سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إدلب…. بين الاتفاق والنفاق

تحقيق/ فيروشاه أحمد –

ما زالت إدلب تمثل شعرة معاوية في إنهاء أو استمرار الأزمة السورية، وبكل أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية، في الوقت الذي كان معاوية لوحده يتحكم في شد أو أرخاء تلك الشعرة، نجد بأن الكل يشد شعرة إدلب كما يحلو لمصالحهم، وباتت تلك الشعرة تمثل مصير شعب بأكمله، ولا نجد أي طرف يحاول أن ينهي الأزمة كي تعود سوريا وشعبها إلى الاستقرار والبناء من جديد.
من خلال كل التسويات والمقايضات التي تمت منذ استسلام مقاتلي الزبداني، وحتى أخرهم في درعا، جُمعت تلك الفصائل مع عوائلهم في إدلب وبعضهم في عفرين وما حولها، وكأن هذه المدينة أصبحت مختبراً لصبر السورين، ومن جهة أخرى أعطت وقتاً إضافياً للقوى الدولية والإقليمية لمراجعة حساباتها بكيفية تطبيق أجنداتها على جثث السوريين.
وما الاتفاقات التي تم التوصل اليها بشأن إنهاء الأزمة بين الأطراف المتعارضة ألا نفاقاً سياسياً يحاول كل طرف أن يحصل على أكبر كمية من الارتزاق، وسرقة ما يحلو لهم من الثروات السورية عبر اتفاقات مع النظام أو الحكومة القادمة بعد تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، ورغم كل ما فعلوه من دمار وخراب للبنية التحتية في سوريا، وقتل وهجرة الملايين ما زالوا يخططون لدمار ومقتل ما تبقى.
من الاتفاق إلى المماطلة والتوافق المؤجل

لا يختلف اثنان بأن الاتفاق التركي ـ الروسي جاء كحالة إسعافية وليس حلاً دائماً للأزمة، وكل المراد من هذا الاتفاق هو استراحة محارب متخاذل كي يكسب وقتاً حتى يستجمع قواه، والمماطلة بتطبيق نص الاتفاق تأكيد صارخ بأن نوايا المتفقين ليست إنسانية بحتة، بل هو التوصل إلى حلول أخرى قد تكون استراتيجية لبلدانهم.
الجانبان الروسي والتركي توصلا إلى اتفاق يقضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح، تتراوح عرضها من 15 إلى 20 كم وبطول خط التماس، على أن يطبق في منتصف تشرين الأول من العام الحالي، وتتكفل تركيا بإخراج جميع الفصائل المسلحة من المنطقة، وتنزع منها الأسلحة الثقيلة (الدبابات ـ والصواريخ) على أن تقوم قوة روسية وتركية بمراقبة المنطقة، من جانب أخر ستعمل الدولتان على فتح حركة المرور بين حلب واللاذقية وبين حلب وحماة.
هذا الاتفاق أجّل الهجوم المزمع من قبل النظام وروسيا، البند الثاني من الاتفاقية يؤكد على بقاء الوضع في إدلب كما هو، بمعنى آخر أن تبقى إدلب بؤرة قابلة للانفجار في اللحظة التي يشاء بوتين وأردوغان، كي يدخلا في مقايضات مع النظام أو أمريكا؟
والمتابع لنصوص الاتفاق يرى بأنها تهدئة أو هدنة مؤقتة ريثما تتفق الدول الضامنة بإعداد مشروع أخر للتسوية في سوريا يتوافق وأجنداتها، وما يجعل الشك يراود المهتمين من نوايا أصحاب الاتفاق اللقاء الذي جمع بوتين وأردوغان وروحاني في أيلول المنصرم، حينها رفض بوتين مقترح أردوغان بوقف إطلاق النار.
كان هدف تركيا من عملية إدلب محاربة هيئة تحرير الشام بمساعدة مرتزقتها الموجودة في إدلب، وإقامة منطقة شبيهة بعفرين وجرابلس، بينما أكد بوتين على محاربة كل الفصائل المتواجدة في إدلب وإخضاع المنطقة لسيطرة النظام، هذا ما أقلق تركيا فسارعت إلى أحضان روسيا وتم التوافق على إقامة منطقة منزوعة السلاح والحفاظ على مرتزقتها في المدينة، من جانب آخر أعطى الاتفاق لتركيا فرصة بأن تعيد ثلاث ملايين لاجئ سوري وتوطينهم في عفرين وجرابلس لتغيير ملامح التركيبة السكانية للمدينة السورية، حيث كانت تطمح تركيا أن تتلقى تفويضاً بإدارة إدلب عسكرياً وأمنياً، أما الجانب الإداري فقد يعطى لها استقلالاً محلياً مرتبطاً بالنظام بمعزل عن الأمور الأمنية والعسكرية.
الفصائل المرتزقة عصا في عجلة المصالح الدولية

وكان هدف تركيا من المماطلة وتأجيل العملية العسكرية إنما لكسب مزيد من الوقت لترتيب برنامج يقضي بالفصل بين التيارات المعتدلة والمتشددة، وإنهاء الفصائل المتشددة وحلها نهائياً، ورمت روسيا بتركيا كي تقاتل المتشددين وهذا قد يؤدي إلى فشل مهمة الدول الضامنة للاستمرار وتعود العلاقات الروسية والتركية للمربع الأول.
من جانب آخر جاء تأجيل الروسي للعملية العسكرية على إدلب بدافع الحفاظ على مصالحها، وتوريط تركيا بالمسؤولية تجاه هذه التسوية، لأن روسيا تدرك تماماً بأن تركيا لا تستطيع أن تحافظ على انسجام كل الفصائل في إدلب لأن هيئة تحرير الشام ترفض التدخل والوصاية التركية، ومن جانب آخر يرى الروس بأن تأجيل الحملة العسكرية تقتضي أولاً بالقضاء على المجموعات الإرهابية والتخلص من قادة تلك التنظيمات، وتجد من العملية السياسية وعبر الحوار الجدي بين الأطراف المتنازعة طريقاً أسهل لتحقيق مصالحها، وهي من تبنّت دستور جديد للبلاد، ومن ثم تساهم في استثمار عملية إعادة البناء.
بذات السياق كان لتصريح ترامب عن عزمه بضرب مواقع جيش النظام وحلفائه، أثره الواضح في تأجيل الحملة العسكرية، وقد تقع إصابات في الجانب الروسي، وهذا ما يجعل شبح الحرب بين واشنطن وموسكو تتأجل أيضاً، وقد تحركت فرنسا وألمانيا وبريطانيا نحو البحر المتوسط للحفاظ على مصالحها ضد التوسع والهيمنة الروسية في المنطقة.
مصالح متضاربة وقوى متحاربة

التناقضات بين الدول المتصارعة على سوريا أفضت إلى كثرة اللاعبين ونزاعاتهم حول تحقيق أجنداتهم في المنطقة، والسبب الأهم ضعف النظام الواضح بعد الأزمة بالسيطرة على الوضع الأمني والاجتماعي، حينها لم تكن روسيا ذات تأثير على الساحة الدولية لكن بوتين وعلى مدى سنين قليلة أقنع الروس بأنه مخلصهم بإعادة الاعتبار لهم دولياً، ففي البدء أستغل أسعار النفط المرتفعة 2014 ومن ثم تدخل في جورجيا وأوكرانيا واتبع بعدهما التدخل المباشر في سوريا.
كان حوار روسيا مع أمريكا مستمراً رغم تناقضهما في تقاسم النفوذ في سوريا والمنطقة بشكل عام، لولا هذا التدخل لما وصلت سوريا لهذه الأزمة، كون تناقضاتهما لم تتوضح ألا في خلق فوضى وأزمات لشعوب وأنظمة المنطقة، لهذا لم تجد اتفاقية إدلب مسارات للنجاح وإنهاء الأزمة، رغم توافق الدول الضامنة على انجاحها، إلا أنهم في العمق متناقضون سياسياً وتاريخياً ومذهبياً وقد ينعكس ذلك على عدم التزامهم ببنود الاتفاقية، وقد تلجأ كل دولة بمفردها إلى تحقيق مصالحها في سوريا من خلال إدلب.
من هنا تعمل تركيا على تزويد المرتزقة في إدلب بالسلاح كي تصد أي هجوم للنظام، من جانب آخر ما زال التوتر قائماً بين أنقرة وموسكو وهذا قد يدفع أردوغان بالتوجه نحو حليفته أمريكا بالضغط على النظام للحد من توسع نفوذ إيران، بينما يرى النظام وإيران بأنهما بحاجة لمزيد من الوقت كي يعيدا ترتيب علاقتهما، وبحسب الاستراتيجية الأمريكية والتي تتمثل بتعطيل كل الخطط الروسية التي قد تدعم تركيا نسبياً بتدخلها في إدلب كي تعيق التقارب الروسي التركي.
في السياق ذاته؛ دعا رئيس المفوضية الأوروبية (جان كلود يونكر) دول الاتحاد إلى عدم التزام الصمت تجاه “الكارثة الإنسانية الوشيكة” في إدلب بهذا الخطاب (الإنساني) يحاولون أن تسير أساطيلهم نحو بلدان العالم، وإلا لماذا لم تسارع أوروبا وغيرها من الدول إل فض النزاع في سوريا قبل أن تتحول إلى كارثة إنسانية، أنها لغة المصالح واستغلال الشعوب.
تركيا والمرتزقة

بات مصير مرتزقة أردوغان مرتبطاً بمصير مدينة مكتظة بثلاث ملايين نسمة، ومن جهة أخرى مرتبط بمصير ثلاث ملايين لاجئ سوري، هؤلاء باتوا رهائن لدى أردوغان، يصطاد من خلالهم في الماء العكر حتى يحقق أكبر قدر ممكن من اجنداته في المنطقة، فكلما أخفق أردوغان في سياساته لوح بعصا مرتزقته في الداخل السوري، وأحياناً يلوح بعودة اللاجئين السوريين من تركيا وتوطينهم في مناطق عفرين وغيرها.
مرتزقة إدلب المنضوين تحت سيطرة تركيا باتوا قلقين أكثر بعد اتفاقية إدلب، وقد تصبح الاتفاقية بين أردوغان وبوتين في طي النسيان لأن أغلب الفصائل الأخرى لا تميل لسياسات أنقرة وموسكو، ولم تستطيعا أن تفرضا شروط الانسحاب وتسليم أسلحة تلك الفصائل، من جانب آخر باتت الجنسية التركية وبخاصة في ظل التدهور الاقتصادي التركي في متناول المرتزقة وبعض اللاجئين بعد أن سهلت تركيا طرق إقتنائها تحت شعار (الإسلام السياسي) بحيث ينال الجنسية أصحاب رؤوس الأموال والحاصلين على الشهادات العالية.
من هنا بات الوضع السياسي في تركيا في أزمة أخرى بسبب تدخلات تركيا في الأزمات الإقليمية، ومن جانب آخر استفحال التوتر بين تركيا والدول الاقتصادية الكبرى (أمريكا ـ والمانيا) هذه العوامل أدخلت تركيا نفقاً مظلماً من العلاقات ووضع سياسي غير مستقر، بذات السياق يلجأ أردوغان بين حينٍ وأخر إلى إشكالية اللاجئين السوريين والمتاجرة بمصيرهم، وتتفق روسيا معها لكن بصيغة أخرى، أي أنها تروج بعودة اللاجئين إلى سوريا لأن جيش النظام يسيطر على أغلب الأراضي السورية.

من جانب أخر تتمسك تركيا باللاجئين تارة حتى ينقشع الضباب عن اتفاقية إدلب وتحافظ على مرتزقتها، وتارة أخرى تهدد بتوطينهم في مناطق عفرين وغيرها حتى تغيّر من ديمغرافية المناطق الكردية، تحسباً لأي حالة مستقبلية تعيشها المنطقة لانتخابات برلمانية أو إدارية، لأنها تعلم جيداً بأن لشعوب شمال وشرق سوريا إدارتهم الذاتية الديمقراطية وهو مشروع سوري يدعو للتعايش المشترك في ظل قانون يقوم بصياغته كل المكونات السورية.