سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الاحتلال التركي… الأفعال تكّذب الأقوال

تحقيق/ رامان آزاد –

تمارسُ دولة الاحتلال التركي سياسةَ المراوغةِ والتلاعبِ في القضية السوريّة، ففيما تقولُ علناً إنّها حريصة على وحدةِ الأراضي السوريّة وتحضر اجتماعات أستانه، وتُسقِط تهمةَ التقسيمِ على الكرد، تعملُ حثيثاً على تغييرِ الوقائع على الأرض، وتنفّذ إجراءات التقسيمِ الفعليّ والتغيير الديمغرافيّ. وما بناء الجدار مؤخراً في عفرين، إلا تأكيدٌ على محاولةِ الضمّ وتقسيمِ الجغرافيا الوطنيّة، فيما تستثمر ملفَ التركمان لتحقيقِ أجندتها.
أستانه تساير أنقرة
أستانه بالنسبة لأنقرة محطةُ التحوّلِ المهمة، ليس في تغييرِ سياستها بل في إضفاءِ الشرعيّةِ عليها، فقد بدت موسكو أكثر سخاءً من واشنطن بالنسبة لها؛ ذلك لأنّ موسكو تحاول عبر الإغراء تغيير التموضع التركيّ، وثمّة مسائل تمّ التوافق عليها، في سياق مشروع التشبيك البريّ الذي تقوده روسيا، فيما يسمّى النظرية الأوراسيّة. وأما أنقرة فقد استفادت كثيراً من منصة أستانه واستناداً لها توغلت في إدلب وأقامت نقاط المراقبة، وحاولت جاهدةً إرجاءَ العملية العسكريّة الروسيّة في إدلب.
الحقيقة أنّ فكرةَ إنشاء منطقة خفض توتر بدعةٌ روسيّةٌ صرفة، إذ لا يُعرفُ عن موسكو أنّها قادت عمليات سلام، بل تعتمدُ سياسةَ البتر واستخدام القوةِ المفرطة، ومع انفتاحها على أنقرة؛ نجحت باستعادة السيطرة على حلب وتلك كانت بداية التعاون معها. وعمليّاً لم تؤدِ هذه المناطق إلى وقف إطلاق النار أو انطلاق حوارٍ وطنيّ جاد، وإنّما كانت عملياتِ فرزٍ ونقلٍ للمسلحين من منطقة إلى أخرى واُسندت المهمة لأنقرة باعتبارها الطرف الضامن للإرهابيين، وكانت موسكو تهدف إلى قطع الطريق على الأمريكيّ.
انتهت الجولة 12 من أستانه في العاصمة الكازاخيّة نور سلطان ولم يتوصلِ المجتمعون إلى اتفاقٍ حول المسائل التي وردت في جدول الأعمال، ومنها بيان وضع إدلب التي فشلت دولة الاحتلال التركي في إيجاد منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20 كم. كما فشل الثلاثي الضامن بالاتفاق على تشكيلِ اللجنة الدستوريّة. وأعلن المبعوث الخاص للرئيس الروسيّ إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، فشل المشاركين في الجولة الـ12 للمفاوضات بصيغة أستانه حول سوريا في التوصل لاتفاق على تشكيل اللجنة الدستوريّة، كما لم يتفقوا حول ملف المعتقلين. ورجّح رئيس الوفد الروسيّ إعلان القائمة النهائيّة للجنة الدستوريّة السوريّة في جنيف.
والمفارقة أنّ البيان الختاميّ ذكر أنّ الدول الضامنة تؤكّد على “وحدة الأراضي السوريّة، وتدين القرار الأمريكيّ بشأن الجولان السوريّ”. رغم أنّ دولة الاحتلال التركي تحتل مساحة توازي أربع أضعاف مساحة الجولان. وأضاف البيان أنّ “الدول الضامنة اتفقت على إجراء العملية السياسيّة في سوريا بقيادة دمشق ورعاية أمميّة، كما اتفقوا على ضرورة التنفيذ الكامل للاتفاقيات في إدلب، والعمل على الحد من سيطرة “هيئة تحرير الشام” على إدلب”. وبعبارة أخرى تجاهل الاجتماع الاحتلال التركيّ، وفشلت مساعي موسكو في اللجنة الدستوريّة، فكان الرد في إدلب عبر قصفٍ جويّ روسيّ على بعض مواقع المرتزقة في حماة وإدلب وسط سوريا وشمالها. فيما شنّت غرفة عمليات “وحرّض المؤمنين” هجوماً بصواريخ غراد على القاعدة العسكريّة الروسيّة في حميميم، إضافة إلى هجوم بريّ ضد مواقع الجيش السوريّ في سهل الغاب، وتضمُّ غرفة العمليات التي تشكلت في شهر تشرين الثاني 2018 (حراس الدين، أنصار التوحيد، أنصار الدين، وأنصار الإسلام)، وهي المجاميع لم تقبل باتفاق سوتشي، ولم يصدر عن الجيش الروسيّ أيّ تفاصيل حوله.
وقال بيان الخارجية التركيّة أنّ الأطراف اتفقت على الحفاظ على التنسيق فيما بينها فيما يتعلق بالأوضاع في مناطق شرق الفرات بسوريا. وأعربت الدول الضامنة عن رفضها للأجندات التي تستهدف وحدة التراب والكيان السياسيّ لسوريا، وتهدد الأمن القوميّ للدول المجاورة ورحبت بالخطوات المتخذة في إدلب، بما في ذلك الدوريات المشتركة (بين تركيا وروسيا).
أنقرة والتلاعب بملف التركمان
التركمان أهم الملفات التي يتلاعب بها أردوغان في سوريا، وطالبت أنقرة مراراً المجتمعَ الدوليّ بإنشاء “منطقة آمنة” شمال سوريا ذات أغلبيّةٍ تركمانيّةٍ، وعبّرت في كلّ مناسبة عن تضامنها مع التركمان، وأنّهم سوريون من أصول تركيّة. كما عبّرت مراراً عن قلقها بشأن الدعم العسكريّ الروسيّ لدمشق.
أثبتت سياسة التدخل التركيّة في العراق وسوريا مطامعها تجاه البلدين، فالسلوك الذي تتبعه تجاه التركمان في كركوك لا يختلف عما تقوم به مع تركمان سوريا، بجعلهم مطايا لتحقيقِ هدفِ التوسع، وتفكيك الجغرافيا الوطنيّة، وبالتوازي مع تأزم الوضع في البلدين كانت تعزز وجودها العسكريّ على الحدود ومن ثم تجاوزها، ففي شمال العراق أقامت معسكرات لقواتها ورفضت الاستجابة لمطالبة الحكومة العراقيّة بسحب قواتها، فيما كان مسؤولها وعلى رأسهم أردوغان، يندبون سوء الحظ في لوزان.
كانت دولة الاحتلال التركي متجاهلة وجود التركمان في سوريا قبل الأزمة، ومر عقدٌ من الزمن وصلت فيها العلاقات السوريّة التركيّة إلى مرحلة متقدمة من التنسيق والتعاون، ومع اندلاع الأزمة السوريّة تغيّرت نبرة الخطاب التركيّ، واتجهت دولة الاحتلال التركي إلى تشكيل مجالس عسكرية تركمانيّة، وكان منها: (كتائب السلطان عبد الحميد، كتائب جبل الإسلام، اللواء التركمانيّ الأول في منطقة القلمون قرب الحدود اللبنانيّة، لواء أحفاد عثمان بريف حمص الشماليّ، فرقة السلطان مراد بريف حلب ـ ولواء محمد الفاتح، لواء سمرقند، ولواء المنتصر بالله، كتائب أنوار الحق التركمانيّة، لواء ممدوح جولاه، الفرقة الساحلية الثانية بقيادة بشار منلا، الفرقة الساحلية الأولى بريف اللاذقية).
من الواضح تماماً أنّ دولة الاحتلال التركي تعمدت استخدام أسماء ذات دلالة تاريخيّة تتصل بالدولة العثمانيّة في استحضار مباشر للتاريخ، لتؤكد للتركمان أنّهم في انتمائهم امتدادٌ مباشر لتاريخ الدولة التركيّة وفي إشارة لدعمها لهم.
وبدأت أنقرة تتحدث عن مظلومية تركمان سوريا وعن حقوقهم وبادرت إلى تأسيس المجلس التركمانيّ السوريّ عام 2013، ومن ثم تأسيس كتائب تركمانيّة خاصة فيما بادرت الكرد السوريين بخطاب عدائيّ ودعمت فصائل الإرهاب بمختلف مسمياتها لاستهداف الكرد وعملت إقصاء المكون الكرديّ من المشهد السياسيّ السوريّ ورفضت حضور ممثلين عنه في مباحثات الحل.
الموقف التركيّ كان ذا بعد تقسيميّ؛ لأنّه سلخ تركمان سوريا عن هويتهم الوطنيّة السوريّة وكشف عن مخطط توسعيّ مؤطر أيديولوجيّاً يقوم على دعم حركات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون)، فقد أرادت أنقرة إظهار نفسها الأم الرؤوم المدافعة عن التركمان وحقوقهم، وتخلت عن سياسة حسن الجوار التي يفترض أنّ تؤسس على مرتكزات سياسيّة واقتصاديّة وقانونيّة تتوافق مع القانون الدوليّ، وتحولت من التناقض السياسيّ والتضامن مع المعارضة إلى عداء الشعب السوريّ ودعم الإرهاب الذي أوغل في سفك دماء السوريين.
أداة طيعة بيد أنقرة
حمل التركمان السلاح مع بداية عسكرة الحراك الشعبيّ في سوريا 2011، وتلقوا دعماً مباشراً من الاحتلال التركي (سياسيّاً وعسكريّاً وتمويلاً) وبخاصة في المناطق القريبة من الحدود السوريّة مع تركيا. وتم تأسيس فصائل عسكريّة من التركمان انضوت تحت مسمى الجيش الحر. وقد وتعهّد أردوغان، بمواصلة هذا الدعم وقال: “إننا ندعم أخوتنا التركمان في الباير والبو جاق وفي كلّ سوريا ونتعهّد بالاستمرار في تقديم الدعم لهم”.
وفي منتصف كانون الثاني 2012 استضافت الحكومة التركية، مؤتمراً للتركمان السوريين افتتحه في إسطنبول رئيس البرلمان جميل شيشاك، ورئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو الذي أكد التزام تركيا المطلق بالدفاع عن التركمان السوريين بكل الإمكانات والوسائل. وقال داوود أوغلو: “إنّ سوريا الجديدة ستضمن ويجب أن تضمن حقوق التركمان دستوريّاً وعمليّاً”. وفي 16/2/2012 أُعلن عن تشكيل الكتلة الوطنية التركمانيّة السوريّة في إسطنبول.
 تشكلتِ الألوية التركمانيّة السوريّة عام 2012 ويتجاوز عدد أفرادها 10 آلاف. وهم بين مجموعات مسلحة أخرى تلقت تدريباً عسكريّاً تركيّاً، تنشط في ريف اللاذقية. وأبرز هذه الوحدات العسكريّة، أهمها كتائب جبل التركمان، التي تشكّلت عام 2013، من انضمام 12 فصيل مسلح، إلى جانب مجموعات مقاتلة في شمال سوريا وهي: لواء نور الدين زنكي، لواء الظاهر بيبرس، لواء سليم الأول القاطع، لواء سلطان محمد الفاتح، لواء ممدوح جولاه، لواء صقور التركمان.
عُقدَ اجتماع 27/7/2015 في أنقرة، بين ممثلين عن الاستخبارات التركية والجيش التركي وممثلين عن 20 فصيلاً تركمانياً، من محافظتي حلب وريف اللاذقية الشمالي، ومن منطقة باير بوجاق ذات الغالبية التركمانيّة، بهدف العمل على تشكيل جيش تركمانيّ موحّد” ومن بين الكتائب التي تواجدت في الاجتماع، كانت “كتيبة السلطان مراد” العاملة في حلب، و”كتيبة المنتصر بالله”، و”كتائب السلطان محمد”، و”كتائب أنوار الحق التركمانية”.
التدخل الروسي 30/9/2015 اعتبر جميع الفصائل المقاتلة على الحدود التركية “جهاديّة” الأمر الذي شكّل تهديداً للمشروع التركيّ، وهو ما أدّى إلى إسقاط المقاتلة الروسيّة 24/11/2015.
19/11/2018 عقد تركمان سوريا، مؤتمراً برعاية من “المجلس التركمانيّ السوريّ” تحت مسمى “العلم التركماني” في بلدة الراعي بريف حلب الشمالي. وبحضور شخصيات من “الحركة التركمانيّة” وفصائل عسكريّة تركمانية (فرقة الحمزة، فرقة السلطان مراد، فرقة محمد الفاتح، فرقة المنتصر بالله). ويتألف العلم الجديد للتركمان من ثلاثة ألوان: اللون السماوي والأبيض والهلال والنجمة باللون الأحمر. وقال رئيس المجلس التركمانيّ السوريّ محمد وجيه جمعة: “إنّ الراية الموحّدة التي اختارها تركمان سوريا مؤخراً ستمثلنا وتوحّدنا”.
مع الاحتلال التركيّ لعفرين، وعد المجلس الأعلى للتركمان المُرحّلين من تركمانُ ريف حمص الشماليّ والجولان بالتوطين في عفرين بعد تهجير سكانها الكرد وإعاقة عودتهم. وطلب قادة تركمان فيما يسمّى “الجيش الحر” منهم بالتوجّه إلى قرى عفرين. وناشد “المجلس الأعلى التركمانيّ” مراراً الاحتلال التركي للتدخل لحمايتهم.
شجّعتِ القواتُ والحكومةُ التركيّة التركمان على التوجّه إلى منطقة عفرين، وشراء العقارات والأراضي، واستملاك ما يمكن ووفرت لهم مساعدات كبيرة، وقروضاً وتسهيلاتٍ إداريّة، ومكّنتهم من الوصول إلى قرى وبلدات جديدة هجرها أهلها بالكامل بداعي “أنّها منطقة عسكريّة” أو تقع قرب “المراكز العسكريّة” ومنحتِ التركمان وعوائل المسلحين الخاضعين لها الإذن للاستيلاء عليها.
استقدم المسلحون التركمان، عوائِل تركمانية من مدينة إعزاز وقُدمت لهم منازِل سكنية في قرية قرنة التابعة لناحية بلبله، وقرية باسوفان بناحية شيراوا. وتشير المعلومات إلى توطين نحو 600 عائلة تركمانيّة بمركز ناحية بلبله وحدها.
وقد برز نشاط التركمان واضحاً في الآونة الأخيرة، وشكّلوا مؤسسات وتنظيمات مثل “تجمع شباب تركمان سوريا”، الذي بدأ نشاطه بعفرين في آب 2018 وافتتح مؤخراً معهداً دينيّاً باسم “معهد الفَتح المُبين”، في قرية كورزيليه/ قرزيحل. وأظهر شريط فيديو نشره “التجمع” على صفحته الإلكترونيّة أطفالاً يرفعون شعارات ويتلون آيات قرآنيّة.
بين تصريحات أنقرة في المحافل الدوليّة والتظاهر بالحرص على سلامة سوريا ووحدة أراضيها، وأفعالها على الأرض من جرائم بالجملة اعتباراً من دعم الإرهاب وصولاً إلى الاحتلال ونوايا الضم، يبدو الدجل السياسيّ والكذب المكشوف.