سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإدارة الذاتيّة ثورة الديمقراطيّة

تقرير/ رامان آزاد –

تتعددُ تعاريفُ الإدارةِ الذاتيّةِ الديمقراطيّة، ولعلها أبسطها تمكينُ المجتمعِ من إدارة شؤونه بنفسه ليكونَ صاحبَ القرار بمصيره، وإلغاء الوصاية عليه، وهي صيغةٌ حياةٍ توافقيّة تكفلُ استمراريّة العيش المشترك وتضمنُ السلمَ الأهليّ.
لم يكن إعلانُ الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة مجرّد تنظيمٍ للمجتمع وتمثيلٍ ديمقراطيّ لإرادة القوى والمكوّنات المجتمعيّة، بل كان في مداه الأوسع تعبيراً عن توافقٍ حول رؤيةِ الحلِّ السياسيّ والسلميّ للأزمة وعلاجاً لمشاكلَ متجذرةٍ لم يتصدَّ النظامُ لحلّها ومنها قضية الكرد، وحلّ القضايا التي استجدّت مع استمرار الأزمة.
الخطوات الأولى بمواجهة الفوضى
اندلعتِ الأزمة بفعلِ عواملَ تحريض مختلفة باسم الثورة وبمرور الوقت استهلكت شعاراتها واختزلت أهدافها وحصرت نفسها ببيئة اللون الواحد بتوجّهٍ دينيّ متطرّف, واتخذت مواقف عدائيّة من كلِّ الأطياف السوريّة، وتجاهلت حقائق التاريخ بأنّ لا سبيلَ لحياةٍ طبيعيّةٍ بالمنطقة إلا بقبولِ الآخر والعيشِ المشترك، وانحرفت إلى مفهوم السيطرة على الأرض، والدخول المسلح على كلّ المناطق، فكانتِ النتيجة الفوضى وفقدان الأمن وصولاً للحرب الأهليّة وخلق البيئة المناسبة للتدخل الأجنبيّ.
انضوتِ المعارضة السوريّة بشقيّها السياسيّ والمسلّح في الكنف الخليجي والتركيّ وضبطت إيقاعها وفق مواقفهما وسياستهما، وبذلك تمّ تأكيد صوابيّة الخط الثالث وصحّة تقييم مجريات الأحداث, فقد كان الإقصاء السياسيّ وحصار المناطق والاستهداف المسلّح دليلاً واضحاً على توجّهات الثورة وارتهانها، ولتتحوّل البلادُ إلى ساحةِ حربٍ مفتوحةٍ تعدّدت فيها ميادين المواجهة المسلّحة وتصبح قبلة المقاتلين الأجانب من شتى أنحاء العالم تحت مسمّى الجهاد. ومن القواسم المشتركة التي جمعت الفصائل المسلحّة على اختلاف مسمياتها وارتباطاتها استهدافها لمناطق الكرد والدعم المباشر من تركيا لوجستيّاً وسياسيّاً وكذلك منطلق الهجمات.
كانت الحياة المجتمعيّة وضرورات الحياة اليوميّة أولى ضحايا الأحداث، وتمّ استهدافها مباشرة وتعطيلها، بسبب المغالطة بالتقييم ومطابقة مفهوم الوطن والدولة والنظام، وأُريد عبر استهداف المؤسسات الخدميّة والمرافق العامة وقطع الطرقات تجفيف منابع قوة النظام ليُصار إلى إسقاطه، أي الإسقاط بالقوة.
كانت الرؤية مختلفة في ثورة روج آفا إذ وُضِعَ نُصبَ العين أنّ تحرير المؤسساتِ يعني إحياءها لتؤدّي عملها الصحيح في الخدمة المجتمعيّة، وعلى العكس كان المطلوب رفع كفاءة المؤسسات الخدميّة، باعتبار أنّ غاية الثورةَ هي رفعُ المعاناة والظلم عن كاهلِ المواطن؛ لا إضافة آلام جديدة وتعميق الأزمات، فكانت أولى الخطوات تشكيل مجالس شعبيّة تعكس حقيقة الواقع بمشاركة كلّ المكوّنات لتأكيد وجودها ضمن البناء المؤسساتيّ الذي سيتطور ليكون أساس الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة.
نتيجة حالة الفوضى بسبب الأزمة كان الفراغ من أكثر المشكلات التي طفت على السطح وشملت كلّ جوانب الحياة الإداريّة، الاقتصاديّة، الأمنيّة، والقضائيّة، ولم يكن من الممكن متابعة مسير الحياة الطبيعيّة دون جهة تفصلُ بالقضايا والتنازع بين الأفراد. إذ؛ أنّ ذلك يفضي لتجاوزاتٍ وتضييع الجهد الثوريّ، فشُكّلت لجان العدل لحلِّ القضايا الاجتماعية بعيداً عن مؤسسة الدولة البيروقراطيّة، واتّحدتِ النساءُ من كافة المكوّنات بكلّ حي وقرية وبلدة لتشكّلن مجالسهن الخاصة ومشاريعهن الاجتماعيّة والاقتصاديّة بعيداً عن استغلال مؤسسات السلطة، واجتمع المثقفون والمعلمون والفنانون والحقوقيون والأطباء والرياضيون والشبيبة وغيرهم من فئات وشرائح المجتمع المهمّشة ليشكّلوا البُنى الأوليّة والأساسيّة لاتحاداتهم ونقاباتهم بعيداً عن سلطة الدولة وبما ينسجم مع متطلبات الشعب التوّاق إلى حقوقه وحريته في البناء والتعبير.
كانت مسألةُ الهوية الوطنيّة والانتماء الوطنيّ محلَّ الاهتمام باعتبارها قضيةً أساسيّة لبناء المجتمع الديمقراطيّ، وتعني تأكيد توسيع الإطار الاجتماعيّ ليستوعبَ كلّ حالاتِ التنوّع وتُسقط كلَّ أشكال الوصاية والإلغاء، وألا يكون الانتماء الفئويّ أو الطائفيّ أو العرقيّ معيارَ الوطنيّة.
إعلانُ الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة
بمرورِ الوقتِ كان الكرد ومعهم مكونات شمال سوريا باتجاه مزيدٍ من التنظيم والاستعدادِ لمواجهة الأخطار المحدقة على المستوى الأمنيّ وردّ هجمات الفصائل المسلّحة وسطّروا ملاحم بطوليّة نادرة وليصبحَ اسم وحدات حماية الشعب والمرأة علامة فارقة لحالةِ صمودٍ ومقاومةٍ أسطوريّة, ومع تأمين حماية المناطق والقرى والدفاع عن الأهالي, بدأ تنظيم المجتمع باعتباره حاضنة الحياة، وكان ذلك الردُّ بمستوى المسؤوليّة الأخلاقيّة أمام ثقافة القتل والتدمير والإلغاء.
اعتمد تنظيم المجتمع أفقيّاً دون الهرميّة السلطويّة، انطلاقاً من مفهوم أنّ غاية كلّ تنظيم مؤسساتيّ هو خدمةُ المجتمع، ولا يمكن أداء هذه الخدمة بغيابِ المجتمعِ عن مراكزِ القرارِ. ولذلك؛ كان المنطلقُ من الكومين كأصغر خلية يُتخذ فيها القرار بالمجتمع عبر اللجان المنبثقة منها، ومن ثم المجالس الشعبيّة ومن ثم مجلس الشعب كإطار ديمقراطيّ يمثل إرادة المجتمع ويعزّزُ بناء الثقة بين المكونات بالتعاون والعمل المجتمعيّ على الأصعدة كافة، وتم تبنّي أخوة الشعوب والمساواة بالحقوق مبدأ أساسيّاً.
في 13/8/2013 أعلن حزب الاتحاد الديمقراطيّ عن مشروع الإدارة الذاتيّة، والعمل على تشكيل هيئة تشريعيّة، فرحبت الفعاليات السياسيّة والحزبيّة به، وفي 8/9/2013 اجتمع مجلس شعب روج آفا والمجلس الوطنيّ الكرديّ وتمَّ الاتفاق على تبنّي المشروع والتعاون لتنفيذه. وتضمن الاتفاقُ تشكيل لجنة لصياغة مسودة دستور مؤقت، وهيئة مؤقتة إدارة الانتخابات وتشكيل الإدارة الديمقراطية وتحضير قانون انتخابيّ ديمقراطيّ.
ومع استكمال الخطوات الأساسيّة وقبيل الإعلان الرسميّ عن المشروع، انسحبت أحزاب المجلس الوطنيّ الكرديّ دون تبريرِ السبب، ورغم ذلك اُستكملت الإجراءاتُ، وفي 12/11/2013 تمّ الإعلان عن المجلس التأسيسيّ العام للإدارة المرحليّة المشتركة من 82 عضواً يمثلون المكوّنات والأديان كافة في شمال سوريا، وانبثقت عنها هيئة متابعة لصياغةِ مختلف المشاريع والوثائق اللازمة للتنظيم توافقيّاً، ووفق هذه الاستراتيجية دخلت الثورة مرحلة جديدة بالإدارة والتنظيم المجتمعيّ.
عقدت هيئة المتابعة المؤلفة من 60 عضواً اجتماعها الأول في 15/11/2013 وتشكّلت لجنة مؤلفة من 19 عضواً من مختلف المناطق والمكونات لصياغةِ مشروع الإدارة المرحليّة المشتركة، وإعداد وثيقة العقد الاجتماعيّ وإعداد النظام الانتخابيّ.
وفي 21/1/2014 كان الإعلان عن الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في إقليم الجزيرة لتأخذ على عاتقها مسؤوليّة جسيمة بالسير بالمجتمعِ المسار الطبيعيّ على كلِّ الأصعدة وتأسيس المجالس والهيئات والمؤسسات التي تُعنى بكلِّ المجالات الخدميّة والتعليميّة والصحيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، ومن ثم تأسيسها في الأقاليم والمناطق الأخرى بالشمال السوري.
الأحداث أثبتت صحّة الخيار
يُعتبرُ الإعلانُ عن الإدارةِ الذاتيّة الديمقراطيّةِ في ظروف بلدٍ تتعدد فيه جبهات الصراع المسلّح، الإنجازَ الأكبر وغير المسبوق؛ وقد جاء نتيجة لخطوات ثابتة وتضافر الأسباب وحصيلةٍ للانتصاراتِ والإنجازات في الميادين الاجتماعية والسياسية للإدارة الذاتيّة، وكان الإعلان بحقّ رسماً دقيقاً لخارطة الطريق لكلِّ المكونات السوريّة نحو الأمان والاستقرار وتجسيداً لإرادتهم، لتتوالى من بعده الإنجازاتُ في مستوى الحراك الدبلوماسيّ والتعريف بالحقوق والمكتسبات في شمال سوريا، فتبادر دول أوروبيّة لفتح ممثلية للإدارة الذاتيّة لديها, وتتحدث عن طرح مشروع الفيدراليّة حلّاً للأزمة ضمن إطار سوريّا الموحّدة والتعدديّة.
انطلقت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة على أسسٍ راسخةٍ متينةٍ هي تشاركيّةُ العملِ الوطنيّ والتعدديّة السياسيّة، إذ لطالما كانت الشموليّةُ هي المرضُ العُضال، وتطلعت إلى مجتمعٍ يتمّ فيه إحقاقُ العدلِ وينعمُ بالسلام والأمن الاجتماعيّ، وكانت تجسيداً لطبيعةِ الخيار كخط ثالث إزاء الأزمة، والسؤال الذي طرحته؛ هل كان بالإمكان تحقيقُ أيّ إنجاز مع خيار آخر والانخراط في الصراع؟ والواقع أنّ أيّ اصطفاف من ذلك النوع سيرتبُ أكلافاً باهظةٌ، وكان سبيل تضييع قضية شعبنا وخصوصيته، ويعني ألا نكونَ أنفسَنا، وإذا كان صحيحاً أنّ الدفاعَ عن الذات مكلفٌ ودونه قرابين ارتقت إلى درجة الشهادة، إلا أنّ الاستدراج إلى أتون الأزمةِ كان أغلى تكلفة وخسارة أكبر في الأرواح على ذمةِ تموضعٍ لن يحقّق أيّاً من طموحاتِ شعبنا، ولدينا شواهد لأحزابٍ وأطرافٍ انضوت تحت عناوين المعارضة السوريّة وفي المجلس الوطنيّ الكرديّ، وهي تقرُّ بأنّها شاركت في العدوان التركيّ على عفرين وغيرها من المناطق، فما هي المكاسب التي حققتها لصالح شعبنا؟ فيما انكفأت أطرافٌ أخرى وذوّبت نفسها، إلا أن تُستدعى للتصريحِ والإطلالة الدعائيّة على الشاشات كلما دعت الحاجة لصالح هذه الجهة أو تلك.
في هذا السياق؛ تمّت ولأول مرّة بالمنطقة وبشكل ديمقراطيّ وتوافقيّ صياغة مشروع للإدارة المحليّة وإعداد وثيقة للعقد الاجتماعيّ والنظام الانتخابيّ بما يتناسب ويرضي المكوّنات كافة مع إفساح المجال لكلّ القوى والتنظيمات السياسيّة بالانضمام إليه.
المناطقُ المحرّرة تتبنّى نظام الإدارة الذاتيّة
شهدتِ المناطق المحررة من الإرهابِ تأسيسَ المجالس المحليّة والإدارات الذاتيّة في مواكبة لعمليات تحرير البلدات والمدن لتكونَ مأسسة المجتمع استكمالاً للتحرير وضمانة المحافظة على استحقاقاته ولتكون البيئة السليمة لتحقيق الديمقراطيّة وعودة الحياة الطبيعيّة.
ففي 16/6/2015 تمّ تحرير مدينة كري سبي (تل أبيض) وجاء الإعلان عن إدارتها الذاتية الديمقراطيّة في 21/10/2015.
وفي 12/8/2016 بدأت حملة تحرير مدينة منبج الاستراتيجية. وتمّ تشكيل الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة بمنبج في 14/3/2017.
في10/5/2017 تحرير مدينة الطبقة. وتمَّ تشكيل الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة في 1/11/2017.
وبتاريخ 20/10/2017 بدأت حملة غضب الفرات لتحرير ريف الرقة وتُوجّت بالإعلان عن تحرير الرقة. وتم تأسيس مجلس الرقة المدنيّ  في 18 /4/2017.
الاستهداف التركيّ لتجربة الإدارة الذاتيّة
حاولتِ المعارضةُ ببدايةِ الأزمة استدراجَ الكردِ واستفزاز ذاكراتهم المثقلة بالمظلوميّة لعقودٍ طويلةٍ لتنكأ جراح الماضي, إذ اعتقدت أن كسبَهم يسهمُ بضمِّ عدّةِ محافظاتٍ اتسمت بالهدوء والاستقرار خلال السنة الأولى من الأزمة، إلا أنّ تركيا التي انقلبت على الحكومة السورية طمعاً بتحقيقِ حلمِ تجديد أمجادِ العثمانيّة، وبعدما تيقّنت بأنَّ الإدارة الذاتيّة بنيانٌ راسخٌ وطيدُ الأركانِ له حظّه من البقاءِ تلاعبت بتوجّهاتِ المعارضة المسلحة وكل المرتزقة ووجّهتها لاستهدافِ الكرد بزعمِ أنّ مناطقهم غير محرّرة، ومضت بالتصعيد الإعلاميّ والسياسيّ والتهديد بالعدوان على طول الحدود ومحاولة استدراج حلف الناتو لإنشاء منطقة عازلة وخلق الذرائع لذلك عبر عملائها، وذلك بالتوازي مع الإصرارِ على إسباغِ التوصيفِ الكرديّ على مشروعِ الإدارةِ الذاتيّةِ لتُسقطَ عنه بُعدَه الوطنيّ والادعاء بأنّه يشكلُ خطراً أمنيّاً عليها, ولازالت أنقرة تواصلُ سياستها ومحاولاتها إفشال التجربة وتخشى انتقال عدوى الديمقراطيّة إليها.
وفيما تشيدُ دولٌ غربيّة بمآثر أبطال قسد وتتوالى المواقف تؤكّد أنَّهم القوة الوحيدة ميدانيّاً التي تحارب الإرهاب وأنَّهم حليفٌ يمكنُ الوثوق به, تتنكر أنقرة الداعمة للإرهاب لذلك وتجمع فلولهم لتعيدَ استخدامهم في سياق مخططها التوسعيّ والعداء للمشروع الديمقراطيّ، فاحتلت الباب وجرابلس وعفرين وعزّزت نفوذها بإدلب عبر المرتزقة واليوم تهددُ بالعدوان على مناطق شرق الفرات.
إسقاطُ نظريةِ قصورِ المجتمع
الإدارة الذاتيّة ليست ظاهرةً طارئةً أملتها الظروف والأحداث, بل إحياءٌ لحالةِ ثقافة حضاريّة تاريخيّة لشعوبٍ لا ينقصُها الاستعدادُ النفسيّ والفكريّ رغم تعاقب عهودِ الظلمِ والاحتلالِ واستلابِ حقوقها المشروعة بالحياة الكريمة أسوة بباقي الشعوب، وأنّها كانت ومازالت ضحية مؤامراتِ فتنة وتقسيم وتفريقِ ساهمت بحياكتها أطراف دوليّة وإقليميّة، فأسقطت بذلك نظرية قصور المجتمع وحاجته للوصايةِ.
كانت التجربة في ظروف الأزمة السوريّة المعقّدة استشرافاً لآفاق مستقبليّة تجاوزتِ الأزمة وجسّدت تطلعاتِ السوريين بكلِّ مكوّناتهم إلى سوريا حديثة على أسسٍ ديمقراطيّة, وبذلك كان معنى إعادة الإعمار المقصود ليس بناء ما طالته آلة الحرب بالدمار والتخريب للبنى التحتيّة والمؤسسات الخدميّة والمنشآت الإنتاجيّة, بل إعادة التأهيل الفكريّ والثقافيّ والسياسيّ وإصلاح التشوّه بثقافة المجتمع.
اليوم بعد خمس سنواتِ من عمرِ التجربة لا يمكن ادّعاءُ الكمالِ وتحقيق كلِّ الطموحاتِ والآمال المعقودة، ولكنها حتماً تجاوزتِ إمكانياتها في ظروف حرجة، إذ فُرض عليها مواجهة العدوان المسلح والأخطار المختلفة، وما دام رهانها على أبناء المجتمع فهي جديرةٌ بتجاوزِ التهديدات الحالية أيضاً، وستبقى خطوة نوعيّة رائدة بمستوى تحقيق الديمقراطيّة والتنظيم الذاتيّ للمجتمع، فقد اجتازت اختبارات كبيرةٍ، وبينما غرقت المناطق السوريّة الأخرى بالفوضى وانتشرت فيها بؤر الاقتتال وكانت مناطق الإدارة الذاتيّة ملاذ الهاربين بحثاً عن الحياة، كما جسّدت حالةً فريدةً من الوعي والثقافة وإرادةِ الحياةِ والحفاظِ على المرافقِ العامّةِ وإطلاقِ عجلةِ الإنماءِ وحركة العمران.
وقصارى القول إن الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة نموذجٌ متقدّم يتضمن إعادة التأهيل على مستوى الفكر السياسيّ والاجتماعيّ لمجتمعٍ أنهكته الحرب وفرّقت أبناءه, وهي تجربة تدحض الاتهامات بالتقسيم للمكونات السوريّة ومنهم الكرد، وتثبت أنَّها ذات مضمون إنسانيّ وطنيّ رسالتها السلام وتحرص على وحدة مصير السوريين ومدِّ جسور التواصل وحلّ الأزمة عبر الحوار.