سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إيمية سيزير… أمل الشعوب المضطهدة ولسان حالها

منان خلباش-

هناك أدباء وكتاب وشعراء لم يكتفوا بكتابة نصوص إبداعية في حياتهم، بل وقفوا مع قضايا شعوبهم وأوطانهم، الساخنة في الصفوف الأمامية التزاماً “بالقضايا الأكثر إنسانية وعدلاً”، بل باتت مسيرتهم الحياتية جزءاً من القضايا المصيرية التي اعترضت شعوبهم وأوطانهم في مرحلة تاريخية أكثر حساسية. وذلك بخلاف البعض ممن يبحثون عن أدوار ملتبسة ومصالح شخصية ضيقة لهم، ويظهرون اللامبالاة عن كل ما تتعرض له شعوبهم وأوطانهم من اعتداء ومجازر ومآسي، وبذلك لا يخرجون حتى من حدود نصوصهم وكتاباتهم وأوراقهم .
 إيمية سيزير 1913- 2008، ابن جزر المارتينيك، والتي تقع تحت السيطرة الفرنسية منذ 1635. والتي كانت تعاني أشد السياسات الكولونيالية، مثل باقي المستعمرات في البحر الكاريبي وإفريقيا. حيث القهر والعبودية والعنصرية ونسف الثقافة واللغة والتراث والإرادة المشتركة، للسكان الأصليين لتلك المستعمرات. أراد ذلك المثقف أن يخرج من “سجن اليأس”، ومن إطار الظروف والأوضاع التي تثقل كاهل مواطنيه في جزر المارتينيك والبحر الكاريبي التي كانت تعيش ظروفاً قاسية ومزرية، لما كانت تتعرض من القهر والجشع والانحطاط على يد الأنظمة الكولونيالية، التي كانت تنظر لتلك البلدان كمجرد مزرعة خلفية ومصدر للمواد الخام وسوق لها..! كان إيمية سيزير، ابناً لعائلة متوسطة الحال وكثيرة العيال. والده كان موظفاً تابعاً لمصلحة الضرائب، ووالدته كانت تعمل خياطة في فور دو فرانس، عاصمة المارتينيك، وكانوا يسكنون نهاية شارع ضيق وفي منزل من الألواح الخشبية المهترئة يكثر فيها الفئران والروائح الكريهة، حسب وصفه الشخصي في كتاباته. ورغم ذلك أحب الدراسة والتعلم وإظهار الشكوك والأسئلة حول مختلف القضايا والمشاكل التي يعانون منها في حياتهم، حيث الفقر والجهل والشقاء..! في بداية الثلاثينات، التحق بالدراسة في باريس وتحديداً في المدرسة العليا للمعلمين. ومنذ اليوم الأول، وعلى مقاعد الدراسة تعرف على رفيق دربه السنغالي ليوبولد سونغور 1906-2011 ويقول عن صداقته تلك “كان زنجياً مثلي وحديثنا يدور حول التجارب التي قام بها كل واحد منا. كان إفريقياً وأنا مارتينيكي، مع ذلك كان لنا نقاط لقاء وتساؤلات وشكوك حول القضايا الأدبية وغيرها، وكل واحد كان يتعلم من الآخر والجواب كان دائماً إفريقيا وإزاحة الغبار عن التراث الإفريقي الشفوي وفضح جرائم الاستعمار…”.
أسس في باريس بعد ثلاث سنوات من إقامته مجلة “الطالب الأسود lé tudiantnoir” مع صديقه ليوبولد سونغور بعد تأثره بالماركسية والسريالية وانضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1935. وكان يتردد على سائر المراكز والندوات والصالونات الثقافية، مثل صالون الأديبة والصحفية بوليت ناردال التي كانت أول فتاة مارتينيكية، ذات بشرة سوداء تحصل على شهادة من جامعة السوربون. وعندها تعرف على حركة (نهضة هارلم)، التي انطلقت من مانهاتن، والتي عملت على صقل هوية اجتماعية جديدة وأثرت في الآلاف من موطني أفريقيا والكاريبي والولايات المتحدة الأميركية.
كتب إيمية سيزير باللغة الفرنسية واعتبرها كجواز سفر، ليعبر العالم مركزاً على مفاهيم وقيم الحرية والعدالة والمساواة، وبذلك خاطب الفرنسيين مباشرة بلغتهم وأفكارهم… مبرهناً أن العنصر الأسود في المجتمع، بات يعي ذاته من خلال “تيار الزنوجة” التي كان ينشرها مع أصدقائه ذوي البشرة السوداء، رداً على النظرة الدونية السائدة آنذاك في المجتمع الأوروبي والأمريكي. وعندما حصل على الإجازة من المدرسة العليا للأساتذة في باريس. كان قدم بحثاً تحت عنوان “الجنوب في القصيدة الأميركية السوداء”. ولدى حصوله على الماجستير، كان قدم أطروحته حول “جذور الأدب الأنتيلي”. اعتبر مقدمة لمؤلفه الشهير “دفتر العودة إلى الوطن” والتي يحتفي فيها إيمية سيزير بإفريقيا وثورات شعوبها في مواجهة الاستعمار والعبودية وكل أشكال العنصرية. كما كتب “أنتولوجيا الشعر الزنجي والملغاشي”. وقدم بحثاً تحت عنوان “خطاب إلى الاستعمار”، ما اعتبر مانيفستو أو طريق ثورة موزامبيق وغينيا وبيساو وغيرها.
كانت كل آماله وأحلامه، أن يحافظ على الهوية الحقيقية لسكان المارتينيك وتسليط الأضواء على واقع بلاده من الناحية الإنسانية وواقع التمزق الثقافي بعد قرون من الطمس والإنكار الثقافي لمواطنيه في المارتينيك وجزر الآنتيل. وكان لا يتردد في الإجابة عن مسألة الانتماء، قائلاً: “أنا أنتمي إلى عرق المضطهدين”. وأيضاً قائلاً: “لساني سيكون لسان هموم كل من لا لسان له”. وكان كتب في “دفتر العودة إلى الوطن”: “ليست الزنوجة برجاً أو كاتدرائية إنها تغطس في اللحم الأحمر للتراب إنها تقتحم لون السماء الناري إنها تثقب الكآبة المعتمة لصبرها القائم” وبالرغم من أنه انتخب نائباً في البرلمان الفرنسي عن مقعد حزب الشيوعي الفرنسي إلا أنه كان من أشد منتقدي اليسار الفرنسي والحزب الشيوعي الفرنسي خصوصاً، وذلك للعنصرية المستشرية في جسم اليسار الفرنسي عامة، وكأنهم لا يختلفون عن سواهم في الرؤية للشعوب المضطهدة. كما كان موقف الحزب الشيوعي الفرنسي من الجزائر في البداية والتي كانت تعتبر أن الجزائر جزءاً من فرنسا، وكان يتداول بين الفرنسيين آنذاك مصطلح “الجزائر الفرنسية”..! وفي رسالة استقالته إلى زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي موريس نورين كتب يقول: “الأممية الشيوعية لا تتلاءم مع نضالات الشعوب الإفريقية لأنها تجعلهم من نفس المرتبة مع الشعوب الأوربية متجاهلة أوضاعهم وقضاياهم ولا تولي اهتماماً بحقوقهم ومصيرهم..”.
وأكد بأن “الأممية كلمة مبهمة تعكس نزعة أبوية موروثة من العهد الاستعماري، لذلك يتوجب تحديد مفهوم جديد للأممية على أساس الاعتراف بكل الاختلافات بين الشعوب الفقيرة والشعوب الغنية وبين الأمم البيضاء والأمم السوداء”.
بعد عودته إلى المارتينيك منذ منتصف الأربعينات القرن المنصرم عمل بالتدريس في ثانوية “شولشر” في فور دو فرانس، فضلاً عن قيامه بأعمال جبارة على صعيد تحسين حياة الفقراء والمعدومين. وبعد استلامه رئاسة بلدية فور دو فرانس، بات زعيماً شعبياً مطالباً بأقوى الأصوات، احترام خصوصية البلدان التي تقبع تحت السيطرة الفرنسية وتعاني من كافة أشكال الاستعمار والعبودية والعنصرية. وفي الستينات والسبعينات من القرن العشرين كان يقول من خلال كتاباته: “نحن لا نولد زنوجاً بل نصبح زنوجاً… !”. وعمل على تأسيس حزب الشعب التقدمي في المارتينك، وأصدر مجلة “مدارات” ومن خلالها اتجه نحو توسيع قاعدة “تيار الزنوجة” بحيث نتج ما يسمى الفن الزنجي وموسيقا الجاز وأفكار وأيديولوجيا تدعو الى إعادة الاعتبار للثقافة والحضارة الإفريقية وتوحيدها، وسرعان ما ظهر وعي لدى الزنوج بأوضاعهم وأوطانهم ومكانتهم في العالم. وعلاوة على ذلك، ظهر رموز مثل جورج باندور وكوامي نكرومة وباتريس لومومبا، كما أصبح ليوبولد سونغور رئيساً للسنغال بعد الاستقلال عن فرنسا وباتت تربطهم ببعض علاقات أخوية متكافئة. ورغم أن الناشر الفرنسي جان ميشال بلاس، قد نشر كتاباته السياسية لتوضيح أفكاره ورؤيته من قضايا النضال الوطني ومقارعة الاستعمار وكل أشكال العنصرية والتي أشغلته عن عطائه الأدبي والشعري خصوصاً، كان إيمية سيزير أكد بأنه ليس نادماً على ما قام به، ووجدها وسيلة لتوضيح أفكاره التي لم تجد في الشعر والمسرحية مكانة لها! إلى ذلك، كان لديه مواقف مبدئية وصلبة تجاه ما يؤمن به، فقد أثاره مرة خطاب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في داكار، بتاريخ 28 شباط 2005 عندما أدلى قائلاً: “للاستعمار فضائل على المستعمرات والشعوب الإفريقية التي لم تدخل التاريخ بعد ..!”، فقد رفض استقبال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، لمجرد نص صادق عليه، يذكر الجانب الإيجابي للاستعمار. وكان الأمر قد أخذ جدلاً واسعاً إلى أن تم سحب النص المذكور وعليه وافق على استقبال وزير يميني مقرب من ساركوزي.
يبقى القول أن الشاعر إيميه سيزير بقي إلى آخر لحظة قبل لفظ أنفاسه الأخيرة في 17/ نيسان/ 2008، مناضلاً صلباً وأسطورة متلألئة في ذاكرة المضطهدين و”المعذبون في الأرض” على حد تعبير تلميذه فرانس فانون دائماً وأبداً…!