سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إدلب… المسلسل المرتقب بعد درعا والقنيطرة

أكرم بركات –
تمّ جمع جميع فصائل المرتزقة في سوريا في مناطق إدلب وجرابلس وإعزاز والباب وعفرين وعلى رأسهم مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) حيث من المتوقع أن تشهد تلك المناطق تطورات كبيرة في الأيام المقبلة، فإما يتم تصفية كامل المجموعات المرتزقة هناك، أو يكونوا ورقة تهدِّد بها تركيا أمن واستقرار المنطقة وبشكل خاص مدينة حلب التي أصبحت بمثابة حلم تركي.
شهدت الآونة الأخيرة تطورات كبيرة على الساحة السورية وبشكل خاص في المناطق الجنوبية لسوريا (درعا والقنيطرة)، بالإضافة للمنطقة الجنوبية لريف حلب في بلدتي الفوعة وكفريا الشيعيتين اللتين كانتا محاصرتين من قبل مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً).
أهمية معركة الجنوب
معركة الجنوب السوري تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة لعدة أطراف دوليَّة في الصراع السوري الدائر منذ 7 أعوام، لأنَّ درعا التي دارت حولها الأحداث تشكل البوابة الجنوبية للعاصمة دمشق، وقربها من الأردن يُقلق عمان من تدفق آلاف المهجرين الفارين من الحرب الدائرة في تلك المنطقة، بالإضافة لمحاذاتها لحدود إسرائيل، ووقوعها في مثلث الأردن وإسرائيل.
كما لها أهمية كبيرة لكل من روسيّا وأمريكا، وظهر ذلك جلياً بعد قمة هلسنكي التي جمعت رئيسي أمريكا وروسيّا، حيث أن كلا القوتين اتفقتا، وبحسب بوتين: «أن جيشي البلدين يعملان بشكلٍ ناجحٍ في سورية، متطلعين لتمتين التعاون بينهما». ويرى المراقبون أن روسيّا وأمريكا، اتفقتا على أن تعود المناطق الحدوديّة مع كلٍّ من الأردن وإسرائيل إلى سلطة النظام لضمان أمور متعلقة بالطرفين في الاتفاق، وهما: أولاً، متابعة النظام تنفيذ اتفاقية 1974م المتعلقة بقواعد فك الاشتباك مع إسرائيل من جهة، وثانياً، استعادة المنفذ الاقتصادي مع عمان من جهة ثانية. وثالثاً إفراغ تلك المنطقة من المجموعات المسلحة والمرتزقة كما حدث في الغوطة.
روسيّا داعمة أساسية للنظام السوري، منذ بدء الحراك الثوري في سوريا وتحول فيما بعد إلى صراع مسلَّح، ومن جانبها أعلنت الولايات المتحدة منذ بداية العمليات أنها لن تتدخَّل؛ الأمر الذي يعني دعوة الفصائل في درعا وبعدها القنيطرة للاستسلام في حقيقة الأمر، ويشير إلى تفاهم روسيّ- أمريكي- «إسرائيلي» مسبق حول العمليات الجارية. بعد تعهُّد روسيا إضعاف نفوذ الإيرانيين في المنطقة والعمل على إخراجهم من سوريا.
لذلك شنَّ جيش النظام السوري وبكل أريحية بدعمٍ روسيّ، في 19 حزيران، هجوماً على محافظة درعا، التي انطلقت منها شرارة «الثورة السورية» في 15 آذار 2011م واستخدمت قوات النظام وحلفاؤها مختلف أنواع وصنوف الأسلحة، أسفرت عن تدمير واسع في البنى التحتيّة والمرافق العامة وأملاك المواطنين الخاصة. وتمكَّن النظام وروسيا من بسط سيطرتهم على أكثر من ثلثي المحافظة في غضون 15 يوماً بسياسة الأرض المحروقة عن طريق القصف الجوي والأرضي من قِبل روسيا والنظام معاً.
وتمكَّن جيش النظام السوري من استعادة مدينة درعا القديمة (درعا البلد) ومعبر نصيب التجاري المهم مع الأردن، وأكثر من 90% من محافظة درعا، وتقدَّم بسرعة للسيطرة على القنيطرة وتمكن من دخول أول قرية فيها في 20 تموز الجاري بعد اتفاق مماثل للذي أُبرِمَ بين الفصائل المسلحة وجيش النظام السوري برعاية روسيّة، كما حدث في درعا والذي ينصَّ على إخراج الفصائل التي ترفض بدء عودة انتشار قوات النظام في المحافظة الواقعة على الشريط الحدوديّ مع الجولان المحتل إلى منطقة إدلب، وبهذا تفقد ما تسمى بالمعارضة السورية آخر معاقلها في جنوب غربي سورية، وكذلك المناطق الحدوديّة كافة مع دول الجوار، باستثناء أرياف حلب وإدلب الحدوديّة مع تركيا والتنف مع العراق. وبالتوازي مع ذلك يستمر التواصل بين روسيّا وإسرائيل حول سوريا، مع تأكيد الثانية أنها ستواصل التحرُّك ضد الوجود العسكريّ الإيرانيّ هناك، مقابل سعي موسكو لمنع وقوع صدام إيرانيّ إسرائيليّ.
وبحسب بعض المراقبين تجري المفاوضات لاستعادة الجزء الجنوبي الشرقي حتى التنف على رأس المثلث الحدوديّ السوري – الأردني – العراقي، في الوقت الذي يسيطر النظام على المنطقة الوسطى (حمص وتدمر) علاوة على الساحل والمدن الكبرى في المنطقة المركزية الاستراتيجية (الغربية).
إدلب والسيناريوهات المنتظرة
وفي نفس السياق جرى اتفاق بين النظام برعاية روسيّة- تركيّة على إخراج 7 آلاف عائلة من بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين إلى المناطق الجنوبية لحلب، وتسليم البلدتين لمرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً). وبهذه الاتفاقية تم تفريغ البلدتين من سكانها الأصليين.
وبالنظر إلى المشهد السوري في الآونة الأخيرة، أي بعد هجوم النظام السوري بدعم روسيّ وصمت دولي على محافظة درعا والقنيطرة، والاتفاقات التي أُبرِمت بين النظام والفصائل المسلحة في المحافظتين برعاية روسيّة وإخراجهم إلى إدلب التي تحوَّلت إلى بؤرة تجمع الفصائل المتطرفة والمرتزقة التي تتلقى دعمها من تركيا، بالإضافة لإفراغ بلدتي كفريا والفوعا، وجعل منطقة إدلب معقلاً خالصاً للمرتزقة وتحت السيطرة التركية، وبإشراف مرتزقة هيئة تحرير الشام وبطلب تركي، بعد التوافق مع روسيّا على ذلك. يمكننا سرد عدة وجهات نظر محتملة الحدوث مستقبلاً.
ومن أبرز هذا الوجهات أن مصير إدلب قد يكون مشابهاً لمصير الغوطة ودرعا، أي سيطرة النظام والتهجير، ويرى البعض أن هذه الوجهة مستبعدة قليلاً نتيجة التفاهمات الروسيّة التركية لمنع إجهاض مفاوضات آستانة، والبعض الآخر يرى أنَّ الهدفَ من ذلك إنشاء منطقة سِنيَّة برعاية تركية في كلٍّ من جرابلس وإدلب وإعزاز، أي في خاصرة حلب التي تطالب تركيا بوصايتها الآن. وبشكل خاص مدينة إدلب يتواجد ضمنها مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، مما يشكّل عقبة أمام أيِّ تسوية مُمكنة تخصّ المنطقة، فهي تنظيم إرهابي حسب التصنيف الدولي. لذلك تركيا تحاول وبشتى السبل إنهاء تواجد مرتزقة الهيئة في إدلب، عبر حلّها أو اندماج عناصرها بفصائل أخرى غير مُصنَّفة في لوائح الإرهاب.
وعمليات الاغتيالات التي تجتاح إدلب منذ أشهر لقياديين في فصائل مختلفة، من ضمنها مرتزقة هيئة تحرير الشام لربما دليلٌ على ذلك.
ويرى البعض أنَّ إخراج أهالي بلدتي كفريا والفوعة هي بداية لشن حملة عسكرية سورية- روسيّة على مناطق إدلب وتحويل تلك المنطقة إلى حمَّام من الدم. وبشكل خاص إذا ما سعت تركيا إلى التوجُّه نحو حلب، والتي يبدو أنَّ محاولاتها تدور وراء الكواليس حتى وإنْ بدى العكسُ.
ومن المتوقع أن تشهد مناطق جرابلس، إدلب، الباب، عفرين وإعزاز تطورات كبيرة في الأيام المقبلة؛ فإما أنْ يتمَّ تصفية كامل المجموعات المرتزقة هناك، أو يكونوا ورقة تهديد بيد تركيا تُهدِّد بها أمن واستقرار المنطقة.