سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الاستكتابُ فكرةً

صلاح مسلم_

يعدّ موضوع الاستكتاب موضوعاً معقّداً وشائكاً، فمن جهة يبحثُ الكاتب عن لقمة عيشه من خلال الاستكتاب، ومن جهة نرى أنّ للاستكتاب نتائج سلبيّة جمّة.
يعدّ الاستكتاب ضرورياً لجذب الكفاءات، وخلق المنافسة بين الكتّاب، ولكلّ مهنة أجر في المراكز البحثية عند الدول والمنظّمات، ووسائل الإعلام المقروءة، فصار الباحثون، يطوّرون من أدواتهم للوصول إلى أبحاث قيّمة.
لا شكّ أنّ الأبحاث الجماعيّة، تعتمد على الطاقات الفرديّة، والفرق الجماعيّة المتخصّصة، وتعتمد المراكز البحثيّة على الطاقات المحلّيّة، فلا يمكن لمركز أمريكيّ على سبيل المثال، أن ينهض بأيّ بحث عن الشرق الأوسط، دون الاعتماد على الكفاءات المحلّيّة، فتعتمد أيضاً على المنظّمات، أو تنشئ منظمات، أو مسابقات بحثيّة، أو من خلال الإعلام العالميّ، الذي يصل إلى الشرق عبر المكاتب الرسميّة المرخّصة.
قد صرفتِ المراكز البحثية العالميّة أموالاً طائلة على الكتّاب؛ للوصول إلى أبحاث عالميّة، وأضحت المراكز الاستخباراتية وخارجيّات الدول كلها، تعتمد على الأبحاث والدراسات الميدانيّة، وقد اعتمد النظام العالمي المهيمن على الأبحاث، والدراسات؛ لسيطرة الدول على بعضها، والسيطرة على الشعوب في الدرجة الأولى.
تصرِف المؤسّسات الإنتاجيّة، والدول الاقتصاديّة، والمتحكّمة بالنظام العالميّ، نِصف مِيزانيّاتها على الدّراسات العلميّة والفكريّة، وقد كانَ لهذه الدراسات دورٌ كبير في هذا التطوّر العلمي التكنولوجيّ، وقد اعتمدت هذه الدول على الدراسات لسيطرة الدول على شعوبها، من خلال الإعلام، والنظريات المروّضة للشعوب، مثل ترّهات التنمية البشرية والبرمجة اللغويّة العصبيّة، وسيطرة الدول على بعضها من خلال لعبة رفع العملة، التي تستفيد منها الطبقات الرأسماليّة كلّها، لأنّها استنزاف للشعب فحسب.
بات كلّ مجال له أجره، فالمجال النووي أجر الدراسات فيه أعلى، ومجال الاتصالات أيضاً… أي تسلسل المجال العلمي، وكذلك المجالات الفكرية والأدبيّة، التي تروّج لمنظومات الرأسمال المالي، فبات ترتيب علامات البكالوريا مرتبطاً بالتحصيل المالي.
لقد اعتمدت الدول، منذ نشأتها على الاستكتاب، فقد كان هارون الرشيد والمأمون على سبيل المثال، يزن كلّ كتاب مترجم للعربيّة وزنه ذهباً، فصار هناك كتّاب للدولة، وظلّ هذا الصراع ما بين كتّاب الدولة، وكتّاب المجتمع، فعلماء العقائد والنظريات المجتمعيّة، لم يكونوا باحثين عن الاستكتاب، فلم يبحث غرامشي عن المال لقاء كتاباته، وكذلك ماركس وابن رشد والحلّاج، وأوجلان، ودنيز كزميش، وغيرهم من كتّاب الفكر، وكذلك العلماء، الذين كرّسوا وقتهم لمخابرهم واكتشافاتهم، واختراعاتهم، ومنهم من ضحّى بحياته، لقاء أفكاره ونظريّاته.
كانت وما زالت طبقات العلماء موجودة إلى يومنا هذا، فهناك علماء السلطة، والنظام المهيمن، وهناك علماء ومفكرو الثورات، ولا بدّ لأيّ مفكّر، أن ينتهج الخطّ الذي يريده، والمشكلة تكمن في البحث عن آلية لإرضاء الخطَّين المتناقضَين.
من سلبيات إشكالية الاستكتاب، أنّها تفرز الكُتّاب إلى طبقات، فلكلّ مفكّر أجرٌ معيّن، والمتحكّم بهذا الأمر، ليس قدرة الكاتب المعرفيّة، والتقنيّة، والإبداعيّة، بل دنوّه من النظام العالميّ، والترويج الإعلاميّ له.