سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإنسان الإله الجديد؛ (الهومو – ديو)

صلاح الدّين مسلم_

الإنسان الإله: هو كِتاب للكاتب الإسرائيلي الشاب نوح يوفال هراري؛ الحاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أكسفورد، وهو أستاذ جامعيّ في قسم التاريخ في الجامعة العبريّة في القدس.
وقد أصبح كتابه (الإنسان الإله: موجز تاريخ الغد) الذي ألّفه في عام 2017، من أكثر الكتب مبيعاً على مستوى العالم، شأنه شأن الكتب كلها، التي تمجّد الليبرالية، والنيوليبرالية، بل الكتب التي تجعلهما الصنم الجديد، والإله الجديد للنظام العالمي الجديد.
يلخّص الكتاب فكرةَ الوصول إلى مرحلة جديدة من التطوّر البشري؛ وهي قوى شبه إلهية (الهومو – ديو) أي السلالة الجديدة للإنسان (الآلة)، التي ستقوم بطرد الإنسان العاقل (الهومو – سابينس) من التاريخ، وتحلّ محله. فالليبرالية الغربيّة تنتصر انتصاراً ساحقاً عند هراري؛ فهي الخلاصة النهائيّة لجميع جهود البشر، منذ ظهور الإنسان العاقل (الهومو – سابينس) وصولاً إلى نهاية التاريخ، فمن خلال تحقيق هذا الفكر، يمكن الوصول إلى التطوّر التقني، وعولمة دولة الرفاه كصيغة أيديولوجيّة نهائيّة، تشتمل نهاية الصراع.
إنّ الإنسان الإله عند هراري، سيقضي على الدولة القوميّة، واللاهوت الدينيّ، والأيديولوجيا، والوباء، والمجاعة، والموت، وبالتالي سينتصر هذا الإنسان على الأخلاق، والهويّة، والقيم، والجانب المعنويّ للإنسان.
يثبت هراري، أنّ الإنسان هو مركز الكون، وأنّ الليبرالية والرأسماليّة انتصرتا على الشيوعيّة والأديان، وقد توجّه العالم نحو ديانة (عبادة الإنسان)، وتركيز الليبراليّة على تفرّد الإنسان وتفوّقه معرفيّاً، للوصول إلى تفوّق الآلة على الإنسان.
بعيداً عن النتيجة، التي توصّل إليها هراري في انتصار الآلة على الإنسان، والتنبؤ بزوال البشريّة، فإنّه يمجّد الرأسماليّة، ويعدّ نهاية التاريخ حتميةً تاريخيّة، شأنه شأن الكثير من مروّجي الليبراليّة كهنتغتون، وفوكوياما… وهذا ما أثبته الترويج الإعلامي الضخم لهذه الأفكار، فكُتب هراري قد بيعت بملايين النسخ، وترجمت كُتبُه إلى عشرات اللغات، وهذا ما يفسّر الترسانة الإعلاميّة للنظام العالميّ المهيمن المرعب، الذي يهمّش الحقائق، ويروّج للمفكّرين، الذين ينسفون التاريخ، والفكر، والفن، والأخلاق، والهوية، والصراع والجدلية، وجوهر الكون…
إنّ مسألة نهاية الإنسان فكرة قديمة، ذُكرت في الميثولوجيات والأديان، وقد انعكست الآن على الفكر، وبات الترويج لفكرة النهايات متداولة في الوسط الثقافي الغربيّ، وهي فكرة مستمدة من الدين الإسلامي، الذي جعل النبيّ محمّد (ص) خاتمَ المرسلين، أي نهاية الفكر الدينيّ، وجاء الإمام الغزالي؛ ليضع نهاية للاجتهاد قبل ألف عام.
لا بدّ أن نشيد بتناول هراري للجانب المعنوي، والمادّي للتيارات الفكرية المتصارعة، التي أفضت بانتصار الجانب المادّي (الذكاء التحليلي)، على الجانب المعنويّ (الذكاء العاطفي)، حسب تحليله، وهنا تنبع الخطورة في صدّ هذا الانتصار، الذي يعدّه هراري حتمياً، إذْ اعتبر المفكّر عبد الله أوجلان أنّ الفكر العاطفي، سيظلّ في صراع مع الفكر التحليلي، وهو صراع أزلي، ومفهوم الأمّة الديمقراطيّة، هو الحلّ التوافقي الأنجع لانتصار الجانب المادّي، وهو الذي سينقذ البشريّة من هذه الحتمية الهراريّة.