سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأمّة الديمقراطيّة وإسقاطاتها المتعدّدة

عبد الله أوجلان –
لدى عدم جعلِ التحوُّلِ إلى أمّةٍ سلطويّةٍ ودولتيّةٍ أساساً، فما يتَبَقّى هو: إما العملُ أساساً بالإداراتِ المتواطِئةِ الدُّميَةِ والمعتَمِدَةِ غالباً على المصالحِ العائليّةِ للحفاظِ على وجودِها عبرَ بعضِ المؤسّساتِ المتبقيّةِ من العصورِ الوسطى (الآغويّة، المَشيَخَة، الطرائق، رئاسة العشيرة) ومن ثَمَّ تَحديثها؛ أو أنْ تتنامى الإداراتُ الديمقراطيّة. الطريقُ الأولُ كان الحالةَ المُحدَثَةَ للتواطؤِ الكلاسيكيِّ الذي شَهِدَه التاريخُ كثيراً. بينما الطريقُ الثاني كان السبيلَ الذي تَطَلَّعَت إليه العصرانيّةُ الديمقراطيّةُ هدفاً أساسيّاً. ولا يمكن لأسلوبِ إدارةِ المقاوَمةِ إلا أنْ يَكُونَ ديمقراطيّاً ضدّ الدولةِ القوميّةِ وأذيالِها المتواطئين معها. وهذا كان السبيلَ الأسلمَ إلى الحرّيّةِ والمساواةِ، والمؤدّي إلى صيرورةِ الأمّةِ الديمقراطيّة.
كذلك فإنّ الطابعَ التعدديَّ للثقافاتِ واللغاتِ واللهجاتِ أيضاً كان يَفرضُ معهُ صيرورةَ الأمّةِ الديمقراطيّة. بينما اتّخاذُ التحكُّمِ اللغويِّ واللهجاتيِّ والثقافيِّ للأثنيّةِ الحاكمةِ أساساً، مثلما الحالُ في الدولةِ القوميّة، كان يَشُذُّ عن مضمونه. لذا، كان الخَيارُ الوحيدُ التحوُّلَ إلى أمّةٍ متعدّدةِ اللغاتِ والثقافاتِ والكياناتِ السياسيّة. وكان من الواضحِ أنّ مفادَ هذا هو الأمّةُ الديمقراطيّة. بل وكان المجالُ مفتوحاً أيضاً أمام التحوّلِ إلى أمّةٍ ديمقراطيّةٍ من مجموعِ عدّةِ أمَمٍ ديمقراطيّة. وما يُعاشُ في إسبانيا والهندِ، بل وفي جمهوريّةِ أفريقيا الجنوبيّة التي لا يُعجَبُ بها البعض، وحتّى في أندونيسيا والعديد من بُلدانِ أفريقيا؛ دَلالةٌ على مستجدّاتٍ شبيهةٍ بذلك. بل وحتّى بالمقدورِ تسميةَ الولاياتِ المتّحدةِ الأمريكيّةِ والاتّحادِ الأوروبيِّ أيضاً بضربٍ من ضروبِ أمّةِ الأممِ الديمقراطيّة. وفيدراليّةُ روسيّا أيضاً مثالٌ هامٌ آخَر مشابِه.
ونظراً للرغبةِ الراجحةِ في صونِ التبايُناتِ والاختلافاتِ الاقتصاديّةِ والاجتماعيّةِ والسياسيّةِ والذهنيّةِ واللغويّةِ والدينيّةِ والثقافيّة، فمن المفهومِ فوراً أنّ السبيلَ إلى ذلك يَمُرُّ من الأمّةِ الديمقراطيّة. بينما في حال تحويلِ كلِّ تمايُزٍ إلى انفصال، فهذا ما معناه خُسرانَ الجميع. بَيْدَ أنّ الشكلَ الأنسبَ لحالةِ «الوحدةِ ضمن الفوارق»، التي تُعَدُّ الحالةَ الأمثل بالنسبةِ للجميع؛ هو القدرةُ على التَّحَوُّلِ إلى شكلِ الأمّةِ الديمقراطيّة. طاقةُ الحلِّ هذه بمُفردِها كافيةٌ لإيضاحِ قوّةِ الحلِّ العظيمة، التي تتحلّى بها حركةُ الأمّةِ الديمقراطيّةِ وبُنيتِها البديلةِ للدولةِ القوميّة. الفوضى العمياءُ الناجمةُ عن محاصرةِ حركاتِ رأسِ المالِ العالَمِيّةِ من الأعلى للدولةِ القوميّةِ التي تعاني العُقمَ والانسداد، ومحاصرتِها مِن قِبَلِ الحركاتِ المدينيّةِ والمحلّيّةِ والإقليميّةِ شبهِ المستقلةِ والحركاتِ الدينيّةِ وحركاتِ الأمّةِ الديمقراطيّةِ معاً من الأسفل؛ إنّما هي مُرَشَّحَةٌ لِولادةِ أنظمةٍ جديدة. وهناك العديد من الدلائلِ والإشاراتِ التي تُبرِزُ ذلك.
بينما تسعى الليبراليّةُ إلى إعادةِ إنشاءِ ذاتِها بِتَخَطّيها نطاقَ الدولتيّةِ القوميّةِ الكلاسيكيّةِ من جهة، فهي من الجهةِ الأخرى تتوخّى الحرصَ وتُبدي الأهمّيّةَ الفائقةَ لتسيير ممارستِها تلك تحت قناعِ إنماءِ الديمقراطيّة. أما الدولتِيّون القوميّون المُتَصَلِّبون، فيتَلَوَّون ويتَفَجَّعون أَلَماً في معمعانِ تعصبيّةٍ ورجعيّةٍ تُخَلِّفُ المحافِظين القدماءَ وراءَها. وتَتَّخِذُ هذه القوى وضعاً أَشبَهُ بضربٍ من المحافِظين الحقيقيين راهناً. بينما المُتَدَيِّنون يتخبَّطون في البحث عن مفهومِ الأمّةِ التقليديّ. وتَرجّحُ كفةُ احتمالِ إحيائِهم النزعةَ العصريّةَ تحت كساءِ الدين، وإنشائِهم دولتيّةً قوميّةً متأسّسةً على الدين، وإيران مثالٌ مفيدٌ في هذا المضمار.
خَيارُ صَيرورةِ الأمّةِ الديمقراطيّة يَعِدُ بمستقبلٍ مشرقٍ من خلالِ طاقتهِ العليا في الحلولِ التي يَعرضُها بخصوصِ القضايا الأيديولوجيّةِ والبنيويّةِ الراهنةِ المعقّدةِ للغاية. ونَخصُّ بالذكر الطريقَ المؤثِّرَ الذي يَسيرُ عليه الاتّحادُ الأوروبيّ. من المهمّ للغايةِ العملَ أساساً بِخَيارِ الأمّةِ الديمقراطيّةِ كأحدِ الأبعادِ الأساسيّةِ للعصرانيّةِ الديمقراطيّةِ، سواءً أيديولوجيّاً أم بنيويّاً. إنّ هذا التعاطي يَمُدُّ المدنيّةَ بفرصةِ الخلاصِ وتقديمِ المساهَماتِ في آنٍ معاً. ونشاطاتُ العصرانيّةِ الديمقراطيّةِ في إعادةِ الإنشاء، والتي ستُحَقِّقُها بالتأسيسِ على الأمّةِ الديمقراطيّة؛ إنّما هي بمثابةِ المشاريعِ الباعثةِ على الأملِ أكثر فيما يتعلّقُ بِحَلِّ القضايا الاجتماعيّةِ والبيئيّةِ الأوليّة.