سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإسكافي… حِرفة تستمد استمراريتها من إصرار ممتهنيها

قامشلو/ رشا علي –

بمكينة بِدائية ومطرقة وبعض من المسامير بدأت مهنة الإسكافي، وأصبح كالجراح يخيط ما يقع بين يديه من أحذية أصابها الضرر من المشي، ويُفضّل عمله اليدوي بدلاً من استخدام المكينة التي يعمل عليها برجليه، وجعلها ورثة لابنه.
مهنة الإسكافي هي من المهن البسيطة التي لازالت حاضرة في مجتمعاتنا، رأسمالها موهبة وعتاد بسيط، وشيء من الصبر والعزيمة يزاولها أشخاص لهم خبرة في إعادة وترتيب الأحذية القديمة والمستعملة التي تحتاج إلى ترقيع وصيانة من جديد حتى يتم استعمالها ثانيةً من خلال الخيط والإبرة والمسامير الناعمة أو بمكينة بدائية.
حِرفة يلزمها الصبر والإصرار
حرفة الإسكافي تزداد نشاطاً في ظل ارتفاع الأسعار فتحمي ذاتها من الانقراض، ناهيك عن اتخاذها كمهنة يورّثها الأجداد للأبناء فالأحفاد.
وحول هذا الموضوع التقت صحيفتنا “روناهي” مع إحدى الإسكافيين والذي ورّث مهنته إلى ولده “بحري حسين” البالغ من العمر سبعين عاماً والذي بدأ مشواره في العمل بمهنة الإسكافي منذ أكثر من 35 عاماً، تحدث لنا عن بداية عمله في هذه المهنة بإمكانيات بسيطة وعتاد جلبها معه من دمشق قائلاً: “بدأت بالعمل بمكينة وبعض من المسامير ومطرقة، لم أكن أعرف أي شيء عن هذه المهنة، ولكن شغفي دفعني إلى العمل بها، في البداية واجهت الصعوبة وبعض التحديات”.
وعن السبب الذي دفعه لامتهان هذه الحِرفة قال العم حسين: “عندما كنت أخدم في الجيش السوري أجريت عملية الركبة ووضع مفصل اصطناعي، وهذا الأمر منعني من العمل في أعمال تحتاج إلى جهود بدنية فاخترت هذا العمل وهو عمل ذو دخل جيد وغير معقد، فقط يلزمه بعض من الصبر والإصرار”.
35 عاماً من الكدح
كان حسين وعائلته يسكنون في حي ركن الدين بدمشق ونظراً لارتفاع الموقع وسوء أوضاعه الصحية نتيجة تلك الحادثة التي حصلت معه عندما كان عسكرياً اضطر للعودة إلى قامشلو والبدء من جديد بالمهنة التي اختارها ألا وهي مهنة الإسكافي لإعالة عائلته من كدحه.
الرجل الخمسيني عمل في مهنة المحببة بالنسبة له مدة عاماً ولدى التقدم في العمر وسوء وضعه الصحي تدريجياً لم يعد بإمكانه ممارسة ذلك كما السابق فأصبح بعيداً عن مهنة أحبها واختارها بنفسه وعن هذا الأمر ذكر: “ابتعادي عن مهنتي ليس بإرادتي فمنذ عدة أشهر وبسبب سوء وضعي الصحي ابتعدت عن عملي ومهنتي التي كنت أقضي معظم أوقاتي فيها، وسلمت المحل وجميع الأدوات إلى ابني آزاد الذي ورّثته المهنة”.
الابن يُكمل مسيرة والده
أما آزاد حسين والبالغ من العمر أربعين عاماً، الجالس في محل والده لتصليح الأحذية، يمسك بيده المطرقة والمسامير الصغيرة تتقافز بين يديه كالعصافير، يشخّص علة الحذاء ويقوم بتصليحها.
وحول مهنة الإسكافة الذي ورثها آزاد من والده “وهي مهنة شاقة للغاية وتفرض على ممتهنيها التعامل مع الأحذية القديمة والمهترئة”.
تعلّم آزاد الكثير من والده وواجه الكثير من التحديات أيضاً لكنه مُصر على إكمال مسيرة والده: “لا يتطلب هذا النوع من العمل سوى معدات ومواد أولية أهمها آلات الخياطة البسيطة وخيوط وإبر من أنواع معينة ومطرقة وسندان وقطع من الجلود الصغيرة ومواد أولية أخرى، في الكثير من الأحيان أعمل بيدي فلا أستخدم المكينة، يعتمد عملنا على المجهود الجسدي، عملنا لا يلزمه الكهرباء أبداً”.
ابتعد آزاد ضمن مسيرة كدحه في هذه المهنة عنها بعض الوقت لكنه وجد بأنها الأفضل والأنفع في الظروف التي يعيشها: “أعمل في هذه المهنة منذ الصغر، عندما أصبحت شاباً ابتعدت عن هذه المهنة لعدة سنوات، لأنني لم أكن أحب المكوث على الكرسي والعمل، كنت أحب أن أعمل عملاً يحتاج إلى مجهود جسدي، ولكن بعد عدة سنوات من الابتعاد عن هذه المهنة وبسبب شغفي بها ولأنها مهنتي الأساسية عدت من جديد أعمل به في دكان أبي”.
ليس لديه إمكانية لتطوير عمله
وعن العمل الذي يقوم به بيّن لنا آزاد حسين بأنه يقوم بتصليح الأحذية القديمة والحقائب، كما يقوم بصنع جُعب الأسلحة يدوياً وتواجهه بعض الصعوبات بسبب ارتفاع أسعار الجلد، كما نوه بأنه يملك القدرة على تفصيل الأحذية بسبب حبه وشغفه لهذه المهنة “ليس لدي إمكانية أن أطور عملي أكثر لتامين آليات والأدوات اللازمة”.
وعن إقبال المواطنين أردف آزاد حسين: “هناك إقبال جيد من المواطنين لإصلاح الأحذية وذلك بسبب غلاء أسعار القطع الجديدة”.
وعن إصراه في ممارسة هذه المهنة رغم قلة مردودها أفاد الابن آزاد “رغم قلة ما نجنيه من هذه المهنة وتعبها إلا أنني أحبها ولا أستطيع الابتعاد عنها”.
وعن الزيارات التي يقوم بها الوالد بحري حسين للمحل بعد أن ابتعد عن عمله وعجز عن المشي بسبب تدهور وضعه الصحي قال الابن: “أبي أحياناً يقوم بزيارتي كما يكشف على عملي، فعشق أبي لعمله ترك وراءه الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة للزبائن، والآن أجد أن عمله أعطى نتيجة في هذا الوقت بسبب ارتفاع أسعار الأحذية الجديدة”.