سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأزمة السوريّة بين التوافق والاستثمار

رامان آزاد –
يمكن للمتتبع للأحداث الأخيرات ومتغيرات الميدان أنّ يلحظ أنّه -بعد نحو ثماني سنواتٍ من حرب الإرادات الدوليّة المُستمرّة في الميدان السوريّ- أنّ ملامح الانفراج بدأت تلوح في الأفق البعيد، وهذا بحد ذاته انتقالٌ لمرحلة جديدة، بعدما كانت النهاية غير منظورة أبداً، لا بل غير متوقعة، ومجرد الحديث عن نهاية يشير لإعادة التموضع إلى الطاولات وبدء تدوير الزوايا ووحدها الشعوب التي تتحمل فواتير الحروب بالتدمير والخراب والموت الذي يحصد الناس في كل مكان.

تسخين الجبهات إرهاصات مرحلة جديدة

الحروب والصراعات المسلّحة كما المنافسات والمسابقات كلما اقتربت النهاية فيها زادت سخونتها ووصلت للحدّ الأقصى، وعلى مدى سنوات الأزمة السوريّة كانت الجبهات تزداد قبيل أيّ اجتماع في جنيف، إذ كلّ طرفٍ إلى تثبيت معطيات الميدان على طاولة التفاوض مباشرةً، وبذلك يمكنه أن يلزم المقابل شيء من التنازل على الطرف المقابل، ولذلك يتم التعاطي مع إشعال الجبهات أو زيادة وتيرة الأعمال المسلحة على أنّها إرهاصات مرحلة جديدة، وأما في النهاية التي ما بعدها نهاية فكلّ الأطراف ستلقي بأقوى أوراقها في معارك الحسم السياسيّ بالتوازي مع الحسم العسكريّ في الميدان.
من الطبيعيّ أن لا حلّ وطنيّ بتثبيت انتصار فريق على آخر، فأبناء الوطن ينتصرون مع بعضٍ، ولا نصرَ بلا بعدٍ وطنيّ، وعلى هذا الأساس تمّ إدامة الأزمة السوريّة من خلال التبدل في خرائط الميدان والسيطرة العسكريّة ومنع الحوار السوريّ-السوريّ وتعطيل كلِّ فرصة للحوار وإحالة المعارضة السوريّة إلى إمعات لا حول لها ولا قوة إلا أن تكون ممثلاً لإرادة مشغّليها، دون الوطنية والهوية السوريّة.
الحديث عن نموذج للحلّ الذي يتم تداوله بين الأطراف الضالعة في الأزمة السوريّة وما يتم التبشير به على شكل تسريبات إعلاميّة يركّز على وجود ضمانات لمصالح الدول الكبرى أولاً، فالقضية توافقيّة مصالح بالدرجة الأولى، وليست مسألة تطلعات الشعوب وحقّها الطبيعيّ في الحياة آمنة مستقلة، فيما ستكون مصالح الدول الإقليميّ’ أقل من جوائز من الترضية، وهو في الحد الأقصى ضمان البقاء في المشهد السياسيّ في المنطقة وربما بدون أيّ وزن فاعل بالنسبة للبعض، إلا تبادل العلاقات السياسيّة.
إذاً وفق المعطى الساسيّ هناك تسوية قادمة، وهي تتطلب بالضرورة حرق بعض الأدوات المستخدمة في التأزيم وحالة الحرب في الميدان السوريّ، والتخلص من أداة الجريمة التي كانت عفرين أحد فصولها الأكثر سوءاً، فأداة الجريمة هي ركنها الماديّ، وهي تشكّل عبئاً غير محتمل لكلّ الدول، وهو هاجسها الذي تتوافق حولها.
ليس من قبيل الصدفة أن يبدأ الجيش السوريّ عملياته في درعا، ويحضر في أذهاننا رمزيّة درعا الجغرافيّة منطلقاً للأزمة السوريّة عام 2011م وكونها محل اختلاف وجدل، حيث الجغرافيا التي يؤخذ فيها دور إسرائيل وموقفها الرافض من بقاء حلفاء النظام من إيرانيين وحزب الله، وهو ما يحظى بدعم أمريكيّ. أما استئناف عمليات القصف الجويّ لمواقع المرتزقة في إدلب حيث تكثيف الإرهاب والتجميع النهائيّ لكثير من تفاصيل الأزمة السوريّة، كما أنّ إدلب تستوقفنا نظراً لأنّ إدلب أضحت تحت الوصاية التركيّة، وقد توقفت العمليات في إدلب مع تسخين جبهة ريف دمشق والغوطة بالتزامن مع العدوان التركيّ على عفرين، وفي المنطقة الشرقيّة وقت تتواصل الاشتباكات العنيفة في البوكمال لتأكيد فصل الميدان السوريّ عن العراقيّ، وبالمحصلة فإنّ قراراً بالاشتباك أو التسخين لثلاث جبهات مختلفة بالنسبة للنظام وحلفائه، يعني أنّ قراراً قد اتخذ للسير باتجاه النهاية، وهذا يأتي بالتزامن مع حديث عن مبادرة حوارٍ يكتنفها الضباب حول الآليات والسقف والرعاية ومكان الحوار. كما أنّ لا أحدَ يعلم حجم التطمينات التي أُعطيت لكلّ طرف ضالعٍ في الأزمة، في ألا يكون التوافقُ لحساب طرفٍ على طرف وألا يلحق أيّ خسائر بتلك الأطراف، وهنا فالأدوات ومجاميع المرتزقة ستكون الثمن إن آجلاً أو عاجلاً، ذلك لأنّها أدوات تمّت صناعتها والتخلص منها وهو ضرورة ما بعد الاستثمار.

أنقرة والالتفاف على الحلّ واستثمار الأزمة

وكعهدها تبادر أنقرة للاستفادة من معطيات الأزمة السوريّة، فبعدما كانت سورية بوابة طموحاتها الإقليميّة وتوسيع حضورها في العالم العربيّ، انقلبت أنقرة لجعلها ميدانَ تصديرِ مشكلاتها الداخليّة، ومبادرة أنقرة هذه المرة الالتفاف على التسوية واستنزاف كل بنود التوافق في أستانه والتنافس الأمريكيّ الروسيّ لاسترضائها كعامل لإقليميّ وازن بالمنطقة، وستحاول إعادة تدوير استخدام الإرهاب ومجاميع المرتزقة والانتقال إلى مرحلة جديدة عبر التدخّل في باشور كردستان، ولنتأكد أن هدفَ أنقرة الأساسيّ تصفية من وراء كلّ سياساتها ومواقفها وجنوحها هو تصفية القضية الكرديّة على مستوى المنطقة، وضرب أيّ مشروع حلِّ سياسيّ للأزمة السوريّة إذا للكرد حضور واضحٌ فيه، والكلفة مجانية تقريباً 750 دولاراً لكلّ مرتزق وفق ما تمّ تداوله.
المرحلة الحالية حساسّة إذ تأتي قبيل الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة، وحزب العدالة والتمية أحوج ما يكون لتلميع صورته في الداخل وضمان ابتزاز الناخب التركيّ في سبيل عبور اختبارات الانتخابات بأيّ وسيلة وأياً كان الثمن وتصوير ذلك على أنّه جاء عبر الديمقراطية وصناديق الاقتراع، والملاحظ أنّ كل جولات الانتخاب التي تمت في تركيا إنّما جاءت مسبوقةً بالتسخين والتهديد والملاحقة وحملات إعلاميّة ضخمة والافتراءات بحق المنافسين واعتقالات على الشبهة، وهي تأتي هذه المرة مع تجديد قانون الطوارئ للسنة الثالثة، وعمليات اغتيال لناخبين كما في مينة سروج، لإرهاب القاعدة الشعبيّة لحزب الشعوب الديمقراطيّ العدالة والتنمية، كما وأنّ الانتخاباتِ تأتي بعد مسافة قصيرةٍ من احتلال عفرين باعتبارها كانت خطوة على مسار استهداف المشروع السياسي الديمقراطيّ الذي طُرح حلاً شاملاً للأزمة، ولكنها بعد التزوير والتحريف تُرجمت نصراً للناخب التركيّ ، ولعل الغرور السياسيّ والصمت الدوليّ وضعف المعارضة وعوامل دوليّة أخرى جعلت أنقرة تتمادى في إجرامها فتشنّ طائراتُها هجماتٍ على باشور كردستان إمعاناً في استهداف الكرد رغم اختلاف الحسابات السياسيّة والميدانيّة ما بين عفرين وباشور ما بين استهداف للمشروع السياسيّ الديمقراطيّ والقوة العسكريّة إلا أنّها في نتيجتها واحدة وهي استهداف الكرد في وجودهم وحياتهم.
لقد حاولت أنقرة طيلة سنوات الأزمة السوريّة التلاعب وابتزاز الدول الكبرى لتصدير مشاكلها الداخليّة، ولكنها غير مستعدّة حتى اليوم لحلها عبر إرساء قواعد الديمقراطيّة، ولا أنّ تكون شريكاً نزيهاً في حل الأزمة السوريّة.
ويبقى الحدُّ المجهول في المعادلة العامة يكمن بحجم التفويض الذي منحته موسكو وواشنطن لأنقرة لتتوسع في مغامراتها السياسيّة بعد عفرين ومنبج. إلا الثابت أنّ ثمة تنافسٍ بين الأطراف الدوليّة والإقليميّة ألا ينسحب أحدها دون أن يضمن تراجعاً واضحاً لنفوذ آخرين، والحالة الصحيحة حتى بين الحلفاء فالروسيّ يتطلع من بعيد إلى تقليص لحجم التدخل الإيرانيّ في سورية. وبذلك فلا بديل أن يتحول السوريون إلى قوة فاعلة وأن يأخذوا زمام المبادرة لتعجيل إنهاء الأزمة وخروج كل القوى الأجنبيّة ابتداءً بالقوى المحتلة ودحر الإرهاب وابتداءً بالحلفاء لتكونَ سورية فقط للسوريين ويُصار إلى إطلاق حوار وطنيّ حول كلّ التفاصيل ودستور وطنيّ يضمن وجود كلّ السوريين دون غلبة أو تغييب لأحدٍ
Smoke billows from the eastern Syrian city of Deir Ezzor during an operation by Syrian government forces against Islamic State (IS) group jihadists on November 2, 2017.
Syria’s army and allied forces have taken full control of the eastern city of Deir Ezzor from the Islamic State group, Syrian state television said. / AFP PHOTO / STRINGER (Photo credit should read STRINGER/AFP/Getty Images)