سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إدلب وتضارب المصالح الدولية

تحدث تغييرات طارئة بين الحين والآخر بخصوص ملف إدلب، وصراع الدول الكبرى في الانفراد بمصالحها عبر الترويج الهائل لمسألة إدلب واعتبارها النقطة الحاسمة لحل الأزمة السورية، بيد إن الاحتلال التركي لسوريا يُفاقم من الصراع الداخلي، بالإضافة للسعي لإطالة عمر تواجد بذرة الإرهاب في سوريا عبر إنشاء منطقة عازلة ضمن اتفاق روسي وتركي.
تسيطر المجموعات والفصائل المرتزقة والإرهابية وبخاصة “هيئة تحرير الشام” على الجزء الأكبر من أراضي محافظة إدلب السورية منذ بداية الثورة السورية في عام 2011، فيما يسعى النظام السوري في لعب دور المهاجم في مرمى ملعب تقوده روسيا وتركيا للتمويه أمام مرأى الجميع بأنه يشن حملات عسكرية لتحرير مدينة إدلب وإعادتها تحت سيطرته. سنسرد في هذا الملف أهمية إدلب، وصراع الدول عليها..
الموقع الاستراتيجي

موقعها الاستراتيجي هو امتداد لموقعها عبر التاريخ، حيث كانت ملتقى القوافل التجارية القادمة من أنطاكية فأفاميا وحلب وآفس وسهل العمق ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد شكلت مملكة إيبلا صلة الوصل بين عالم البحر المتوسط وعالم الشرق الأقصى، حيث تختزن ثلث ما في سوريا من أوابد ومواقع أثرية.
تقع مدينة إدلب على البوابة الشمالية لسوريا التي تطل منها على تركيا وأوروبا تقدر مساحتها بـ 6100 كم2، يحدها من الشمال لواء اسكندرون وتركيا بطول 129 كم، ومن الشرق حلب بطول 159 كم، ومدينة حماة من الجنوب بطول 158 كم، وغرباً اللاذقية بطول 29 كم.
وتمتاز إدلب بموقعها ضمن غابة من الزيتون وعلى الطريق الممتد من أنطاكية إلى معرة النعمان فـحماة ودمشق، والطريق الواصل بين حلب واللاذقية، وهي تحتل المرتبة الثامنة على مستوى سورية من حيث المساحة، وكذلك تحتل المرتبة الخامسة من حيث الكثافة السكانية، وتحتل موقعا متميزاً وهاماً على طريق الحرير قديماً وتعد معبراً للجيوش الغازية وطريقاً هاماً للقوافل التجارية القادمة من أوروبا إلى الشرق أو بالعكس عبر معبر باب الهوى الحدودي.
كانت إدلب قرية صغيرة تدعى على الأرجح (وادي لب) وتتألف من قسمين: إدلب الكبرى الواقعة شمال طريق معرة مصرين الحالي وهي قرية “دارسة”، وإدلب الصغرى إلى الجنوب من الأولى على بعد حوالي ثلاثة كيلو مترات وهي العامرة اليوم.
إدلب في التاريخ
وكانت قرية إدلب تتبع سرمين فيما مضى، ثم بدأت أهميتها بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم محمد باشا الكوبرلي (1583-1661)، أعفاها من الرسوم والضرائب وأقام فيها مباني ما تزال قائمة إلى اليوم فقصدها الأهالي من جسر الشغور وسرمين والقرى المجاورة، فاتسعت وازدهرت على حساب إدلب الكبرى. في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أتبعت إدلب جسر الشغور ثم أُتبعت بـأريحا ثم صارت مركز قضاء عام 1812م، ثم مركز محافظة في عام 1960م.
عانت إدلب ما عانته بقية المدن السورية في أوائل القرن العشرين من المجاعة بسبب الحرب العالمية الأولى وأصابها الدمار وسيق رجالها إلى الجندية الإجبارية وصودِرت أرزاقها وغلاّتها باسم الإعانة والإعاشة، كما عانت مرة أخرى من الانتداب الفرنسي عندما اتخذها إبراهيم هنانو معقلاً لثورته على فرنسا فقصفتها قوات الاحتلال بالمدفعية في 20 كانون الثاني1920م.
نظم محمد باشا الكوبرلي مدينة إدلب وفق مخطط عمراني اختاره بنفسه فبنى فيها الخانات كخان الشحادين وخان الرز ونظم أسواقها فجعل لكل حرفة فيها سوقاً خاصة، ورصف شوارعها بالحجر، ويتألف المخطط العام للمدينة من نواة بيضوية قديمة مكتظة بالسكان، وأحياء جديدة تنتشر حلقات حول النواة وتخترقها شوارع عريضة مستقيمة ومنتظمة.
مكونات إدلب

قدّر عدد سكان مدينة إدلب مليونين ونصف مليون نسمة، أغلبهم من  المكون العربي، ونسبة قليلة من التركمان والكرد، ويشار إلى انتماء أكثر السكان إلى الطائفة السنية، كما ويوجد نسبة من المسيحيين، والدروز، وأقليات دينية أخرى.
بماذا تشتهر إدلب؟
تشتهر إدلب وريفها بمنتوجها من محصول الزيتون حتى أن الأخوين رسل سمّياها عام 1772 بلد الزيتون وهو محصولها الأول، وفي إدلب صناعات قديمة مختلفة، كعصر الزيتون – كان في المدينة زمن الاحتلال العثماني 200 معصرة زيتون تحت الأرض اندثرت كلها , وفيها ايضاً صناعة الصابون حيث حُصِرت هذه الصناعة بها في عهد محمد باشا الكوبرلي، فكان فيها ست وثلاثون مصبنة، وصناعة الدبس والحلاوة والطحينة والأحذية.
المعالم الأثرية
يحيط بمدينة إدلب عدد كبير من المناطق الأثرية كـالبارا ورويحة وقلب لوزة وقصر البنات وغيرها، وهي لا تبعد أكثر من 15كم عن جبل الأربعين أفضل مصايف الشمال، إلى جانب العشرات من المواقع الأثرية الأخرى.
الاقتصاد
يحتل القطاع الزراعي موقع الريادة لتواجد السدود وشبكات الري والذي أكسب المدينة لقب المدينة الخضراء، ففي حين تبلغ المساحة المستثمرة 347570 هكتاراً أي بنسبة 56.5%، وتتميز بخصوبة أراضيها وغزارة أمطارها وتعدد مواسمها الزراعية وكثافة أراضي الأحراج والغابات فيها حيث تحتل مساحة قدرها 18211 هكتاراً أي بنسبة 13.5% وكذلك تنوع الأشجار المثمرة فيها وفي مقدمتها شجرة الزيتون التي يبلغ عددها حوالي 15 مليون شجرة يقدر متوسط إنتاجها السنوي بحوالي 160 الف طن.
المراحل التي مرّت بها إدلب في الثورة

انتفضت إدلب في بداية الثورة السورية في عام 2011 حيث كانت أكثر الاحتجاجات والتظاهرات في جسر الشغور ومعرة النعمان وجبل الزاوية وسراقب، حتى وضعت ضمن المنطقة الرابعة من خفض التصعيد ضمن صفقة ثلاثية ” إيران وروسيا وتركيا”.
23 آذار 2015 : أعلن جيش الفتح عن معركة بهدف السيطرة على إدلب، وبعد خمسة أيام سيطر على كامل المدينة، وكانت ثاني مركز محافظة بعد الرقة تخرج عن سيطرة النظام.
25 نيسان 2015: سيطر جيش الفتح على جسر الشغور بريف إدلب الغربي، وهي بوابة المحافظة إلى اللاذقية معقل النظام السوري.
9 أيلول 2015: سيطر جيش الفتح على كامل إدلب ريفاً ومدينة، بعد سيطرته على مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب الشرقي الذي كان يشكل آخر معاقل النظام في المحافظة.
في أواخر 2015 كانت نهاية جيش الفتح بعد إعلان فصيل جند الأقصى انسحابه منه، واتهام بقية الفصائل له بانتمائه لمرتزقة داعش، وانتهى المطاف بجند الأقصى إلى استئصاله في إدلب، والسماح لبقية عناصره بالذهاب إلى مناطق مرتزقة داعش، وانتهى وجود جيش الفتح بالمجمل بعد إعلان هيئة تحرير الشام عن تشكيل إدارة مدنية لإدلب وإنهاء إدارة جيش الفتح لها.
وكما شهدت إدلب مواجهات بين مرتزقة جبهة فتح الشام (النصرة سابقا) والمجموعات المرتزقة التي خرجت من  حلب، وانتهت بانصهار عدد منها في أحرار الشام، وشهدت أيضا الفترة التي أعقبت خروج المجموعات المرتزقة من شرق حلب، تفكك مرتزقة حركة أحرار الشام، وانضمت إلى هيئة تحرير الشام التي شكلتها جبهة فتح الشام.
سيطرت هيئة تحرير الشام على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا والمناطق المحيطة به بعد مواجهات مع حركة أحرار الشام وكما تسيطر على مدينة إدلب والمعبر والمناطق المحيطة به، وعلى خان شيخون وأريحا وجسر الشغور، والريف الشمالي والقسم الأكبر من الريف الجنوبي.
الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني أبناء الاحتلال التركي
بعد أن روّج النظام السوري لخوض معركة ضد المجموعات المرتزقة لتحرير إدلب، سعت المجموعات المرتزقة والتي تضم مرتزقة جيش الفتح” النصرة سابقاً” وهيئة تحرير الشام إلى تمويه وجودها وأعلنوا عن تشكيل جبهة تضم المجموعات المرتزقة باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، والجيش الوطني فيما بعد. تشكلت الجبهة والجيش الوطني في رواية كتبها الاحتلال التركي لبسط نفوذه في سوريا وذلك عبر دعم وجمع المجموعات المرتزقة من حولها وضمها في مسمّيات مختلفة، غير أن تركيا ترى بأن إدلب هي عبارة عن مناطق نفوذ لها نظراً لتواجد بقايا القاعدة ومرتزقة داعش والمجموعات المرتزقة الأخرى فيها.
إدلب في المرحلة الحالية
بعد اجتماع قمة طهران بفترة لم تتجاوز عشرة أيام، اجتمع حكام تركيا وروسيا في قمة سوتشي مجدداً في 17 أيلول المنصرم وكان الملفت عدم دعوة إيران بعد أن كانت هي راعية اجتماع قمة طهران قبل عشرة أيام، واتضح بأن أردوغان وبوتين ارادا أن يظهرا للعلن بأنهما سحبا مهمة توسط إيران في الحرب السورية وأن تستفردا في الساحة السورية، وأيضا إفشال ما جاء في قمة طهران.
ولكي ترد إيران الصّاع صاعين حول فشل قمة طهران وعدم التعامل معها بجدية، اعلنت عبر بيان بأنها لن تشارك في حملة تحرير إدلب، وبالفعل بعد إعلانها توقفت هجمات النظام على إدلب، ومن الناحية الأخرى كان قصف اسرائيل للمحافظتين السوريتين (اللاذقية وحماة) رسالة صارمة لإيران، وبهذا يتضح بأن هناك مخطط مشترك بين الدول ضد إيران لكي تنفرد كل دولة للاهتمام بمصالحها والمتاجرة بالدم السوري.
إيران لم تصمت وتحركت لترد على المخطط التركي والروسي حول تجميد تدخلها في الملف السوري، وبهذا ارادت ايران ان تضع علاقة روسيا واسرائيل والولايات المتحدة ضمن محور التساؤلات والنقاش لكي تفشل مخططاتهم حول تواجد إيران في سوريا، في الواقع روسيا لا تتفق مع أي دولة للاهتمام بالشأن العام إنما من أجل أن تمد بقائها في الملف السوري لخدمة مصالحها.
تضمن اتفاق روسيا وتركيا بخصوص ملف إدلب في اجتماع سوتشي بقاء بقايا القاعدة وداعش في إدلب تحت رعاية تركية عبر إنشاء منطقة عازلة بعمق 15- 20 متراً وبذلك كي تحمي تركيا مرتزقتها في إدلب، وهذا ما لم ترضى به إيران والنظام.
وعليه سيكون المخطط الحالي هو كيفية إنهاء التواجد الإيراني في سوريا من قِبل روسيا وتركيا، وستسعى إيران لإفشال مخطط روسيا وتركيا حول سوريا كما أفشلت مخطط روسيا وإسرائيل إن الاهتمام الشديد لتركيا في ملف إدلب يؤكد ضمنياً بأن مصلحتها تكمن في تواجد المجموعات المرتزقة والإرهاب لأنها تتحكم في الملف السوري وبخاصة إدلب عبر تواجد مرتزقتها في المنطقة.
التواجد التركي على غرار تواجد الدول الخارجية في سوريا لن يخدم بأي طريقة في وضع حل سياسي وسلمي يرضي الاطراف السورية كافة، حيث إن التواجد التركي سيسعى إلى نشر بذرة الإرهاب والمرتزقة في المناطق الأخرى، وحال إدلب سيعقد الأزمة بشكل مضاعف.

وكالة هاوار