سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأيديولوجيا

هوزان سربست –
كان أول ظهور للمصطلح على يد الفرنسي ديستوت دوتراسي (1836-1754) حيث أورده في كتابه «حول مملكة التفكير». وتتكون الكلمة من مقطعين «idea» وتعني فكرة، و«logos» وتعني علم أو دراسة. وعند تركيب اللفظين معاً يصبح المصطلح «علم الأفكار» الذي يعرّفه دوتراسي على أنّه « العلم الذي يدرس الأفكار، بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، أي مجمل واقعات الوعي من حيث صفاتها وقوانينها وعلاقتها بالعلائم التي تمثلها».
الإيديولوجيا هي مجموعة من المُعتقدات والأفكار التي تؤثّر على نظرتنا للعالم ونستطيع أن نقول إنّها مجموعة من القيم التي نتمسك بها بشكل كبير.
وفي الواقع، هذه المعتقدات والأفكار غالباً تكون قريبة جداً لنا لدرجة أننا نظنّها الشيء الطبيعيّ والحقيقيّ بشكل واضح، حتى لو كانت تلك المعتقدات خاطئة، فإنّ العقل يجعلك تعتقد أنّها الحقيقة، لأنّها جزء من مجموعة أفكار تؤمن بها.
الدين هو أحد أنواع الأيديولوجيّة، وتؤثّر العقائد الدينيّة على آراء الشخص بكونها افكاراً لا تقبل المناقشة، وتنظر بصغار إلى الإنسان، وتركن إلى مفهوم المطلق. بعض الأفكار التي تتضمن الأيديولوجيا بسيطة مثل تلك التي كان يؤمن بها الشباب الأمريكيون في ستينات القرن الماضي ومفادها: «لا تثق بأيّ شخص يزيد عمره عن 30»، وبالمقابل توجد أيديولوجيات مفصّلة كثيراً مثل الماركسيّة. بيدَ أنّ المنظومة المعرفيّة لدى الإنسان تتغير مع تقدمه بالعمر، فأبو الفاشية الإيطاليّة بينيتو موسوليني كان شيوعيّاً عندما كان أصغر سناً! فيما بعض الأيديولوجيات المفصّلة والمتقنة، مثل بعض المعتقدات الدينيّة، لا تتوفّر فيها تقريباً أيّ مساحة للمناورة ولا تقدّم إجابات كاملة على جميع الأسئلة، بينما الأيديولوجيات الأخرى فيها قدر كبير من المرونة. فتعاليم المسيحيّة الكاثوليكيّة، التي توضح على نحو من التفصيل معتقدات الكنيسة الكاثوليكيّة، وتتكون من الآلاف من الصفحات الطويلة وتغطي تقريباً كلّ موضوع يمكن تخيله.
وهناك مجالٌ صغيرٌ أو مساحة محدودة للتفسير الفرديّ. في المقابل هنالك الأيديولوجيّة التحرريّة التي تشجّع الأفراد على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
وإذا نظرنا إلى الأيديولوجيات السياسيّة، نجدها في معظم الأحيان، يستبعد أحدهما الآخر، فالحكومة الليبراليّة لن تمارس الاشتراكيّة، وأيضاً فإنّ الحاكم الديكتاتوريّ المُطلق لن يتبع الليبراليّة وقد لعبت الأيديولوجيات دوراً رئيساً في تشكيل التاريخ من خلال الحكومات والحركات السياسيّة. ظل المفهوم كما وضعه دوتراسي مدة من الزمن؛ أي علم الأفكار المعني بدراستها بشكل عام. لكن مع قيام الثورة الفرنسيّة ونضوج ثمارها الفكريّة التي تبنت الماديّة باعتبارها منهجاً علميّاً يستبعد الميتافيزيقا، وكان الأيديولوجيون جمعية فلسفيّة تنتهج الماديّة كما أنّها تعارض أحلام نابليون الاستعماريّة، الأمر الذي جعل نابليون يناصبهم العداء؛ فأطلق عليهم –باحتقار شديد– اسم جماعة الأيديولوجيين؛ فأخذ التعبير منحى ازدرائيّاً قصد به نابليون «ذوي الفكر الذهنيّ البعيد عن الواقع».
الأيديولوجيا كقناع (وعي زائف): هي مجموعة القيم والأفكار التي تتبناها جماعة ما، فتؤثّر في فكرها وتجعلها ترى الأشياء تبعاً لمنطقها هي لا منطق الأشياء؛ فهي معرفة وهميّة، غرضُها إنجاز فعل اجتماعيّ يحقق مصلحة تلك الأفكار والقيم.
الأيديولوجيا كرؤية كونيّة: من هذا المنطلق تكون أقرب إلى الفلسفة من حيث كونها تتخذ أحكاماً مطلقة شاملة تعالج الفرد والكون والمجتمع.
الأيديولوجيا علم الظواهر: يقصد هنا بعلم الظواهر تفسير الأشياء معرفيّاً وعلميّاً، وتبرز الإشكاليّة بين موضوعيّة العلم وذاتيّة الأيديولوجيا، فالحق هو ما يُطابق ذات الكون، والأيديولوجيا هي ما يُطابق ذات الإنسان في الكون.
يأتي الاختلاف بين الواقع والفكر هنا من الأسباب التي تضعها الأيديولوجيا أمام الذهن البشريّ من عكس مباشر لبنية الأشياء الدائمة.