سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

احتكار السلطة واحتكار رأس المال

عبد الله آوجلان –

حسبَ أنطوني غيدنز، فالرأسماليةُ ظَهَرَت في أوروبا لأولِ مرّةٍ في التاريخ (ما من شكّ أنّ سَوادَ علماءِ الاجتماعِ الأوروبيي المحورِ يتشاطرون الآراءَ المشابهة). إذ لَم يُصادَف مثيلُها في أيِّ عصرٍ أو مكانٍ من التاريخ. الرأسماليّةُ المذكورة هي رأسماليّةُ أمستردامِ هولندا ولندنِ إنكلترا، والمتناميةُ كمركزٍ لقوةِ الهيمنةِ العالميّةِ في القرن السادس عشر. يَكمُنُ نصيبُ الحقيقةِ الواقعيّة من ذلك في كونِ أمستردام ولندن قد استَلَمَتا فعلاً مركزَ هيمنةِ المدنيّة العالميّة الكلاسيكيّة اعتباراً من ذاك القرن. أما عن كيفيةِ انتقالِ الهيمنة، فرُبّما أنّ التاريخَ العالميَّ يشتملُ على أوسعِ المراجعِ المعنيّة بهذه المرحلةِ وحسب. لا إمكانيةَ لتكرارِ ذلك، ولا داعيَ له، بل أكتفي بالتذكير فقط، حيث سُرِدَ ذلك قسميّاً في المجلدات الأخرى أيضاً، الأهمُّ هو الجوانبُ الناقصة والخاطئةُ في هذا التعريف.
ادعاءُ أُحاديّةِ الرأسماليّة وانفرادِها ليس صحيحاً، إذ كنتُ قد بَيَّنتُ بإسهاب أنّ أولَ احتكارٍ لرأسِ المال تَحَقَّقَ في معبدِ الكهنةِ السومريين (وربّما الزقّوراتُ أولُّ بنكٍ ومصنع). ارتباطاً بذلك، بمقدورنا الإشارة بسهولة إلى أنّ تَكَوُّنَ ثالوثِ المدينة – الطبقة – الدولة مَدِينٌ للسومريين كأولِّ احتكارٍ مهيمن. وقد تَعَزَّزَت قناعتي بآرائي، بَعدَ الاطلاعِ خصيصاً على آراءِ آندريه غوندر فرانك ومجموعةِ أصدقائه ذوي الآراء القريبة منه بشأنِ المدنيّةِ المركزيّة والنظامِ العالميّ. فضلاً عن ذلك، أُشَدِّدُ وبإصرار على أنّ احتكارَ السلطةِ أيضاً شكلٌ مختلفٌ من احتكارِ رأسِ المال. وقد نَوَّهتُ إلى أهميّةِ استيعابِ كونه أحدَ الأشكالِ الأربعةِ الرئيسيّة للتراكم. لقد أُسِّسَ أولُ احتكارٍ في الزراعة التي ارتَفَعَ مردودُها، وبسببِ فرضِ المنطقةِ للتجارة كضرورةٍ اضطراريّة، فقد كان الاحتكارُ التجاريُّ أيضاً وَجَدَ فرصتَه في النماء، علاوةً على الإشارةِ إلى أولِ احتكارٍ صناعيٍّ أيضاً على الحِرَفِيّةِ في المعبد – المدينة آنذاك. أما إدارةُ المدينة، فكانت قد تَوَلَّت مهامَّها عسكريّاً وإداريّاً، ولكنها كانت من أعتى احتكاراتِ السلطةِ حَصانةً، والتي كانت على تحالفٍ وثيقٍ مع الاحتكارات الثلاثةِ الآنفةِ الذكر. بينما اختلافُ معدّلِ القوة كان يَفرضُ علاقةَ الهيمنة اضطراراً. فبينما كانت هيمنةُ الكهنةِ عتيدةً في البداية، إلا أنّ هذا الوضعَ كان سيتبدّلُ على التتالي. وباقتضاب، فالاحتكار والطابعُ المهيمنُ على السواء كانا سائدَين منذ مرحلةِ التأسيس. وكنتُ قد سعيتُ لبسطِ سياقِ تقدّمِه التاريخيّ على شكلِ حلقاتٍ رئيسيّة في المجلدَين الأول والثاني، فضلاً عن ذلك، فالتشخيصُ الآخَر الهامُّ للغاية بشأنِ احتكاراتِ المدنيّة، هو اتّسامُها تاريخيّاً بالحِراكِ سويّةً كحلقاتِ سلسلةٍ واحدةٍ تجاه الخارج (حيال قوى الحضارة الديمقراطيّة)، مهما تصارعت فيما بينها. ذلك أنّه ما مِن مدنيةٍ قادرةٌ على الظهور إلى الوسط، دون وجودِ إرثِ سابقتِها، إني أتحدّثُ عن المدنيةِ المركزية، لا عن الصين أو إنكا Inka.
هذا وكنتُ عملتُ على سردِ قصّةِ نشوءِ حلقةِ المدنيّة الأوروبّية مُطَوَّلاً. وبصددِ علاقتها مع حضارةِ الشرق (بل ومع نيوليتيه)، كنتُ شَدَّدتُ بأهميّة على دورِ البندقية في النقلِ طيلةَ ثلاثةِ قرون. العنصرُ الأهمُّ على الإطلاق، الذي يُمكن زَعمه فيما يخصُّ أَحَدِيَّةَ المدنية (بمعنى حداثتها) لِما بَعدَ القرنِ السادس عشر في أوروبا، فهو ماهيتُها الأرقى بشأنِ المال – رأسِ المال.