سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأمن النفسي والقلق

إعداد/ قاسم إبراهيم –

عندما يُقال أن الأمن مستتب فهذا يعني أن حالة المجتمع تسوده الطمأنينة والتوافق والانسجام والتعاون والتفاهم، لقد تطور مفهوم الأمن وتنوعت اختصاصاته وأجهزته وأنواعه وسنقتصر في هذا الموضوع إلقاء الضوء على جوانب من الأمن النفسي، وأهم مهددات الأمن القلق هذا الحارس الأمين والمشاغب الذي يحمي وينذر الإنسان من الخطر يعد الأمن النفسي، وهو من أهم أنواع الأمن ومن الحاجات النفسية والاجتماعية الهامة للإنسان. ذلك من أجل بناء الشخصية الإنسانية الإيجابية والمتكاملة لأن انعدامه يؤدي إلى تفاقم الاضطرابات النفسية، وتدهور في الصحة النفسية ويقال له الأمن الشخصي الخاص أو السلم الشخصي، حيث يشعر الإنسان بالأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة، ويسعد في عمله ينتج ويبدع ويمارس حياته الطبيعة، والأمن النفسي يهتم بالصحة النفسية ويؤسس لها ويرتبط بالشعور والإحساس ارتباطاً وثيقاً. وهكذا يمكن تعريف الأمن النفسي بحالة يكون فيها إشباع الحاجات مضمونا وغير معرض للخطر ومتحرر من الخوف والتوتر، وقد وجد الباحثون أن ما يقرب واحد من كل ثلاثة أفراد يعانون الاضطرابات النفسية خلال حياتهم، وخاصة القلق هذا المرض المراوغ والمخادع الذي يحتل مركزا رئيسياً في علم النفس، لما له من آثار واضحة ومباشرة في اختلال الوظائف النفسية والجسدية أو كليهما. من هنا لابد من محرك لتحقيق أمن الفرد لذا لجأت كثير من الدول والحكومات إلى صرف أموال طائلة وجهود هائلة في إنشاء مراكز للدراسات والأبحاث، وفتح آلاف العيادات النفسية وتعقد المؤتمرات بين الحين والآخر في سبيل تحقيق الأمن النفسي، حتى يكون الفرد متوافقاً نفسياً وشخصياً وانفعالياً واجتماعيا مع نفسه، ومع محيطه القريب والبعيد وأن يتمتع بصحة العقل والجسد ويشعر بدفأ ومودة، وندرة الخطر والتهديد وخفض مناطق التوتر والقلق، وكل ذلك من أجل تحقيق الأمن النفسي. وهكذا وينشأ الأمن النفسي من نتيجة تفاعل الانسان مع البيئة المحيطة به، ومن عوامل بيئية واجتماعية وسياسية واقتصادية التي تؤثر في الفرد، إذاً للأمن النفسي دور كبير في تأمين الصحة النفسية، وحياة سعيدة للإنسان والتغلب على الضغوط التي تؤدي بالإنسان إلى اضطرابات في الصحة النفسية، كما يجعل النفوس مطمئنة عند وقوع البلاء أو توقعه بحيث لا يظهر قلق أو فزع ولا اضطراب في الأحوال أو ترك للأعمال أو التهويل من شأن المصائب. ومن مهددات الأمن النفسي القلق الذي لا ينتج عن الحدث بل عن الأفكار التي تنشأ في أذهاننا، ويعد جزءً من الحياة اليومية ومن الصعب بل من المستحيل أن يعيش الإنسان من دون القلق، والقلق من أكثر المصطلحات الشائعة في علم النفس عموماً، فهو الحال الذي يشعر بها الفرد إذا تهدد أمنه أو تعرض للخطر أو لقي إهانة أو أحبط مسعاه أو وجد نفسه في موقف حاد. أما ما يثير القلق ويؤزمه هو التناقض بين ما نريد وبين ما سوف يكون، وينشأ القلق من مسار غير محدد فقد يظهر في انفعالات لا نستطيع السيطرة عليها رغم تدخل الأمن النفسي وقوى الإنسان النفسية والجسمية والهرمونات، ومختلف أجهزة الدفاع للحفاظ على توازن الشخصية، ويتحول إلى عصب مرضي ويسمى هذا النوع القلق السلبي، الذي لابد من صاحبه القيام بزيارة الطبيب أو مراجعة المراكز المختصة أو زيارة المرشد الاجتماعي. ليقدم النصيحة والعون أو التوجه إلى متخصص علاجي، ومن الأمثلة على هذا النوع من القلق، الخوف وهو اضطراب نفسي يغلق على صاحبه كل منافذ النجاة، وقد اعتبره المفكر الفرنسي سارتر معيقاً كاملاً للإبداع، وأيضاً قلق الهيجان هذا الانفعال الحاد والعنيف الذي لا يسمح لصاحبه حتى بمجرد التفكير، وتدفعه دفعا إلى أقصى السلوكيات العزيزية، وهنا لابد من تدخُل أمن نفسي وقائي يقي صاحبه من ولوج هذه الاختلالات الصحية القاتلة. وكذلك قلق انعدام القلق وهو قلق مجهول السبب يبحث فيه صاحبه عن أسبابه فلا يجدها ثم يخترع له موضوعا وهمياً، بادئ ذي بدء ثم يصدقه ويشعر بنوع من الارتياح لأنه وجد موضوعاً يقلقه رغم ما يترتب عليه من إرهاصات نفسية وسلوكية، أما أسباب هذا النوع من القلق فهو في الغالب الفراغ والوحدة، وعلاجه العمل والرياضة والعلاقات الاجتماعية، قبل أن يدخل في مجال المعالجات النفسية والتردد على العيادات النفسية، أو مراجعة الأطباء النفسيين. وقد يكون القلق باعث إيجابي للنجاح في الحياة يحمي وينذر الإنسان من الخطر، ويسمى هذا القلق بالإيجابي. والأمثلة كثيرة لهذا النوع منها قلق الانتظار وهو قلق لذيذ ولطيف يشعر الفرد بالمتعة، (انتظار نتيجة ما أو انتظار صديق أو قريب في المطار أو موعد أو انتظار رسالة أو هدية من قريب انتظار العشاق …) وكذلك قلق الإبداع وهو يتعلق بأي مبدع وفي أي مجال كان، فمثلا الفنان التشكيلي حيث يأخذ موضوع إبداعه كامل المساحة الشعورية، حتى لحظة إنجاز لوحته ثم يعود بعدها كل شيء إلى ما كان عليه مع شعور غامر بفرحة الإنجاز.
لقد أثبتت الدراسات والأبحاث أن الفرد لو استسلم للقلق هذا المرض الماكر ولم يجد مخرجا صحيا أو تجاهل التعامل معه، فإنه يقوده إلى العديد من الأمراض، في حين أن الفرد الذي يشعر بالأمن يستعصي على اليأس والحزن والإحباط التأثير به. وهكذا يجب على الفرد أن يتجه نحو العمل ومختلف النشاطات والفعاليات، كما لابد من الثقة بالنفس وفي الإمكانات والقدرات وفي كل شيء، والاسترخاء عند الشعور بالقلق وكذلك التفكير الإيجابي. لأن القلق يدخل دون استئذان إلى أذهاننا ونقبلها دون فحص أو التأكد من مدى صدق وواقعية تلك الأفكار، المهم في الأمر ألا يعيقنا عن أن نحيا حياة سعيدة ومستقرة، وهكذا يعمل الأمن النفسي للتغلب على الضغوط والاضطرابات، وبخاصة القلق من أجل تحقيق الأمن والأمان والاستقرار في المجتمع، وتقوية مكامن القوة كما يؤدي الدور الوقائي لمن يعيش بحالة جيدة من التوافق النفسي، وشعور يسمح بالاحتفاظ بعلاقات متزنة مع المحيط الاجتماعي والسياسي، لذلك أصبح تحقيق الأمن النفسي مطلبا أساسياً وضرورياً في كل المجتمعات.