سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إضاءة على معبد هيرا بوليس

تقرير: خضر الجاسم –
تشتمل المكتبة العربيّة على العديد من أمهات الكتب التي تدرس التاريخ والآثار والأوابد التاريخية، ولكثرة المواقع الأثرية في سورية التي تعد منبعاً ومنهلاً للكثيرين من الدارسين والمهتمين بالآثار، فإن عشرات بل مئات الكتب تتناول هذا الجانب.
وكتاب «الديانة السورية القديمة « للباحث «الدكتور محمود جمود» من الكتب الهامة في هذا المضمار وفيه يسلط الكتاب على جوانب مهمة، تتعلق بالحياة الدينية القديمة في سورية من عقائد، وطقوس، ضمن عصري البرونز، والحجري الحديث 333-1600ق.م. ويعتمد الباحث في عرض بحوثه على الدراسات التاريخية، والأثرية، المستندة إلى النصوص المكتشفة في المواقع الأثرية، وعلى آخر نتائج ومعطيات التنقيب الأثريّ الذي أجرته البعثات الوطنية، والأجنبية في سورية. ومن خلالها وضح الباحث الحياة الدينية في تلك الحقبة، واصفاً، ومحللاً لأبرز العبادات، والشعائر، والميثولوجية.
عرض الباحث بحوث الكتاب ضمن خمسة أبواب، ويندرج تحت كل باب عدة فصول منوعة. وقد سبقت ذلك مقدمة مسهبة، أوجزت بأدق التفاصيل الأحداث السياسية التي مرت بها سورية.
وتناول خلالها الآلهة السوريّة في عدة مناطق سوريّة. والمعابد والطقوس الدينيّة، والاحتفالات، والصلوات، والسحر، والموت وتقديس الأسلاف. والتفاعل الديني بين سورية وجوارها.
وفي الباب الثاني، فأفرده الباحث للحديث عن المعابد في سورية، ولمختلف الحضارات القديمة، ومن هذا الباب، نقدم قراءة أثرية تاريخية من وجهة نظر الباحث لمعبد «هيرا بوليس» في منبج.
معبد هيرا بوليس
يعرض الباحث في إطار حديثه عن المعبد بقوله: «لم يعرف هذا المعبد من خلال المكتشفات الأثريّة، ولكنه عُرف من خلال الوصف الذي قدّمه أوقيانوس السيمسياطي في نبذته في -الآلهة السورية- بعد أن زاره ووصفه وسماه -معبد هيرابوليس- وأعتقد أن كل ما يجري فيه تقريباً هو من أصول أقدم من عصره، بما في ذلك البناء نفسه، أي أنه ربما يعود للفترة التي هي موضوع بحثنا أو قبل ذلك، وفي هذا العرض ربما نستطيع التعرف على بعض الطقوس التي كانت تجري فيه، إضافة لشكل المعبد، وموجوداته».
هيرا بوليس المدينة المقدسة
يقول الكاتب حسب نصوص نُسبت «لأوقيانوس»: «توجد في سورية، ليس بعيداً عن الفرات مدينة يسمونها»هيرا بوليس، أو المدينة المقدّسة»، إنها في الواقع مخصصة لـ «هيرا الآشوريّة»، ولكني- والكلام لأوقيانوس- أعتقد أن هذا الاسم لا يرجع تاريخه إلى تاريخ إلى تأسيس المدينة، بل كان لها اسم آخر، وأنّها اكتسبت هذه التسمية، في الوقت الذي ازدهر فيه الدين في المدينة». ثم يتحدث عن الشعائر التي في ديانتها، والجمعيات والأضاحي التي تُقدّم، ورجال الدين والمعابد، كما يستند في ذلك إلى نصوص الكهنة وما تركوه وما تحدثوا به إليه.
المعبد والأعمدة
الأرض التي بني عليها المعبد هضبة، وهو قائم على وجه التقريب في وسط المدينة. ومحاط بسورَين أحدهما قديم، والآخر لايرقى إلى أبعد من عصرنا، وبوابات المعبد مائلة نحو الشمال. وتمتد على ساحة تقرب من مئة «براسة» في هذه الرقعة، تقوم الأعمدة التي رفعها(ديونيسوس)، وارتفاع العمود الواحد منها ثلاثون»براسة»، ومرتان في العام يصعد رجل إلى قمة أحدهما، ويمكث هناك مدة أسبوع. هذا هو سبب استعمالها. إن الشعب مقتنع إنه من هذا الموضع المرتفع، يمكن للإنسان أن يتحاور مع الآلهة، ويرجوها أن تعقد بركاتها لكل سورية، وإن الآلهة تسمع عن قرب صلواته أكثر، وآخرون يظنون أنهم يفعلون ذلك. كذكرى لـ «ديكاليون»، ولذلك الزمن الشقي الذي كان الناس يصعدون فيه إلى المرتفعات والأشجار الباسقة خشية الطوفان. بالنسبة إلي أجد هذا التفسيرغيرمقارب الواقع، وأعتقد أنهم يفعلون ذلك على شرف «ديونيسوس»، وهذا ما ابني عليه فرضيتي. إن من يقيمون الأعمدة يضعون عليها تماثيل خشية! لماذا؟ لست أدري..ولكني أعتقد أن هذا الرجل يصعد إلى العمود ذلك ليمثل التمثال الخشبي.
صعود العمود
صعود العمود يتم على الصورة التالية، يمرر الصاعد حوله، وحول العمود حبل صغير. ثم يرقى إلى الأعلى على قطع خشبية مثبتة على العمود، تكفي فقط لموضع رأس الأصابع، وكلما صعد رفع الحبل من كلا الطرفين، كما ترفع الأعنة. وعندما يصل الصاعد إلى آخر مرحلة من صعوده يرمي بحبله أخرى، وهي طويلة هذه المرة، ويرفع إليه من الأرض بواسطتها مايريد: خشب، ثياب، أدوات، ويؤلف منها مقعداً شبيها بالعش، وهناك يجلس، ويمكث كما قلت سبعة أيام، وكثير من الناس ممن يؤمون المعبد يجلبون إليه الذهب، والفضة، وأشياء أخرى من المعادن يضعونها أمامه على الأرض، ويذهبون، بعد أن يذكروا أسماءهم، ويصرخ عابد آخر، يكون في أسفل العمود بأسمائهم له، وعندما يسمعها العابد فوق، يقوم بصلاة لكل واحد منهم، ويضرب وهو قائم يصلي على أداة معدنية، تحدث بفعل ضرباته صوتاً عالياً ومقرقعاً. إنه لاينام أبداً وإذا أسلم نفسه للنوم، فإن عقرباً تصعد لتوقظه بلدغة مؤلمة، وذلك عقاب النوم فوق. وإن مايقال عن العقرب ينم عن أصل ديني مقدس، ولكن هل هذا صحيح؟ لست أدري! على كل حال، إني أعتقد أن الخوف من السقوط، يساهم أيضاً في أن يظل العابد يقظاً، وقد تكلمت كثيراً عن الذين يصعدون الأعمدة، أما المعبد فإنه ينظر إلى الشمس المشرقة.
وصف المعبد
من حيث الشكل، والطراز، إنه يشبه المعابد التي ينبت في( أيونيا). إن القاعدة التي يرتكز إليها ترتفع من الأرض مقدار «براستين». ويصعد إلى المعبد بواسطة درج ضيق، وعندما نكون اجتزنا الدرج، يهب الدهليز منظراً مدهشاً. إن الأبواب التي تزينه كلها من ذهب، و في الداخل يتلألأ المعبد بألف زينة ذهبية، والسقف كله من ذهب، و رائحة تراب الآلهة العنبري تتصاعد من البناء مثل الذي تعطر، كما يقال في بلاد العرب، وعندما يدخل المرء إلى المعبد يحس بالنسمة العذبة التي تخرج منه، هذه الرائحة لا تتركنا عندما نبتعد عنه، بل تظل طويلاً في الثياب، ويظل المرء يتذكرها دائماً.
التماثيل الذهبيّة
داخل المعبد ليس خاوياً. لقد بنيت فيه غرفة يوصل إليها بواسطة درج صغير وليس للغرفة أبواب، وواجهتها مفتوحة تماماً، ويمكن لجميع الناس أن يدخلو المعبد، إلا أن الكهنة وحدهم هم الذين لهم أكثر صلة بالآلهة، والذين توكل إليهم الأعمال الدينية، ويوجد في الغرفة تمثالان، أحدهما لـ «هيرا» والآخر ربما لـ «زيوس»، إلا أن السوريين يسمونه باسم آخر، وكلا التمثاليين من الذهب وكلاهما جالس، «هيرا» تجرها الأسود في حين يجر «زيوس» طاقم ثيران، وحقاً كل شي في هذا التمثال يذكر بزيوس، رأسه، ثيابه، عرشه. والمرجو أن لا يؤخذ لغيره. إلا أن تمثال هيرا لغيره. إلا إن تمثال هيرا يتأمله الإنسان يقدم اختلافات كبيرة في الملامح، في المجموع هو حقاً لغيره إلا أن فيه ملامح من أثينا وأفروديت و سيلينة ورحيا وأتيميس ونيميزيس والتماثيل ذات الأردية المتموجة، وهي تمسك بإحدى يديها صولجاناً وبالأخرى مغزلاً وحول رأسها أشعة وهالة وتتزنر بزنار، هو زينة مخصصة لأفروديت السماوية، يضاف إلى ذلك أنها مكسوة بالذهب والحجارة الكريمة وبعض هذه الحجارة الكريمة وبعض هذه الحجارة بيضاء وبعضها الآخر بلون الماء، أو لون النار، وكثير منها كوارتز سردينيا وياقوت وزمرد، وقد جلبها إليها المصريون والهنود والأحباش والميديون والأرمن والبابليون، ولكن بين الأشياء الأكثر إعجابا ذلك الحجر، الذي على رأسها ويسمى قنديل، وهو اسم يأتي من الأثر الذي يحدثه الحجر، فهو يلقي في الليل بإشعاع قوي، بحيث يضاء المعبد، الذي تهيمن عليه هيرا كله: إنما أضيء بالقناديل وبريق الحجر في النهار الضعيف، ولكنه يحتفظ مع ذلك بلونه الناري، ويهب التمثال أيضاً خاصية مدهشة أخرى، هي أنه إذا تأملته من وجهه فهو ينظر إليك وإذا غيرت مكانك ظلت عيناه تتبعانك، وإذا نظر رجل آخر من زاوية أخرى فعل معه مثل ذلك.
وهناك بين التمثاليين تمثالاً آخر هو أيضاً من الذهب لكنه لايشبهها، لا شكل خاص له، وملامحه هي ملامح الآلهة الأخرى، ويسميه الآشوريون الصنم دون أن يطلقوا عليه اسماً خاصاً ولا يذكرون شيئاً عن أصله ولاعما يعني، ويشبه بعضهم إلى ديوينسوس وأخرون إلى ديكاليون وآخرون إلى سميراميس. لإنه يحمل على رأسه حمامة من ذهب، ولذلك يزعمون أيضاً أنه يمثل سميراميس، وهو ينزل إلى البحر مرتين في العام، ليجلب الماء الذي كنت تحدثت عنه.
في المعبد، وإلى اليسار ونحن داخلون، نشاهد أول ما نشاهد عرش الشمس، إلا أن صورة هذا الإله ليست فيه، لإن الشمس فيه، ولإن الشمس والقمر هما وحدهما الإلهان الوحيدان اللذان لا يمثلان بواسطة الصور. لماذا يلجؤون إلى هذا الاستثمار؟. هاكم السبب الذي قدموه لي: يقولون إنه مسموح، من أجل الآلهة الآخرى أن تقام التماثيل، لأن أشكالها غير مرئية من عيون الناس، ولكن الشمس والقمر يظهران في ملأه النور، وجميع الناس تراهما، وإذا لماذا التمثيل بواسطة النحت لكواكب تتقد في السماء؟. نجد بعد هذا العرش تمثالاً لأبولون، ولكنه لايشبه التماثيل التي ترفع بالعادة له، فإن جميع الشعوب بالفعل تمثل «أبولون» على شكل شاب في زهرة العمر، والسوريون وحدهم أعطوا تمثاله وجهاً بذقن، وهم يمتدحون كثيراً طريقتهم تلك، ويلومون الإغريق، وجميع الذين يعتقدون أنهم يرضون «أبولون» بإعطائه ملامح الفتى المراهق، إنه في نظرهم عدم مقدرة، وشعوذة أن تمثل الآلهة بملامح ناقصة، لأن الشباب في رأيهم شيء ناقص، ومفارقة أخرى تلاحظ في التمثال وهي ثيابه التي يتزين بها، والتي لايرى لها مثيل في الخارج».
المصدر: كتاب الديانة السورية القديمة للدكتور محمود الحمود.