووي، والتي تحمي الكروموسومات لدينا من التدهوُر أو التفسخ، وبالتالي فُقدان المعلومات الوراثيّة! وفي كُل مره تنقسم فيها الخلية، يحدث نُقصان قليل في طول القُسيمات الطرفية، حتى تصل إلى حد، لا تقدر الخلية فيه على الانقسام مرة أُخرى.
إذن تآكل التيلو ميرات في هذه الفئران بسبب التوتر، يُشير إلى أن التوتر يُقلل من متوسط عُمر الشخص المُتوقع. ولكن هذا ليس كل شيء، فقد اكتشف الباحثون أيضاً، أن التغيرات في طول التيلوميرات والزيادة في الحمض النوويّ للميتوكندريات قابلة للانعكاس بشكل كبير. وبعد أن تم تحرير الفئران من حالة الإخضاع للتوتر، عادت جُزيئات الحمض النووي كما كانت عليه قبل التوتر (شُفيت).
إذن لماذا الاكتئاب الناجم عن التوتر، يُعتبر أنّهُ اضطراب بالمزاج، وتظهر آثاره على المستوى الخلويّ في الجسم فقط؟ هناك العديد من الأمور التي تُسبب التوتر: نقص الغذاء، و سوء المُعاملة، على سبيل المثال.
والتوتر يقلّل من فعاليّة الميتوكندريا، ونتيجة لذلك، يقوم الجسم بزيادة جُهوده حتى يُحافظ على استمرار عمليات الأيض بداخله. بمعنى، قد يكون الاكتئاب هُو استجابة الجسم للإجهاد من حوله.
هذه الدراسة، فتحت لنا المجال والإمكانات المُثيرة حتى نُعالج الاكتئاب في المُستقبل. مُنذ أن أصبحت التغيرات الجُزيئية في الحمض النووي قابلة للإنعكاس، أصبح هُناك إمكانية لتقييم مدى نجاح العلاج على المُستوى الجُزيئيّ. والمُؤشرات المُستقبلية المُحتملة لنجاح هذه الأمر، تكون بتخفيض عدد الميتوكندريا وإستعادة التيلوميرات لطولها الأصليّ.