سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإسكافي مهنة إنسانيّة تعود للأضواء

 جل آغا/ غزال العمر ـ

بسبب ارتفاع كافة السلع ومنها الأحذية الجديدة؛ يلجأ الأهالي إلى تصليح أحذيتهم القديمة؛ لتوفير المال للاحتياجات الأكثر ضرورة لأنه لم يعد باستطاعتهم تأمين مستلزماتهم اليوميّة بالشكل الكامل.
غلاء أسعار الأحذية يدفع بأرباب العائلات بناحية جل آغا وريفها ليقصدوا محلات مصلحي الأحذية بكثرة جراء ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي الذي أصبح الشغل الشاغل للمواطنين من ذوي الدخل المحدود الذين يبوحون بهموم معيشية أثقلت كاهلهم على نغمات صوت الآلة التي يستخدمها الإسكافي لتصليح أحذيتهم.
“المواطن حافٍ”
 تحمل خاتون المصطفى من سكان ريف ناحية جل آغا الغربي في شمال وشرق سوريا 40 عاماً، أم لأربعة أطفال كيساً بيدها يحتوي أربعة أزواج من الأحذية القديمة تود تصليحها عند (الإسكافي) مُصلح الأحذية؛ فالحال والوضع المادي لا يسمح بشراء أحذية جديدة.
تحدثت خاتون لصحيفتنا “روناهي” عن معاناتها في تأمين أحذية لأولادها “حذاء الفلين الذي كنا نشتريه بـ ١٠٠٠ ألف ليرة سوريّة اليوم نشتريه بـ 6000 آلاف ليرة سوريّة” وتابعت بأنّ زوجها عامل يوميّة والمصروف غالٍ ولا قدرة لهم على إطعام الأولاد وكسوتهم بنفس الوقت، فالدولار يتجاوز حاجز الـ 3150 ليرة.
وتتابع الأم خاتون حديثها وتعابير الاستياء بدت واضحة على ملامحِ وجهها فأولادها يتبادلون الأحذية من الأكبر مروراً بالأصغر وتصلحها عند مصلح الأحذية مرة ومرتين لتقول ساخرةً من الوضع الذي يعيشه الأهالي هذه المرة “ليس الإسكافي حافٍ” كما يقول المثل “وإنّما المواطن”.
 زيادة في الإِقبال
 يقول محمد الجاسم ٥٥ عاماً وهو صاحب محل لتصليح الأحذية في ناحية جل آغا، يقصد محله باكراً من قريته كينجو حيث يمارس عمله في الناحية منذ عام 1990م؛ بأنّ ساعات عمله تضاعفت في هذه الفترة “فمن غير المعقول ترك الأهالي تنظر إليك على أمل أن تلبس أحذيتها وتتركهم وتمضي”.
وعن أكثر القصص تأثيراً والتي مرّت معه أثناء عمله يتحدث الإسكافي مستذكراً: “سوق الثلاثاء سوقٌ شعبي يُعتبر مجمعاً للقُرى المجاورة ويزدحم المحل في هذا اليوم”، تأتيه امرأة حافيةً تحمل حذاءها الذي قُطِعت أرضيته ليصبح قطعتين من جراء الطين الذي عَلِق به “أريد أن أصل أهلي” فما كان منه إلّا أنّ أخذ الحذاء وقام بتنظيفه من الطين وتصليحه لها لتزيد فرحتها عندما رفض أخذ ثمن التصليح منها.
 يرسم الفرح
 وكم من امرأةٍ ذرفت الدموع لصعوبة حالها وضيقه وكثرة أطفالها حيث تحدث الإسكافي عن إحداهن قائلاً: “جاءت تحمل كيسها وجلست تراقبني كيف أعمل استغربت صمتها الذي طال لأجدها تبكي عند التفاتي لها؛ فهي لا تملك ثمن تصليح أحذية لخمس صبية ينتظرن عودتها”.
 يتابع الجاسم حديثه قائلاً: “كان وضع الأحذية مزري للغاية وواجهت جهداً في تصليحها؛ لكن فرحة الأم فور انتهائي أنستني التعب” وهي لا تزال ترتاد محله ولا يتقاضى منها أجراً كما ذكر.
ولهذه المهنة الشعبية التقليدية والتي كادت تنقرض بسبب قلة الإقبال واللجوء للجديد قبل هذه الموجة من غلاء الأسعار التي رافقت سعر صرف الدولار ومتاعبها وأضرارها الصحية فالجاسم يعاني من آلامٍ في الظهر والرقبة والعيون لطول ساعات العمل والتركيز.
كما يعاني محمد الجاسم من ارتفاع أجور تصليح المكنات التي يستعملها والخيوط والمسامير وبقية المواد.
 مواقف إنسانيّة
 ولا يختلف الأمر في الجهة المقابلة من بلدة تربه سبيه المجاورة لجل آغا؛ حيث يلجأ السكان لمصلح الأحذية متوسمين به خيراً لإعادة مسيرة التحمّل لحذاءٍ يكاد صاحبه في السابق أن يرميه في القمامة هذا ما يحصل مع الإسكافي علي العارف الذي يعمل في هذه المهنة منذ خمسة عشر عاماً والذي يعتبر مهنته مهنةً إنسانية “عندما يدخل عليك شخص لتصلح حذائه قائلاً لك “دبرها بمعرفتك الله يوفقك”، فهذا يزيد من تعبك لأنّه وضعك أمام مسؤولية إعادة تصنيعها من جديد”.
بالرغم من الوضع المأساوي والرديء  للقطعة يحاول العارف  تصليحها “أشعر بخيبة أمله عندما اعتذر له عن تصليحها فوضع الناس صعب”.
 مواد باهظة الثمن
 وعن الأسعار التي يتقاضاها جزاء عمله يشير بأنّها بسيطة إذ ما قورنت بثمن البضاعة التي تضاعف سعرها عدة مرات فعلبة المسامير التي كانت بألف ليرة وصلت إلى خمسة آلاف ليرة سورية والخيوط كذلك ارتفعت أسعارها عدا عن تأخر وصولها بالشحن بحسب وصف العارف الذي لا يصلح الأحذية فقط بل هناك من يريد درز محفظته ومنهم من يريد درز غطاء هاتفه تحسباً لأيّ طارئ من الممكن أنّ يُتلف تلك القطع التي ارتفعت أسعارها.
 “الله يعين الفقير”
 ينتظر هوكر تمي 39 عاماً من قرية “محركان” بريف تربه سبيه أب لثلاثة أطفال دوره كي يُنهي له مصلح الأحذية عمله فالشمس أوشكت على المغيب “لم نعد نقوى على شراء أحذية جديدة فسعر البوط الجديد أصبح 15000 ألف ليرة سوريّة” ويتابع: “ارتفاع الدولار أجبر الأهالي على إعادة صيانة وترقيع الأحذية”، ويختم هوكر تمي كلامه بقوله: “الله يعين الفقير الذي لا يتقاضى راتباً”.